في مجموعته الثانية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، يضع الشاعر حسين جلعاد فكرة المعنى في مواجهة اللغة وعلاماتها، ويواجه شقاء المعرفة بالحقيقة غير التامة، ودلالاتها ومرموزاتها، احتساباً منه أن الغياب يضارع الحضور، ويظل جزءاً من المتن الذي ما يزال يكتب حيواتنا وسيرتنا منذ الأزل.
لم يكن اختيار جلعاد ل كما يخسر الأنبياء عنواناً للمجموعة ينفصل بحال عن وعيه للثنائيات التي ينطوي عليها النص، الذي لم يشأ أن يقتصر على تماريات الواقع والحلم أو المتخيل، وإنما فيما يعدّه كينونة ضدية للحالة الوثوقية بالبناءات التي صاغتها اللغة لمعرفتنا المطلقة. ومن هنا يمكن فهم هذا العنوان الذي يمكن أن يثير جدلاً بكيفية تتجاوز التفسير القاموسي للجملة، بوعي مفارق ينطلق من قراءة ظلال الكتابة وهوامشها، ليغدو الهامش جوهراً أصيلاً في مكونات الوجود.
فالجمال الذي يتحقق بالانتصارات، يقابله في الغالب جراحات كثيرة تندمل وراء البهجات التي تعلو على الأنين. ولا أحد يمكن أن يلتفت إلى أحزان الثكالى. وفي الحقيقة فإن خلف كل انتصار ثمة خيبة تضيع في الضجيج.
وتأتي المجموعة التي تتنوع فيها القصائد بين الغنائية والنثر والقصيرة والكتلة صرخةً خافتة لخيبات مني بها الأنبياء ، في تأويلات المضارعة بين العشاق والشهداء والشعراء، الذين حملوا رسائلهم وجراحهم في حجرة واحدة من القلب. ويعيد جلعاد الذي صدر له أولاً العالي يُصلب دائماً بتتبع الأثر، ليس قراءة للتاريخ، وإنما تقليب أوجاعه، وتفلية دهاليزه ومتاهاته، لاستعادة صوت الإنسان وآلامه، والأشياء التي حملته إياها تبعات هذا الألم تاريخياً.
وتنقسم المجموعة الشعرية التي تقع في نحو 230 صفحة من القطع الوسط إلى كتابين، يتناول الأول سيرة غيرية لأبي الطيب المتنبي بعنوان سيرة الثالث عشر ، كناية عن الغياب، ويقابلها في الكتاب الثاني سيرة ذاتية للشاعر، أو كما أطلق عليها سيرة الفتى .
يستهل الكتاب الأول بعدد من النصوص التاريخية وإشارات حول حياة الشاعر المتنبي تتصل بإخفاء اسمه ونسبه، مقارباً ما تعرّض له أبناء البيت النبوي من إقصاء ومطاردة من خصومهم قديماً، رابطاً بين موت الشاعر وابنه، وبداية التفات الطالبيين لحقوق انتسابهم، لتقول القصيدة بعد ذلك ما سكت عنه الكلام بالقصيدة التي غدت وطن الشاعر وجسده.
ولم يتوقف الشاعر كثيراً عند سيرة شاغل الدنيا.. ، وإنما سعى إلى تفجير النص الغائب، كمولد للنص الضدي الذي يجادل التاريخ والجغرافيا والوجود، أمام لحظتي الموت والحب، بوصف الأولى لحظة الحضور الوهمي، والثانية لحظة النفي والاغتراب الحقيقي، التي تكشف مأساة الإنسان منذ صرخته الأولى في الحياة التي تتواصل بإيحاء من النص الدموي الذي كتبه هابيل وقابيل.
وتصور المجموعة لحظة الحياة التي تتساوى فيها ارتعاشةُ اليد على مقبض السيف، وارتعاشةُ القلب في لقاء العشيقة، كلحظتين تتعادل فيهما الحياة والموت، للتعبير عن جدل الوجود.
الارتجاف ذاته
ارتجاف اليد على ركبة الغزالة
وعلى مقبض السيف .
ويلخص جلعاد سيرة المتنبي، بإقلاب المعنى في قصيدة صاحب الزمان ، الخيل والليل، مستعيداً صوته، ولغزه، بتوظيف وسائل المنطق، وبراهينه، ليقول:
لا الخيل تعرفني
ولا الليل
ولا البيداء .
وفي المنطق، فإن تكرار النفي يتحول إلى توكيد، والفرضية الصفرية (البرهانية) تؤكد عكسها، فالهامش الذي يتكون في المتن يمكن أن يكون في السر أكثر الحقائق سطوعاً وقوة، كما هي الأحجار الكريمة التي يزداد إشعاعها كلما طال عليها الوقت في باطن الأرض.
وإني حجر الكلام الكريم
يشع
وإنك في الملأ سر
وإني في السر إمام .
وفي القسم الثاني يجد الفتى في السيرة الغيرية أجوبة غائبة عن أسئلة ما تزال حاضرة، يستعيدها في رؤية الشاعر، وجوهر القصيدة، التي تلامس فلسفتها التفاصيل الصغيرة التي يتأملها في العلاقة مع الكائنات، والمكان، وخصوصاً المدن، مستعيداً ذاكرة الطفل الحالم بتغيير العالم، ذلك الطفل الذي ارتطم بحقائق الواقع فتطاير الريش من حوله خفيفاً، تاركاً الأحلام عاجزة عن التحليق.
هناك على التلال الصغيرة، حيث لا يعرف مخابئ الرسائل أحدٌ سواي، جلست مع القطط العجائز، ومسحت دموعها.
تذكرت نيتشه وماركس و(أبي فوق الشجرة) والقبلات.
الخمسين للمطرب العاطفي
كيف يعانق رجل خطيئته ولا يموت .
فيعود الشاعر إلى القصيدة التي تمثل معنى الحقيقة مختتماً الكتابين بالكيفية التي بدأ فيها الإشارة الأولى لتدوير المعنى الذي يشهد على خسارة العشاق والشهداء والأنبياء.
خسرنا
وإن
رجعنا بسحر البيان.
ووجه الحقيقة
... خسرنا .
* تشكيلي وصحفي أردني