البرلمان المقبول.. صمام أمان

البرلمان المقبول.. صمام أمان

اثبت النجاح النسبي للبرلمان المصري في احتواء نار الفتنة، التي كادت تشعل مصر كلها انطلاقا من ملعب الكرة في مدينة بورسعيد، ان الانتخابات النزيهة لممثلي الشعب قادرة على اداء دورها في استقرار الاوضاع.ومن تابع وقائع جلسات البرلمان المصري الوليد، فور وقوع الكارثة وامتداد شررها الى القاهرة وباقي المدن المصرية، لاحظ كيف نجح ممثلو الشعب في تحقيق ما عجزه عنه المجلس العسكري الذي يقوم بمهام رئيس الجمهورية، وما لم تتمكن من تحقيقه الحكومات المتتالية المشكلة منذ نجاح الثورة في اقصاء النظام السابق. فالنجاح الذي حققه البرلمان في احتواء اعمال العنف، التي تفجرت في توقيت منظم مشبوه، لم يكن ليتحقق لو ان المجلس لم يكن منتخبا بالشكل المقبول لاغلبية المصريين. وهو البرلمان الذي لايملك قوة تنفيذية من ادوات السلطة على الارض سوى سلطة تمثيله للناخبين.وهي السلطة التي اثبتت جدواها في اللحظة الحاسمة التي خرجت فيها الجموع لحماية مؤسسات الدولة من التخريب، بعد انتشار اعمال العنف تحت وطأة مشاعر الغضب من تقصير اجهزة الدولة في مأساة ملعب بورسعيد التي ذهب ضحيتها العشرات.

ومن الملاحظات المهمة التي يجدراستخلاصها من تجربة البرلمان المصري في احتواء كارثة اكبر كان يمكن ان تشهدها مصر، تتمثل في ان الانعقاد الطاريء للبرلمان المصري قد نجح، ابتداء، في تحويل الانظار من ساحات المواجهة بين الامن والمتظاهرين الى مجلس الشعب ونقاشاته الساخنة حول وقائع ما حدث. كما ان اخذ البرمان زمام المبادرة في محاسبة المقصرين، ونزول الذين انتخبوه الى الساحات لحماية المؤسسات من عبث الغاضبين اواصحاب الاجندات المضادة للثورة،قدم نموذجا حيا حول اهمية دور الممثلين المنتخبين للمواطنين في حماية بلدانهم من الفوضى المدمرة،  والاسهام في تحقيق التغيير المنشود بالكلفة الاقل التي تحفظ البلاد والعباد.

ولان الشيء بالشيء يذكر فان تونس الثورةكانت قد تعرضت لما تتعرض له مصر من محاولات نشر للفوضى واعادة عقارب الساعة الى الوراء.ومنذ الانتخابات التي انجزتها تونس حدث تحول كبير في الاوضاع لجهة الاستقرار،رغم تواصل الحراكات المطلبية في مختلف الاتجاهات.وتعيش تونس الان حالة من الاستقرار المتناسب وحجم تحديات المرحلة الانتقالية،مع ثقة عالية بان الحراكات المطلبية هي جزء من الحيوية الديمقراطية التي اطلقت بواكيرها ثورة الياسمين.

وبهذين النموذجين لدولتين سقط فيهما نظامان مستبدان وكادت مع سقوطهما ان تسقط الدولة نفسها في فراغ قاتل، يتاكد الراي القائل بان الدول التي تشق طريقها نحو الاصلاح التوافقي من داخل النظام القائم، مثل الاردن، هي الاولى في تسريع خطواتها نحو اجراء الانتخابات النيابية، وفقا لقوانين تضمن التمثيل المناسب للمواطنين، وبما يفرز برلمانات تقبلها الاغلبية.فالبرلمانات المقبولة شعبيا في زمن التغيير العربي هي صمام الامان الحقيقي الذي يحفظ الاستقرار، والعنوان المأمون للتعامل مع المطلبيات بانواعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.وهي الحاصنة الاقوى بمواجهة التاثيرات الخارجية الاقليمية والدولية.وذلك خلافا للاجتهاد القائل بان المخاطر والاحتقانات الداخلية والخارجية تشكل عائقا مبررا امام تسريع الخطوات نحو الانتخابات.