قداسة الذئب في الوجدان الشعبي .. بقلم : د.راشد عيسى

قداسة الذئب في الوجدان الشعبي .. بقلم : د.راشد عيسى

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 6-7-2007
No Image
قداسة الذئب في الوجدان الشعبي .. بقلم : د.راشد عيسى

حين كنت في الخامسة من عمري أصبت بالذبحة الصدرية أو السعال الديكي، كان صوتي يخرج من حلقي مخنوقاً متحشرجاً، وبما أنني كنت وحيد أمي، فقد استدعت العرافات والمشعوذين من الإنس والجن لعلاجي، لم تُبق رقية إلا وقرأتها على رأسي، ولا خرزة زرقاء أو حجاباً أو تميمة أو أيقونة أو منقار هدهد إلا وعلّقته حول عنقي، حتى غدوت مشنشلاً بالتعاويذ كأنني جنيّ صغير، لكن شيئاً من هذه التمائم لم ينجح، وبقيت أسعل كالديك الخائف إلى أن زارتنا جدّتي، وما إن رأتني على حالي حتى فتحت حقيبتها التاريخية التي تعود إلى زمن السلطان عبد الحميد، وأخرجت منها عظمة مربوطة بخيط على شكل قلادة ووضعتها حول عنقي وقالت لأمي: بعد يومين سيشفى الصبيّ.. هذه حنجرة الذيب التي تشفي المكحوح والمبحوح والمسعول بإذن واحد أحد ، ثم وضعتني جدتي في حضنها وقرأت عليّ شيئاً من هذا القبيل: نوح يا ذيب نوح.. جوح يا ذيب جوح، وداوِ زور ابن بنتي المجروح .
وبعد مرور يومين تماثلت للشفاء، وأذكر أن حنجرة الذيب تلك بقيت عند جدتي تداوي بها أطفال السعال الديكي من أبناء الحارة إلى أن ماتت - رحمها الله -. إذن أنا أدين للذئب بعافيتي الصوتية التي تحسنت لدرجة أنني صرت أغني حسب معزوفات والدي على الربابة التي كان جلدها أيضاً من جلد ذئب.
اضطررت أن أكبر خمس سنوات أخرى، فما كان يحلو لأبي إلا أن يرسلني في عز الليل لأشتري له علبة دخان بترا من دكان أبو خالد القريبة من المقبرة، يعطيني أبي القرشين ونصف ينهرني ويقول: خليك ذيب يا أبوي.. أنخاك أو أنخي الذيب؟! ، فأستجمع قواي وأتخيل نفسي ذئباً حقيقياً وأذهب إلى الدكان، وكلما مرّ من جانبي قط أصيح به عو.. ع.. وو.. ، فأهربُ أنا ويبقى القط واقفاً مستغرباً مما أفعله ثم أركض كذئب مسعور.. ويا ويلي إذا لم أوقظ أبو خالد من النوم ليبيعني علبة السجائر، يطردني أبي فأنام على شجرة التوت الهرمة.
عندما مات أبي أخذت أبحث بين أشيائه عن شيء أرثه، فرأيت ناباً جميلاً كقطعة العاج بطول أربعة سنتميترات تقريباً محاطاً بقطعة من الفضة في رأسها شنكل دبوس ، قلت لأمي: ما هذا؟ ، قالت: هذا ناب ذيب، كلما ذهب أبوك إلى الصيد علّقه في صدره.. خذه يا ولدي علّقه في صدرك فهو يحميك من أولاد الحرام و(السرسريّة)، ولا تستطيع بنت حرام أن تخدعك . ثم اضطررت أن أكبر كثيراً، فذهبت إلى صحراء الدهناء في السعودية مدرّساً بين الكثبان الرملية، وهناك رأيت عواء الذئب بأذني وسمعته بعيني في ليلة قمرية صيفية كان القمر فيها على بعد أمتار من الأرض.. كان مقعياً يعوي كل دقيقتين عواء متواصلاً فتذكرت بيت الأحمير السعدي:
 عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذ عوى
وصوَّت إنسانٌ فكدت أطيرُ
ظل يعوي إلى أن تأكد أنني لن أنام إلا إذا غادر مضارب الحي، فانسحب في جوف الليل باحثاً عن جهة أخرى.
في السعودية أيضاً، ولكن في الخمسين من عمري، عملت أستاذا جامعياً في مدينة حايل بلد أجود الناس حيّاً وميّتاً (حاتم الطائي)، ومن الغريب الخالد الذي يتناقله قلوب الناس قصة معشّي الذيب ، وهي باختصار أن رجلاً كبيرَ جماعته كان يتناول معهم عشاء في منطقة بريّة.. كان كبير السن، فسمع صوتاً. قال: ما هذا الصوت يا عيال؟ ، قال أحدهم: هذا صوت ذئب يعوي ، قال كبير الجماعة: ولماذا يعوي؟ ، قيل له: ذئب جائع.. ، قال: اذهب إليه يا فلان وقدّم له ذبيحة.. كيف تتعشى والذئب جائع؟! .
ولكن، ما أسباب احترام الناس للذئب منذ العصر الطوطمي؟
لقد حضر الذئب في الميثولوجيات الدينية لدى كل شعوب العالم، وله صله ما مع بعض الأنبياء، وله حضور جليل في الشعر كذلك ولا سيّما الشعر العربي. فالذئب يعيش في وجدان العربي البدوي عيشة شعبية خالدة.. وما يزال المثل العربي إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب سائداً ومعمولاً به بالرغم من كل أصناف الدعوات العصرية للنعومة والرقة والتسامح..
اختار الفرزدق الذئبَ ليكون شريكه في العشاء ولم يختر الليث ولا النمر ويلمس قارئ القصيدة أن الفرزدق كان مذعوراً من الذئب، ولكنه في الوقت نفسه كان يخبئ له احتراماً سريّاً متوارثاً ويرغب في أعماق نفسه أن يكون صديقاً للذئب يتعلم منه فن الحياة وفن الكبرياء وفن العزيمة.
 وأطلس عسّالٍ وما كان صاحباً
دعوت بناري موهناً فأتاني
فلما أتى قلتُ ادْنُ دونك إنني
وإياك في زادي لمشتركان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما
أخيّين كانا أرضعا بلبانِ
تعشَّ فإن عاهدتني لا تخونني
نكن مثل مَن يا ذئب يصطحبان
فبتُّ أقدّ الزاد بيني وبينه
على ضوء نارٍ مرة ودخان.
الفرزدق يدعو عدوه الذئب إلى عشاء، وهو يعلم أن الذئب غادر غير مأمون، لكنه - أي الفرزدق - يريد بهذا العشاء أن يوقع صلحاً مع الذئب ويتخذه صديقاً، فراح في ذاك الهزيع من الليل يقدم للذئب وجبة ثمينة ليرد جوع الذئب من جهة، ويتعلم منه كيف تكون الشجاعة وكيف يكون الذئب وفياً لطبعه في الغدر، فالفرزدق يتمنى أن يصادق الذئب ليتحدا ضد القوى الأخرى كذلك.
وحين أراد الشاعر البحتري أن يدلل على أصوله البدوية وعلى شجاعته كفارس غاب عن حصانه طويلاً بعد أن سكن المدينة وظلَّلَتْ روحَه جدرانُ البيوت، وذهبت ببداوته الأصيلة أخلاق المدنية والترف، اختار الذئب ليكون العدوَّ اللائق الذي يمكن للبحتري أن يفتخر بقتله.
ولقد حاول البحتري أن يظهر بأنه الأقوى في تلك المعركة التي دارت بينهما، لكن التأمل النفسي يحيلنا إلى أن البحتري كان أشد خوفاً وأعظم احتراماً معاً، لأن الذئب لا يخاف بالفطرة ولا يستخدم عقله ليفكّر بشجاعة الآخر كما فعل البحتري، إنه يعيش نفسه كما هي بقوتها وكبريائها وحاجتها للطعام، يهمه الهدف ولا تعنيه الوسيلة. إن فطرته مبرمجة على غريزة القتال وليس الدفاع عن النفس كما هي عند البحتري الذي كان في موقف المدافع وكان الذئب في موقف المهاجم، فالبحتري استعمل الحيلة والمكيدة للإيقاع بالذئب؛ في حين لم يستعمل الذئب سوى غريزته في الإرادة الشجاعة لأنه متصالح مع ذاته ورغباته.
ومن الأدلة الساطعة على رغبة التفاخر عند البحتري وليس الفخر هو أنه جعل الذئب مبادراً في الهجوم:
عوى ثم أقعى فارتجزت فهجته
فأقبل مثل البرقِ يتبعه الرعدُ
....
وأتبعتها أخرى فأضلَلْتُ نصلها
بحيث يكون اللب والرعب والحقد.
فالمشهد تصوير لحركة نفسية ولونية وحسية بارعة من حيث قيمتها الفنية والجمالية في التصوير الدرامي المسرحي التي تجري أحداثه افتراضاً على مسرح في الهواء الطلق ولكنها في الحقيقة المتوقعة قصة مختَلَقَة ألّفتها شاعرية البحتري ليدفع عنه تهمة الحضارة ويؤكد للناس أنه ما يزال بدوياً شجاعاً كالذئب. وليس أدل على أن البحتري يريد أن يستقوي بالذئب من تصويره الحركي واللوني والصوتي لمشهد انقضاض الذئب عليه (عواء، إقعاء، ارتجاز، هيجان، إقبال متتابع متحد كاقتران البرق والرعد هي صورة عيني الذئب القادحتين شراراً كضوء البرق، وصورة هرير الذئب بصوته الغاضب كالرعد).
فالذئب متحد بتفاصيل ذاته غير ملتبس بكينونته، أما البحتري فاستند إلى الغدر فلم يواجه الذئب بالجسد بل بسهمين متتاليين في صدر الذئب.. إنها لا شك ضربات خائف مذعور جعل السهام وسيلة لقتل الذئب ولم يجرؤ أن يقاتله باليدين مثلاً. فمواجهة الذئب تلك احتاجت من البحتري تخطيطاً عسكرياً مجهزاً بعدة وعتاد؛ في حين كانت كل عدة الذئب المواجهة الشخصية بالنفس وطباع القوة الأصيلة وليس التخطيط واستخدام وسائل حربية.
ولقد ظن البحتري أنه انتصر عندما قتل الذئب أو هكذا أوهم من حوله، لكنه في الحقيقة كان مهزوم النفس والوجدان، كان منتصراً خاسراً معاً، لأنه انتصار ضعيف استخدمت فيه المكيدة.. فمات الذئب لكنه ربح فطرته وربح بقاء صيته وكبريائه وشجاعته خالدة في ذات البحتري ولدى الناس كلهم.
***
كانت تلك بعض صور الذئب في الموروث التاريخي، والاعتقاد الأوليّ لخلود الذئب في الوجدان الشعبي هو على النحو الآتي:
أولاً: إن العربي البدوي يؤمن أن الذئب وفِيّ لطبعه حتى لو كان هذا الطبع هو الغدر، ولا يتنازل عن هدفه ولا يقبل الحوار أمام كل المغريات، وهو متصالح مع نفسه محترم لغريزته ثم إنه معتدّ بذاته، ذو كبرياء عالية، وهو شجاع في القتال متمترس فيه، والأغرب من ذلك أنه يعيش في صورة قبيلة، فيأخذ قبيلته معه إلى الصيد، ولكل قطيع قائد يتحكم باتجاهات الغزو ويعوي العواء الطويل في الليلة القمرية التي لا يجد فيها صيداً.. إنه يعوي السماء مثل ابتهال يتوخى منه أن يستجيب له رب السماء فيهيئ طعاماً.
ثانيا: عواء الذئب عواء حزين يخرج من أعماق ذاته المتوحدة بالليل والغربة، يعوي الذئب ليؤنس الصحراء ويطمئنها بأنه حراسُها والمدافع الأول عن حسراتها.
ثالثا: البدوي يحترم هذا الذئب شيخ جماعته، لأنه يتمنى أن يكون مثله وفياً في كل الأحوال، شجاعاً في كل المواقف، يضحي بنفسه لينقذ ربعه ودياره، ليس له هدف إيذاء الآخرين، بل له هدف الحصول على طعامه، فخلفه أسرة جائعة تنتظر عودته.
رابعا: أعجب البدوي بالذئب لأن الليل ينام والذئب لا ينام كأن النهار للجبناء فقط، والبدوي في أعماق نفسه بحاجة إلى شخصية قوية كالذئب دفاعاً عن حياته المهدّدة بالأخطار.. ما قتل أحد ذئباً إلا وندم لأنه قتل المثل المقدّس في الشجاعة وصلابة الرأي.. وأعجب البدوي بالذئب لأن الذئب يهاجم بضراوة من غير تفكير بالموت لأن موته حياة، ولذلك علقت جدتي في عنقي حنجرة الذئب لتشفيني القوة الخفية في عواء الذئب. الذئب إذن طبيب نفساني.. وكذلك كان أبي يحمل ناب الذئب في صدره ليزداد شجاعة ويمنع عنه الشر..
الذئب إذن ساحر ومشعوذ بارع، وهكذا مثلما امتلكت النخلة خصوصية بين النبات، ومثلما حاز الصقر حضوراً استثنائياً بين الطيور، امتلك الذئب دوراً أسطورياً في نفوس الناس ولا سيّما البدو منهم.. أما حضارة المدن فنموذجها الدجاج المثلج ولحوم الأبقار المستوردة فلا عجب في زماننا أن يصير الذئب نعجة والقط فأراً.
* شاعر وأكاديمي أردني

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }