اعتاد المخرجون التلفزيونيون في سبعينيات القرن الماضي، أيام كانت المسلسلات التلفزيونية العربية في بداية انتشارها تكتفي بثلاث عشرة حلقة، وبهدف الترويج الإعلامي للمسلسلات عبر الكتابة عنها عرضا أو تحليلا، على دعوة الصحفيين لمشاهدة نماذج من المسلسل المعني، وفي الغالب الأعم كان المخرج يكتفي بعرض الحلقة الثالثة وحدها حيث كان يفترض أن هذه الحلقة قادرة على أن تعطي فكرة كافية عن المسلسل بما يتيح للصحفي أو الناقد فرصة الكتابة عنه. وفي واقع الحال كانت الكتابة عن المسلسلات في حينه، باستثناء حالات نادرة، مجرد كتابة وصفية استعراضية لا تمت للنقد أو التحليل بصلة، ولا تحتاج إلى أكثر من معلومات عامة عن الحكاية وأسماء النجوم الذين يجسدونها.
رغم جماهيرية التلفزيون وشعبية المسلسلات الدرامية التلفزيونية، بالمقارنة مع العروض السينمائية، إلا أن النقد، كفعالية مواكبة وموجهة للإبداع الدرامي، ما يزال بعيدا عن الاهتمام بالدراما التلفزيونية بما يعادل كثافة إنتاجها وتوزع مصادر هذا الإنتاج على مختلف الأقطار العربية بما فيها دول الخليج التي ظلت لسنوات طويلة تستقبل ولا تنتج. وفي حين تنصب جهود النقاد نحو الاهتمام بالأفلام السينمائية، وغالبية هذه الأفلام غير عربية، فإنهم يتجاهلون الدراما التلفزيونية في معظم الأحيان، بالرغم من أن المسلسلات التلفزيونية الدرامية والأفلام السينمائية من حيث الطبيعة تنتمي إلى نوع واحد، يمكن أن نطلق عليه اسم الدراما المصورة بالكاميرا. فالسينما والتلفزيون فنّان متشابهان، وهما يعتمدان وسائل تقنية متقاربة، كما إن طريقة العرض متشابهة، فالاثنان يعرضان من خلال شاشة مسطحة. وإذا كانت هذه الصفات المتقاربة قد توحي لبعضهم أن السينما والتلفزيون فن واحد، إلا أن هذا الأمر ليس كذلك من نواحٍ عدة، وبخاصة في الجانب المرتبط بالتركيب الدرامي لكل من الأعمال التلفزيونية أو الأفلام السينمائية، أو في التعامل مع الإبداع بوصفه فنا خالصا، وليس مجرد سرد لحكايات، فالتلفزيون من خلال المسلسلات يتصرف كسارد للحكايات، في حين تركز السينما على فنون وتقنيات الصورة بشكل خاص.
تنطبق هذه الملاحظة على الإنتاج الدرامي التلفزيوني في العالم بشكل عام، وفي العالم العربي بشكل خاص. فالإنتاج الدرامي التلفزيوني لم يصل بعد، ورغم كل ما حدث فيه من تطورات، إلى مستوى الفن الراقي والأعمال الإبداعية الكبيرة والخالدة، وذلك على العكس مما يحصل في مجال الإبداع السينمائي، الذي يحمل الكثير من أفلامه صفة الأعمال الخالدة.
وإذا ما نظرنا إلى الكتابة الدرامية للنصوص التلفزيونية، فسنجد أنها تعجز عن تحقيق الشروط الإبداعية للكتابة الدرامية الحقة المستفيدة من خبرات المسرح على مدى العصور. كما إن النصوص المكتوبة للتلفزيون تتجاهل كليا القيمة التعبيرية البصرية للدراما المصورة. وبدلا من الجانب البصري ثمة هيمنة للحوار، ولكن لا الحوار الذي يحوي في داخله قيمة درامية، بل الحوار الذي يعتمد وظيفة واحدة فقط، هي سرد الحكاية والعرض الخطابي المباشر للفكرة.
نجد في الدراما التلفزيونية نوعا من الردة نحو الثرثرة، ساهم في تكريسها كون هذه الدراما تعرض على حلقات مسلسلة تستمر ساعات طوال مقسمة إلى أيام أو أسابيع، هذه الثرثرة موجودة في الأعمال الدرامية التلفزيونية العالمية، كما أيضا في الأعمال العربية.
ومن المعروف أن الصيغ الشائعة لكتابة نصوص المسلسلات الدرامية التلفزيونية تعتمد على تكرار الأحداث من حلقة لأخرى، بحيث لا يضطر المتفرج لمشاهدة جميع الحلقات تباعا كي يفهم ما يحصل وكي يتابع الحكاية، ولن يفوت المتفرج الكثير إذا ما غفل عن مشاهدة ثلث الحلقات، في أقل تقدير. فالدراما التلفزيونية المسلسلة فيها الكثير من التكرار، وبالتالي، المراوحة في المكان ذاته من حلقة لأخرى.
هذا النوع من الكتابة الدرامية يعتمد على متفرج كسول وغير مواظب ولا يركز انتباهه كما يجب على ما يعرض عليه، ولهذا يجب تذكيره باستمرار مجريات الأمور التي حصلت في الحلقات السابقة، وإعادة ذات المواقف من حلقة إلى أخرى، بحيث يظل المتفرج على صلة بالأحداث التي فاتته في حلقات لم يشاهدها.
إن اعتماد المسلسلات التلفزيونية على الحوار كوسيلة أساسية للسرد يلغي في معظم الأحيان إمكانية تصوير الحدث أو عرضه بواسطة الفعل والحركة، ويستبعد بالتالي إمكانية إبراز الصراع مجسدا بالأفعال داخل كل لقطة أو كل مشهد على حدة، مما يخفف من زخم الاثارة والتشويق المطلوبين في كل لحظة من لحظات الحدث.
لا نعثر على مثل هذا النوع من الكتابة في النصوص الدرامية التلفزيونية، سواء منها العالمية أو العربية، وأكثر ما يهتم به كتّاب النصوص التلفزيونية هو السهولة والتبسيط وسرد الأحداث من خلال الحوار.
اعتماد الدراما التلفزيونية على الحوار بديلا عن الحدث، يؤدي بالضرورة إلى فقر في الجانب البصري. فمهما كان مخرج المسلسل التلفزيوني موهوبا، ومهما كان المصور أو مصمم المناظر موهوبين، وبالرغم من إمكانية توصل فريق التصوير إلى لقطات جميلة أو تكوينات وزوايا تصوير معبرة، فإن الجانب البصري يبقى فقيرا وقليل التنوع.
لهذا، على الأغلب، يلاحظ ابتعاد النقاد عن نقد المسلسلات التلفزيونية. فعدا المضامين التي تطرحها المسلسلات، لا يجد الناقد الكثير فيها مما يتوجب التحليل والدراسة.
وهناك عامل آخر مهم. فدراسة مسلسل تلفزيوني تعني قضاء وقت طويل جدا في مشاهدة جميع الحلقات. وهذا يعني نوعا من الظلم والاستعباد والعزلة الثقافية عن باقي نشاطات المجتمع، وبالتالي يعني عزلة اجتماعية.
* ناقد سينمائي أردني