انفلتت الشتيمة من دوبا الذي تجمد في مكانه وكأنه اصطدم بجدار غير مرئي.. تأمل بوجل الشجرة التي طالما أثارته رؤيتها.. أعاد الشتيمة بصوت منخفض ثم وضع خرجه وفأسه على الأرض ببطء من دون أن يحول نظره عن شجرة العناب.. استقام ببطء وتقدم نحو الشجرة متمتما مرددا بعض الكلمات السحرية خفية.. على بعد خطوتين من الشجرة انفلتت منه الشتيمة مرة أخرى.. نظر طويلا متفحصا الثمر والاوراق ودار حول الشجرة مرات عدة ثم أقعى ووضع رأسه بين يديه.
***
ليس هناك شك مطلقا.. انها هي من دون ريب.. هذا اللون الذي يصعب تحديده أو بالاحرى هذا الخليط من الالوان وهذه الثمار التي تبدو أكبر حجما من العادة.. خليط من الاصفر المائل الى الحمرة والاخضر المسود وأخضر الاوراق اللامع... هذه الشجرة تشبه الاخرى.. الشجرة الاولى التي استحوذ عليها الجن في الطرف المقابل من الغابة وعلى مرمى حجر من مصنع النساء الذي ينطلق منه الغناء والضحك.. شجرة عناب أخرى استحوذ عليها الجن.. شعر برعدة غزت ظهره وتوقف عقله عن التفكير..
وقع الحادث التراجيدي الاول منذ مدة طويلة.. مر عليه الآن سبعة مواسم أمطار.. وهو اليوم قد بلغ الستين.. لقد ذهب ذات يوم ثلاثة من أصدقائه لصيد السناجب ورجعوا يشكون من أوجاع في بطونهم.. ثم شرعوا في التقيؤ والاستفراغ...أخرجوا شيئا أسود لزجا وسائلا أخضر.. وعند منتصف الليل أسلموا الروح الواحد تلو الآخر رغم العناية الشديدة والجهد الذي بذله أبوه أشهر وأمهر متطبب في كل الجهة.. استشار الرجال - أبوه في مقدمتهم - الارواح فاكتشفوا أن المفقودين دخلوا الغابة المقدسة الممنوعة على غير المختونين.
وقع الحادث الثاني بعد أعوام.. ربما بعد عشرين او ثلاثين سنة.. لم يعد يتذكر التاريخ بدقة.. في هذه المدة تزوج ثلاث مرات وورث عن أبيه كل علوم التطبب..
كان دور أودجو: الطفل المتخلف الذي عجز عن علاجه رغم معرفته الواسعة بالنباتات ورغم مهارته في توظيف الاسماء والرموز الخفية.. وجدت ذات صباح جثة أودجو ملقاة تحت شجرة عناب تبعد قليلا عن القرية وحولها تناثرت بعض الثمار وعلى الصدر العاري انتشر القيء الاسود والسائل الاخضر.. الاعراض نفسها التي ظهرت على الشبان الثلاثة منذ سنوات.. وجدوا بيده المغلقة حبات عناب لها اللون نفسه الذي لا يمكن تحديده المتراوح بين الاصفر المائل الى الحمرة والاخضر المسود قليلا.. هذه المرة لم يكن ممكنا اتهام ارواح الغابة المقدسة التي تبتعد أميالاً عدة عن هذا المكان.. للقيء والسائل اللزج لون الثمار نفسه: اصفر مائل الى الحمرة.. أخضر مسود. بعد استشارة الارواح وصل الرجال الى النتيجة التي اعلنها رئيس القرية بصوت مرتفع للسكان الذين تملكتهم الدهشة: لقد استحوذ الجن على هذه الشجرة.. لا يقترب احد من هذه الشجرة او يمس ثمارها لأن الجن لا يسمح لأحد ان يتصرف فيما يملك.. . وأمر رئيس القرية بنقل معمل النساء القريب من الشجرة الى مكان آخر حتى لا يعاقب الجن احدا.. ومنذ ذلك اليوم أصبحت الشجرة تعرف ب شجرة الجن ..
رغم يأسه فقد شعر دوبا ، أكبر عالم بفنون السحر وأشهر متطبب، ببعض الشك ينمو داخله، لأنه لم ير يوما على لوحه السحري الذي يسطره ويفحصه كل يوم اية اشارة تنذره او تحذره من الجن الذي ينوي الاستحواذ على الاشجار.. هذا الجن لا يشبه الآخرين الذين يظهرون له في مثل هذه الحالات.. هناك سر يجهله.. إنه يعتقد ان الجن غير مسؤول عما حدث.. ولكن من؟ ولماذا؟.
نهض بسرعة والتقط الخرج والفأس وقرر أن يذهب لصديقه مدير المدرسة الوحيدة في القرية ويطلعه على شكوكه لعلهما يهتديان لحل لهذا اللغز.. لقد التجأ مرات عدة لصديقه الذي يدعوه درتير 1 خلافا لسكان القرية الذين يدعونه ميتري 2. لقد ساعده في البحث والحصول على أدوية عدة لأمراض أعجزته وخاصة بعض أمراض الاطفال.. وصل الرجلان عند منتصف النهار الى شجرة العناب التي استحوذ عليها الجن حديثا.. تمعن فيها الدرتير طويلا ثم دار حولها مرات عديدة وقطع منها بعض الاوراق وقربها من أنفه.. النسغ الذي تجمع في عنق الورقة مختلف لونه عن النسغ الآخر: غامق اللون يميل الى الخزامى.. قطع بعض الثمار وشمها وأخيرا قال: الحق معك.. هذه الشجرة لها صفات الشجرة الاخرى نفسها .. تبادلا النظرات بصمت.. إذن - قال دوبا - بماذا تفسر هذه الظاهرة؟ .
- هذا ليس سهلا.. لا يمكن معرفة السبب بسهولة.. ظواهر الطبيعة معقدة، لذلك يجب ملاحظتها طويلا لمعرفة الاجابة الصحيحة..
- رغم كل الكتب التي تملأ بيتك!.
الكتب التي تملأ منزلي لا تجيب عن كل الاسئلة ، قال الدرتير .
صمت دوبا برهة.. ظهرت عليه علامات الخيبة لأن صديقه عجز عن تفسير هذه الظاهرة وقال بصوت يشوبه الحزن: اذن استولى الجن على هذه الشجرة؟ ، وعندما سمع أصوات النساء منبعثة من المعمل أضاف: ليس غريبا ان يستولي الجن على هذه الاشجار في وجود هؤلاء النساء حولها.. ! .
- ماذا تريد ان تقول؟
- انهن لا يحترمن أي مقدس.. لا بد انهن أهنَّ الجن فعاقبنا بالاستيلاء على أشجارنا.
- لماذا تفكر بهذا الشكل؟.
لقد تأكدت أن الجن استولى على الشجرة الاولى بسببهن.. . نظر شزرا الى معمل النساء وحرك رأسه والتفت نحو الدرتير وواصل كلامه: منذ زمن بعيد قبل أن تأتي الى هذه القرية (درتير).. قبل أن تبنى المدرسة.. توفي صبي فنقل المعمل الى هذا المكان.. . صمت برهة.. قطب جبينه وحرك رأسه طويلا؛ في حين تصاعدت ضحكات النساء المستهترة.. أشار بإصبعه نحو المصنع مهددا.. اذا استولى الجن على شجرة أخرى قرب المصنع يعني أن لهن علاقة بما يحدث.. قلت لك إنهن لا يتجنبن المحرمات.. .
تقدم الدرتير بضع خطوات فتلاشى صوت دوبا . نظر بجانب المصنع.. انحنى وتأمل بين ساقيه وكأنه يقيس المنحدر والمسافة التي تفصل المصنع المرتفع.. نعم.. هذا هو السبب.. المصنع عبارة عن مصبغة كبيرة أكسبت القرية شهرة واسعة وضمنت لها عائدات ذات قيمة.. كل فتيات القرية ونسائها يشتغلن في الصباغة.. .
قال الدرتير بصوت مرتعش: دوبا.. يلزمنا فؤوس! . نظر اليه دوبا مندهشا.. هل فقد الدرتير عقله؟ فؤوس؟ لماذا؟ لقلع شجرة الجن ؟.. بالتأكيد.. لا بد ان الدرتير فقد عقله.. اذا كنت تريد قلع هذه الشجرة - قال دوبا مشيرا الى الشجرة - فأنت أكثر تهورا من النساء.. لا تعول علي لإعانتك.. واعلم أني سأمنعك من القيام بمثل هذا العمل.. ستكون نهايتك أو أسوأ من ذلك.. جنونك.. .
لا أنوي قلع الشجرة.. لست مجنونا حتى أهاجم الجن.. ، واصل مبتسما: هيا نبحث عن الفؤوس.. سأشرح لك الامر.. .
رجعا بعد مدة طويلة فقال الدرتير : لنحفر هنا.. ، وشرعا في الحفر.. حفرا بعمق ثلاثة أذرع فتغير لون التراب.. اكتسى التراب لونا لم يعرفه دوبا بأرض مسقط رأسه.. أصبح لون التراب قاتما يميل الى البنفسجي.. يختلف عن لون الصلصال وتشتد قتامته كلما واصلا الحفر..
ليتحقق الدرتير من صحة نظريته، قاد دوبا الى مكان آخر بعيدا عن المصنع.. اختار مكانا وشرعا في الحفر.. لم يتغير لون التراب ولم يختلف عن لون تراب القرية والبادية.. كنت على صواب ، قال الدرتير يلفه الغبار وينز عرقا.. تتسرب المياه المستعملة من المصبغة الى باطن الارض، وبعد مدة تصل مشارف الغابة فتمتصها عروق الاشجار.. وهذا ما يتسبب في كل الاضرار... .
رجعا الى القرية عند غروب الشمس... اتجها نحو منزل الدرتير .. انها كارثة محدقة بالقرية - قال دوبا متشنجا - لا اعرف كيف أخبر الرئيس... المصبغة مورد رزقنا الوحيد بعد الفلاحة.. من دونها لا نساوي شيئا.. لا يمكن غلقها أبدا.. لا يتجرأ أحد في القرية على المطالبة بغلقها.. .
قال الدرتير :
- لا تغلق المصبغة.. يكفي أن تنتقل الى مكان آخر..
- مرة أخرى؟ هل هذا هو الحل درتير ؟ سينتقل المشكل الى مكان آخر وستكون النتيجة نفسها..
-ليس بالضرورة دوبا .. فكرت مليا في الموضوع وأعتقد اني وجدت الحل.. بشرط ان يقبل كل أهالي القرية المشاركة في هذا الحل..
نظر اليه دوبا نظرة تقرأ فيها كل أمل حياته..
- إني أسمع درتير ..
- هل ترى هذا المنحدر غرب القرية؟
- أين أنزلت صغارنا؟
نعم.. اطمئن ليس هناك جن شرير.. هنا لا يوجد غير الطيبين.. في ذلك اليوم قاسَ الاطفال جميع أبعاد المنحدر.. انظر اليه ملياً.. ليس له منفذ ومرصوف بحجارة كتومة.. انه رحمة للقرية.. لا بد انه هدية من الجن ، أضاف الدرتير مازحا.
- فهمت.. سنغير مكان مصنع النساء قرب المنحدر.. هل فكرت في المستنقع الذي سيكون؟
لن يتكون أي مستنقع.. الاهالي سيملؤون المنحدر.. ترقب.. ترقب حتى أنهي كلامي.. ، وأضاف ليزيل شك دوبا : بقرب الجبال لا يوجد غير الحجارة والرمل.. سنملأ بها المنحدر لامتصاص المياه المستعملة.. طبعا ملء المنحدر سيستغرق وقتا.. ستة أشهر.. سنة أو سنتين.. كل سكان القرية سيشاركون في هذا العمل - طبعا هناك عربات كثيرة لنقل الحجارة والرمل - لا بد أن تكلل جهودنا بالنجاح.. حياة القرية تتوقف على ذلك.. .
ابتسم دوبا : سيلتحق بنا كل سكان القرى المجاورة.. المصبغة مورد رزق للجميع.. ولكن قل لي (درتير).. ما هي المدة اللازمة لتمتص الحجارة والرمل المياه المستعملة؟ .
- ربما قرن أو قرنين أو أكثر.. لا استطيع تحديد ذلك بدقة.. إنه حل شبه دائم..
قرن؟ ربما أكثر؟ ، قال دوبا ووضع يده في كيسه وأخرج غليونه.. اذن على أحفادنا أن يبحثوا عن حلول عندما يمتلئ المنحدر.. أما نحن فعلينا أن نبدأ في العمل.. صدقني (درتير) ان اهل القرية متفهمون وسيشاركون في المشروع وسيكونون كالرجل الواحد.. أعرفهم جيدا.. وانت كذلك تعرفهم الآن جيدا.. .
صمت.. حشى غليونه وأشعله.. أغمض عينيه وجذب نفسا عميقا ثم اثنين ثم ثلاثة شعر بلذة كبيرة فشرع يحرك راسه برفق..
عندما فتح عينيه قال: أعتقد أنه يجب علي ان أعتذر للنساء.. ، نظر الى الدرتير فقال: هذا ما أفكر فيه الآن ، أضاف الاخير: ولكن كيف ذلك؟ ، فكر دوبا قليلا.. سأهدي لهن ثلاثة جديان ...
- وبماذا ستجيبهن اذا سألنك عن سبب هذه الهدية؟.
- لا بد أن أجد سببا... ستعينني على ذلك؟
- تعرف أني دائما الى جانبك.
جذب نفساً عميقا وقال له بإعجاب:
- قل لي درتير .. كيف تجد حلولا لكل المشاكل، ومن أين لك كل هذه الافكار النيرة؟.
أنا كذلك أتصل بالجن ، أجاب الدرتير مشيرا الى الكتب التي تملأ المنزل.
أطلقا ضحكة عالية جلبت انتباه النساء العائدات من المعمل فقلن:
- اليوم كذلك التقى دوبا ب الدرتير ..
1- الدرتير تحريف لكلمة مدير بالفرنسية.
2 - ميتري تحريف لكلمة معلم بالفرنسية.
* قاص وشاعر وإعلامي من مالي ولد سنة 1957. حصل على إجازة في اللغة الانجليزية من دار المعلمين العليا بباماكو. يعد برنامج القلم الذهبي للإذاعة ويدير فرقة مسرحية. وهو عضو سابق في الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الماليين. نظم ونشط ورشات عديدة للكتابة في مالي.
** مترجم وقاص تونسي