متاهة الـ ok

متاهة الـ ok

''زيد'' ابن السنوات الست، طفلٌ لأسرة عربية؛ لكنه لا يجيد الحديث باللغة العربية، فهو لم يعتد عليها من قبل (...) فأسرته لا تتحدث معه إلا باللغة الإنجليزية، ولا يستطيع أن يعبر عما يريد، إلا من خلال اللغة الإنجليزية مستهجناً التحدث مع زميله باللغة العربية التي باتت ''موضة'' قديمة للتخاطب كما يعتقد البعض.
زيد.. ليس الطفل الوحيد الذي يستخدم اللغة الإنجليزية، بشكل كامل في حديثه بل هي أصبحت ''ظاهرة'' ملفتة للأنظار تنتشر بين الأطفال بشكل كبير، فالأمهات يتحدثن مع أطفالهن بالإنجليزية وكأن التخاطب باللغة العربية أصبح موضة قديمة.
''أم سيف'' ربة منزل لها ثلاثة أطفال أكبرهم سيف (8 سنوات) تخاطب أبناءها باللغة الإنجليزية، لا تستخدم مفردات العربي إلا نادراً حتى إنها تقول: ''نسي زوجي ذات مرة الحديث مع أطفالنا باللغة الإنجليزية، وتحدث باللغة العربية، فلم يستجب أبنائي له وطالبوه الحديث باللغة الإنجليزية، مما أثار غضبه معتبراً أن أبناءه لا يجيدون الحديث بالعربية وهو''أمر مخجل'' كما وصفه!
أما ''عمار'' الأب لطفلين، الأول عمره ست سنوات والابنة أربع سنوات، يعمل مهندساً فقال: ''لا أتحدث مع أطفالي باللغة العربية، ليس لأني لا أريد ذلك بل لأن والدي ووالداتي كانا يتحدثان معي وأنا طفل باللغة الإنجليزية (...) كما أن زوجتي تحدثهم دائماً بهذه اللغة.
حاولت مرة التحدث باللغة العربية فوجدت صعوبة خصوصاً وأن أسرة زوجتي يتحدثون مع بعضهم البعض في أغلب الأحيان باللغة الإنجليزية.
مشكلة الحديث مع الأبناء باللغة الإنجليزية لا تتوقف عند حدود كونها تقليعة أو موضة فقط ولا عند حدود التظاهر بالحضارة (المودرن) وإن كانت النسبة الكبرى ممن يتحدثون باللغة الإنجليزية لتصبح اللغة الأولى بدلاً من العربية يؤمنون بهذا الأمر.
النتائج السلبية المترتبة على الحديث الدائم باللغة الإنجليزية، لا يدركها الآباء والأمهات الذين يحرمون أبناءهم من التحدث باللغة الأم مما يضعف مقدرتهم على الحديث بلغة عربية فصيحة ما يؤثر سلباً على تحصيلهم الدراسي.
''مي سليمان''، مدرسة لغة عربية في إحدى المدارس الخاصة، تؤكد: ''أن نسبة كبيرة من الطلاب وبخاصة في المرحلة الابتدائية يعانون من ضعف باللغة العربية نتيجة عدم استخدامها كلغة للتخاطب داخل المنزل''. وأشارت إلى أن: ''غالبية الطلاب يتحادثون مع بعضهم البعض باللغة الإنجليزية وبخاصة الطالبات وكأن هذا الأمر أصبح مرتبطاً بالحضارة والرقي فالطالبة التي لا تستخدم اللغة الإنجليزية في حديثها يعتبرونها ''طالبة موضة قديمة''.
وتؤكد المعلمة سليمان أهمية: ''الاهتمام باللغة العربية وعدم إهمالها في الحديث مع الأبناء لأنها تقوي انتماءهم''، مشيرة إلى أن: ''الحديث باللغة العربية يجب أن يكون هو الأصل مع الاهتمام باللغة الإنجليزية على أن لا تكون هي اللغة الأم''. وأضافت: ''أن التركيز من قبل الأهل على الحديث باللغة الإنجليزية مع أبنائهم يؤثر سلباً عليهم بالمستقبل، ويجعلهم كأنهم ليسوا من العرب''.
و.. مشكلة الحديث باللغة الإنجليزية، خصوصاً بين الأطفال أصبحت ذات تأثيرات واضحة على مستقبلهم، فاغلب الأمهات لا يخاطبن أطفالهن إلا باللغة الإنجليزية، ليتساءل المرء أمام هذه الصور الواقعية هل هذه الأم عربية أم أجنبية.. لتتحدث مع طفلها بهذه الصورة؟!
ولماذا أصبحت هذه الظاهرة منتشرة بحيث طغت اللغة الإنجليزية على العربية وهمشتها وقد كانت العربية، اللغة التي تميزنا كعرب؟!
من جهتها ترى الدكتورة بسمة أحمد الدجاني، رئيسة شعبة اللغة العربية للناطقين بغيرها في مركز اللغات في الجامعة الأردنية، أن: ''اللغة العربية تعاني في عصرنا الراهن من إدبار أبنائها عنها وسعيهم الأكبر لإتقان اللغات الأوروبية ولاسيما الإنجليزية منها - لسيطرتها الغالبة - على حساب التمكن من اللغة الأم''. ولفتت د.الدجاني : ''هذا الحال اليوم في اختيار الأسر العربية لمدارس أبنائها، ابتداءً من المرحلة الابتدائية حيث يتوجهون بهم مباشرة إلى مدارس اللغات، والتي يقصد بها التركيز على اللغات الأوروبية أكثر من العربية في توزيع المناهج مع تمكين التلاميذ منها كلغة اللسان الأم''.
وتضيف: ''يجد هؤلاء الأبناء التشجيع من حولهم لاستخدام تلك اللغة الأوروبية في ساعات الدرس وخارجه، مما يؤثر سلباً غالباً على تغذية انتمائهم للغتهم العربية وإتقانهم لها بصورتها الفصيحة''.
''المشكلة أضحت من أكبر المشكلات التي تواجه نسبة غير قليلة من خريجي بعض البلاد العربية الذين يجدون أنفسهم غير مؤهلين بما يكفي للكتابة والتعبير عن أنفسهم بلغتهم العربية''، وبحسب د . الدجاني: ''يواجه هذا الجيل، صعوبات لغوية مما يجعلهم يلجأون لتعلم العربية من جديد في مراحل متقدمة كأبناء اللغات الأجنبية''.
وتقول د. الدجاني: ''نسترجع نظرية ابن خلدون في تقليد المغلوب للغالب وتمثله لكل ما يقربه إليه من لغة وهيئة وأسلوب معيشة، كما يدل الاستخدام اللغوي للفرد على بيئته الاجتماعية''.
وكشفت د. الدجاني ''في منتصف الثمانينيات التحقتُ للدراسة بالجامعة الأميركية بالقاهرة للإفادة من نظام التعليم العالي نسبياً فيها واخترت تخصص اللغة العربية وآدابها، فكان هذا مجالاً للتعجب من جانب كل من يسألني عن دراستي: لماذا اللغة العربية؟ لماذا لم تدرسي اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأوروبية المطلوبة في زماننا (...) حتى إنني كنت الطالبة الوحيدة في دفعتي، صاحبة هذا التخصص كما كانت شقيقتي من قبلي في الجامعة ذاتها، بينما كان هناك ما لا يقل عن عشرة طلاب في تخصص اللغة الإنجليزية وآدابها، وكنت ومازلت على قناعة تامة بأن اختياري نابع من محبتي للغتي الجميلة وآدابها وأنني سأجد في دراستها متعة أكبر من دراستي لغيرها من اللغات لأنها تمثل حضارتي وثقافتي التي نشأت عليها''.
وتقول: ''وجدت كثيراً من فرص العمل التي تحتاج إلى هذا التخصص بمجرد تخرجي، أي أن نظرية سوق العمل ومتطلباته ليست هي ما يحول دون توجه طلاب الجامعات العرب إلى دراسة اللغة العربية وآدابها، وإنما هو اعتقاد سائد بين غالبية أبناء مجتمعاتنا وأسرهم بأن دراسة اللغات الأوروبية والتخصص فيها سواء الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الإيطالية أو الأسبانية أفضل للمستقبل العملي والمهني والثقافي''.
ثبت علمياً أن الطفل الطبيعي أينما كان قادر على تعلم أكثر من لغة واستيعابها في مرحلة مبكرة، دون التأثير على قدرة التعبير والتحدث لديه. فعلى الأهل استغلال طاقة الطفولة وتعليم الأبناء ما يفيد إدراكهم لهويتهم وتعريفهم بثقافتهم الممتدة. وتعتقد د. الدجاني أن: ''تعدد اللغات يتطلب الارتقاء بالهوية الوطنية إلى القومية فالحضارية فالإنسانية، والعربي بفطرته يحب تعلم لغة أجنبية وقد ساعده على نمو هذه الفكرة؛ الآيات الكريمة في كتاب الله الحكيم والتي تنادي بأهمية التعليم والاختلاط مع مختلف الأجناس البشرية، والتجوال في أراضي بلاد الله الواسعة بحثاً عن الرزق والمعيشة الأفضل''. وتابعت: ''أن السيرة النبوية تحث على تعلم لغة الآخر وثقافته. إلا أننا يجب علينا أولاً الالتزام بالانتماء لمظلة الحضارة العربية الإسلامية مع التمسك باللغة العربية لغة رئيسية في التعبير الرسمي والتدوين''.
ويبقى اختيار لغة التخاطب في المنزل هي حرية أسرية، يتحكم بها الأب والأم ويقتدي بهما الأبناء، فالتخاطب باللغة الإنجليزية بشكل دائم بين أفراد الأسرة يحولهم تدريجياً لأبناء غير قادرين على استخدام مفردات اللغة العربية أو التحادث بها.
والسؤال: هل ندرب أبناءنا على الانسلاخ من هويتهم ولغتهم الأم عند الحديث معهم باللغة الإنجليزية؟.. والجواب نراه عبر ملامح وصور الأطفال، الذين يرفضون التفاعل مع الآخرين أو الإجابة عن أسئلة بسيطة كعمر الطفل واسم مدرسته، إلا عند توجيه هذه الأسئلة باللغة الإنجليزية بالرغم من بساطتها.
فالحديث اليومي والمعتاد باللغة الإنجليزية، انضم إلى ظواهر اجتماعية أخرى أصبحت منتشرة بين أطفالنا وأبنائنا، مرتبط لديهم بالحضارة والرقي والتقدم لكنهم لا يدركون سلبياتها المستقبلية.
يبرز دور الأسرة في تربية أبنائها بشكل صحيح عبر الابتعاد عن كل ظاهرة تؤذيهم وتشوه عروبتهم وانتماءهم للغتهم العربية الأصيلة وبخاصة ان التخاطب الدائم بينهم باللغة الإنجليزية لن يعود عليهم بالفائدة سوى بـ''البرستيج'' المزيف.

سهير بشناق