البيعة حق، وصاحبها أشرف العرب من وجهاء وملوك وأهل الحجاز، الانسان الحر الذي أعلن حق الحرية للعرب أجمعين.. انه شريفنا الهاشمي مفجر الثورة العربية الكبرى.. الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه.
.. كان العرب يعيشون حياة قاسية في ظل الحكم العُثماني.. هذا الأمر الذي أثار نقمتهم فأخذوا يستعدون لاستعادة كرامتهم وحريتهم، وقد وجدوا في الحسين بن علي شريف مكة والحجاز زعيما لهذا التحرير.. كما ان نفس الشريف الهاشمي كانت تنزع دائما نحو الحرية واعادة مجد الأمة العربية العريقة.. حيث قام باشعال الثورة العربية الكبرى عام 1916 في وجه هذا الظلم.
سيرة وحياة هذا الزعيم العظيم الحسين بن علي كانت حافلة بالكفاح والتضحية والصدق.. وكذلك غدر الاصدقاء والحلفاء الذين لم يصدقوا في وعودهم للملك الشريف.. لذا فقد آل الأمر ان يضحي الحسين بخلافته ومُلكه العربي الشاسع في سبيل ثباته على مواقفه الدينية والقومية حتى اواخر سنواته التي قضاها منفيا في جزيرة (قبرص) وأيامه الاخيرة التي توفي فيها في عمان، ودفن بجوار المسجد الأقصى كما طلب في وصيته المعروفة وكان ذلك في العام (1931) رحمه الله.
وفي المتحف الاسلامي في عمان كان لنا ان نطلع على كتيب صغير فيه نص البيعة بالخلافة الى الشريف الحسين بن علي في عمان، تلك البيعة الكبرى التي تمت في 14 آذار من عام (1924) حيث جاءت بخط جميل:
oالبيعة الكبرىa
لقد قضي الأمر وأجمع العرب أمرهم على بيعة صاحب الأراضي المقدسة الاسلامية العربي القرشي الهاشمي المجاهد في الله والوطن والانسانية فبايعته الحجاز وفلسطين وسورية والعراق والشرق العربي بيعة عامة شاملة، وتبع هذه الانصار العربية حجاج بيت الله الحرام وجاليات الامم الاسلامية على اختلاف أجناسها وكثير من أهل الحل والعقد من مسلمي (الهند) وبعض كرام (القطر المصري) الشقيق وجالياته، فكان اذن لا بد من قبول البيعة عملا بوصايا السلف الصالح واتباعا لمناهجهم دفعا لما قد ينجم عن التخلف في القبول من المشاكل الاسلامية والدسائس على الاسلام، لذلك كان الزام علماء الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى الذي بارك الله تعالى حوله سيد العرب وشيخ هاشم بقبول البيعة منتهى الحكمة وفصل الخطاب.
ولقد كان يوم الجمعة الماضي الواقع في 8 شعبان 1342هـ يوما جليلا عظيما ليس في تاريخ العرب فحسب، بل في تاريخ الامم الاسلامية كلها.. كيف لا وقد رجع فيه الحق الى أهله وتمت مراسم البيعة العامة الكبرى بالخلافة العظمى لخادم الحرمين الشريفين الخليفة الأعظم أمير المؤمنين الحسين بن علي كان الله لأيامه السعيدة.
نعم لم تكد تشرق غزالة يوم الجمعة الماضي حتى ظهرت علائم تجدد واضح في العواطف والآمال، وكانت أسواق المدينة غاصة برجال الوفود ووكلاء البلدان المختلفة من سائر الأنحاء، وكانت علائم السرور والاغتباط بادية على محيّا القوم والعاصمة (عمان) بحلة جميلة من الزينة وارتفعت الأعلام العربية والرياحين الفيحاء على كل معهد وناد.
- مراسم البيعة وفي الساعة الرابعة عربية توجه علماء هذه المقاطعة والقضاة والمفتون يتقدمهم سماحة قاضي القضاة الأستاذ الشيخ (سعيد أفندي الكرمي) الى القصر العالي فتشرفوا بالمثول بين يدي جلالة الخليفة الأعظم وعقدوا اجتماع البيعة الخاصة بحضور هيئة النظار ومندوبي البلدان الاخرى وقد افتتح الكلام سماحة قاضي القضاة بتلاوة الآية الكريمة: ''ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما'' ثم جهر بقوله: اني ابايع الحسين بن علي بن عون القرشي الهاشمي هذا (واشار الى صاحب الجلالة الهاشمية) خليفة للمسلمين واميراً للمؤمنين يعمل بكتاب الله وسنة رسوله واقسم له يمين الطاعة والاخلاص سراً وجهراً ما اقام الدين فهل بايعتم بمثل ما بايعت؟ فأجاب الجميع بلسان واحد : لقد بايعنا الحسين بن علي بن عون خليفة للمسلمين واميراً للمؤمنين يعمل بكتاب الله وسنة رسوله ونقسم له يمين الطاعة الاخلاص سراً وجهراً ما اقام الدين بالاصالة عن انفسنا وبالنيابة عن موكلنا.
ثم تقدم فضيلة مفتي (السلط) الشيخ صالح مريش فتلا دعاءً حاراً بتأييد هذه الخلافة الاسلامية وتوفيق جلالة الخليفة الأعظم للقيام بمصالح الاسلام وخدمة البشرية وان يجعل عصر جلالته عصراً سعيداً مباركاً.
ورد جلالة الخليفة الأعظم على السادة العلماء بكلمات عالية فحمد الله تعالى واثنى عليه واظهر عظم المسؤولية التي يأخذها على عاتقه وهو لها كاره لولا رغبة العمل بارادة الامة ومطمع علمائها الأعلام والاحتفاظ بميراث الاسلام خشية تفرق الكلمة وتعطيل الاحكام وفتح باب الدسائس الارباب الاهواء ، ثم ذكر ان قوته من قوة المسلمين وان الأمر هو أمرهم وانه فرد من افرادهم يعمل لخيرهم جميعاً وان المبادىء الاسلامية تحتم خدمة البشر على السواء وان الاعتصام بحبل الله وسيرة رسوله وعدم التفرق هو مبعث سعادة الدارين وتلا الآية الكريمة (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) فكان لكلمات جلالة الحسين تأثير عظيم في نفوس المبايعين فدعوا لجلالته بالتأييد، وخرجوا من حضرته وهم يتمثلون عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين.
موكب الخلافة
في عمان ولما قربت ساعة الصلاة كانت الجنود قد صفت على طول الطريق من القصر العالي حتى باحة الجامع العمري (الجامع الحسيني الكبير) وكان الجامع غاصا بالوف المصلين من بدو وحضر داخلا وخارجاوقد خرج جلالة الخليفة الاعظم من القصر بموكبه الهاشمي المهيب ومن حوله صاحبا السمو الملكي النجلان السعيدان وسمو الامير شجاع الملك امير شترال (الهند) ضيف جلالته يتبعهم الاشراف والوزراء والعلماء فركب السيارة الخاصة يتقدمها كوكبة من فرسان الخاصة وجنود الرماحة فمشت تتبعها السيارات الاخرى حتى اذا وصل الى الجامع صدحت الموسيقى العسكرية بالسلام العالي ونزل أيده الله الى مصلاه تحف به المهابة الهاشمية والجلالة القرشية.
خطبة الجمعة في ''الحسيني'' وقد خطب خطبة الجمعة فضيلة الاستاذ الشيخ (عبدالقادر المظفر) فشرح فيها موقف الامة العربية والامم الاسلامية في حاضرهم ومستقبلهم وما يرجى على ايدي الناطقين بالضاد من نهضة الشرق اذا احسنوا الانتفاع بمواهبهم ومهادي اسلافهم، وشكر الله تعالى لرجوع الحق الى اهله بعودة قريش الى ميدان العمل واعادة الاسلام سيرته الاولى، ثم بعد اداء الصلاة خطب خطبة البيعة العامة فاقرت الجماهير تلك البيعة المباركة وهتفت بالدعاء لجلالة الخليفة الاعظم ورجت الله ان يوفقه لخدمة العرب والاسلام خاصة والانسانية عامة، ولم تكد تنته مراسم البيعة العامة حتى بدأ اطلاق المدافع من (جبل القلعة) مائة طلقة وطلقة ايذانا باعلان خلافة (الحسين بن علي) اميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين ايده الله تعالى.
الى القصر العالي ثم خرج الخليفة من الجامع بموكبه المهيب الى القصر العالي وكانت الجماهير المحتشدة تهتف هتافا عاليا بحياة امير المؤمنين وخليفة الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم.
وقد اسرعت وفود المهنئين من علماء ووفود رجال رسميين وشعبيين الى القصر العالي للسلام بتحية الخلافة على جلالة المنقذ الاعظم وكان قد ازدحم في باحة القصر الالوف من الاهلين وقد تفضل جلالة الخليفة فنزل بنفسه الى باحة المحفل العام وخاطب الجماهير المحتشدة بكلمات عالية اثارت حماسها حيث قال:
ابنائي اشكر لكم سعيكم واعلموا اني لست الا احد افرادكم وما انا الا وكيل الامة.. ان راحتكم راحتي وعزكم عزي وانتم عضدي وساعدي، وانا واولادي لم ننهض الا للقيام بواجب البلاد وان الاتحاد في العمل لخير الوطن والانسانية هو فريضة مقدسة اسأل الله ان يوفقنا للقيام بالعمل الصالح والاقتداء بسنة السلف الصالح.
وهنا علا الهتاف (ليعيش الخليفة ليعيش الملك).
وصعد بعد ذلك جلالة الخليفة الاعظم الى بهو القصر العالي في الطابق الاعلى وبعد الاستراحة قليلا اذن لوفود المهنئين فدخلوا للسلام على جلالته بتحية الخلافة على التوالي فكان يقابل الجميع بلطفه الابوي وإيناسه المعهود وقد ظلت مخايل السرور بادية على محيا جميع ابناء الوطن بعد ان تم في يوم واحد هذا الانتقال التاريخي العجيب ونشرت في ساعة واحدة صفحة حق خالدة في تاريخ الشرق الحبيب.
اعداد: وليد سليمان