لجان التحقيق النيابية تغذي الصالونات السياسية

لجان التحقيق النيابية تغذي الصالونات السياسية

فرط لجان التحقيق النيابية بالبرلمان افرز أزمة تضاف إلى العديد من محطات التوتر والجذب والشد، الذي واجهها منذ البدايات والواقع أن المجلس السادس عشر سيظل مهددا بأمواج تسونامي الشعبية والإعلامية طيلة الوقت، ولا يقتنع بعض من نوابه أو أغلبيتهم بأنه مرحلة انتقالية ضرورية في العملية الإصلاحية، أو بمعنى آخر، تجسيرية للانتقال نحو متطلبات إصلاحية متقدمة. من حيث المبدأ تميل الذهنية العربية إلى تشكيل اللجان واللجان الفرعية، ومن أصغر مؤسسة إلى أكبر كيان عربي تصبح اللجان والاجتماعات فرصة لخلط الأوراق، في حين خلط الأوراق يفترض أن تكون لجان التحقيق مسألة عابرة ومؤقتة، فالجميع ما زال يتذكر لجنة مكارثي، ولجنة كاهانا مثلا، ولكن من سيتذكر فيض اللجان التي انبثقت في غفلة من الزمن عندنا في البرلمان. رئيس المجلس يتوجه لإتاحة الوقت الكافي للوظائف الرئيسية للمجلس في الرقابة والتشريع، خاصة أن قضايا الفساد درست في الهيئة المخصصة لهذه الغاية ضمن إطار متخصص وجرى إعداد التقارير اللازمة وتجهيز الملفات، ويفترض أن المختصين بالقانون في هذه الهيئة هم فعليا الجنود المجهولين في الحرب على الفساد، وليس النواب. ظاهرة الصالونات السياسية أرهقت الأردن في السنوات الماضية، ورعى رئيس المخابرات الذي يواجه حاليا العديد من القضايا أمام العدالة الأردنية العديد من هذه الصالونات وزين لها سوء عملها، واليوم نرى أن لجان التحقيق اخذت تعذي الصالونات السياسية بسبب كثرة عدد اعضائها وعدم التزام بعضهم بسرية التحقيق بما يقال وما لا يقال. هذه الوضعية مقلقة، وبعض الدول أبدت امتعاضها من فوضى التحقيقات التي جرت والاتهامات التي أطلقت جزافا، ولا يعني ذلك أن يحصل أحد على الحصانة، فالجميع يمكن أن يخضعوا للملاحقة والمحاسبة، ولكن عبر القنوات الاعتيادية وبالطرق القانونية المنضبطة، ولن يقبل أي مستثمر حقيقي أن يتحول إلى مضغة في الأفواه، فالمستثمر الجاد يقيم سمعته إن لم يكن بالملايين فبالمليارات، ويمتلك عادة جيوشا من المحامين التي يمكنها أن تدافع عنه وأن تسترد الضرر في سمعته ليس عن طريق تبويس اللحى وطلب العفو، وإنما مقابل غرامات وعقوبات بالغة.القضايا الدولية لا تنتهي بالحبس لثلاثة أشهر وغرامة عشرين دينارا، وإنما يمكن أن تدخل تعويضاتها في خانات الأصفار الستة أو السبعة أو حتى التسعة، ولا توجد جاهات يمكن أن تنطلق إلى باريس أو سلطنة بروناي، وبالتالي فالقضية أكبر، المستثمر يمكن أن يثق في القضاء أو حتى في المجلس النيابي الذي يعمل وفق عملية دستورية منضبطة وسليمة وضمن دوره المرسوم بعناية، ولكنه ليس مضطرا أن يعترف بأعمال اللجان وأن يمنح ثقته بالجملة والمفرق لنواب وكتلهم. الأولى بالمجلس أن يدعم هيئة مكافحة الفساد وأن يصر على تزويدها بالكفاءات والإمكانيات اللازمة، وأن يوفر الغطاء السياسي لعملها ونتائج تحقيقاتها، ولكن ما يحدث هو عملية مزاحمة تعتمد على الغزل غير المشروع مع الإعلام والشارع، ويهدد بالفعل عملية الإصلاح من خلال خلق تيار مناهض من ضحايا القصف العشوائي بالاتهامات والتلميحات والهمزات المتطايرة تحت القبة.