منذ أن قدم المخرج ''مارتن سكورسيزي'' رائعته الأخيرة فيلم ''الراحل''، والحاصل على ''أوسكار'' أفضل فيلم للعام الماضي، أصبح للاقتباس معنى آخر، فهو ليس مجرد إعادة جيدة بنجوم كبار لفيلم لم ينجح جماهيرياً، أو إعادة بإمكانات ضخمة تضيف لفيلم كانت المؤثرات في الماضي غير قادرة على أن تخدم الفيلم وقتها، الاقتباس أصبح على أيدي ''سكورسيزي''، تحويل تحفة عصرية إلى تحفة تعالج عيوب النسخة السابقة، وتخلق منها فيلماً يصل لحدود الكمال.
لكن يبدو أن الاقتباس في السينما المصرية لا يزال يدور في نفس إطار الإعادات الفاشلة لأفلام أميركية حققت شهرة كبيرة في الماضي، بحسب صحيفة الشرق الاوسط.
وفيلم ''التوربيني''، خير مثال على ذلك، بالرغم من أن صناع الفيلم أقروا بمصدر اقتباسهم عن الفيلم الأميركي ''رجل المطر''، وهي تكاد النقطة الوحيدة التي تحسب لهم. وبالرغم من أني لست ضد الاقتباس أبداً، لكن الواقع المصري حالياً يمثل ''مادة خام''، تكفي لمئات الأفلام، خاصة أن ''رجل المطر''، لا يحوي تلك القابلية ليحول إلى فيلم تستطيع أن تتقبل أن تدور أحداثه في مصر.
منذ المشهد الأول يظهر المجهود الواضح في تمصير العمل من قِبل كاتب السيناريو محمد حفظي، فأحداث الفيلم تبدأ في بورسعيد، حيث يتنافس ''كريم'' شريف منير، تاجر السيارات، مع مجموعة من التجار في مزاد على سيارة، وفي نفس الوقت يظهر المشهد مدى الإفلاس في صياغته، حيث إن دخول المنافس في اللحظة الأخيرة والحصول على ما يريده، أصبح مشهداً متكرراً ولا جديد فيه، مما يشير إلى مستوى التقليدية في صياغة الفيلم في ما بعد.
وبعد وفاة الأب يتابع ''كريم'' وصيته على شريط فيديو، وهو أمر غريب بالنسبة إلى رجل ريفي، وبالطبع الوصية تحتم عليه الاعتناء بأخيه ''محسن'' أحمد رزق، لحين الانتهاء من امتحانات الكلية، ويبدأ ''كريم'' المعاناة مع ''محسن'' ليستطيع الاستيلاء على نصيبه في الميراث.
الإضافة الجديدة التي قدمها السيناريو هي شخصية هند صبري، المعالجة والمتابعة لحالة محسن منذ أربعة أعوام، وهي حلقة الوصل بين الأخوين. في البداية ستجد أن هذه الشخصية إضافة ذكية للغاية، فحالة ''محسن'' تحتاج معاملة خاصة ربما لم يكن ليفهمها ''كريم'' لولاها، لكن المشكلة أن الشخصية نفسها ستمثل عبئاً كبيراً على مسار الأحداث في ما بعد، بالإضافة إلى أن شخصيتها لم تدرس بالشكل الكافي وأصبح ما تفعله غير مبرر درامياً، فسفر ''كريم'' و''محسن'' إلى باريس لإنهاء بعض أوراق الوراثة والعلاج، جعل من وجود هند صبري، أمراً غير منطقي.
ففي أحد المشاهد يعبّر ''كريم'' لها عن حبه فجأة، والغريب أنها تبادله الحب من دون مناسبة، بالرغم من أن الخط الواصل بينهما طوال الأحداث، لم يتعد حالة ''محسن''، ولم يخرج إطار الحديث عنه ولو للحظة واحدة، وهي أولى سقطات السيناريو الفادحة، والكارثة في ما بعد أن يتصارع الأخوان على حبها بشكل مستفز وغير مقبول.
شخصية ''محسن'' هي الأخرى كانت تحتاج إلى دراسة بشكل أكبر. فلم يكن كافياً أن يتحول برنامجه المفضل على التلفاز إلى ''من سيربح المليون''، ومباريات كرة القدم، وأن يحمل معه حقيبة دائماً لم يفتحها ويستعمل ما بها ولو لمرة واحدة طوال الأحداث، فتفاصيل كهذه غير كافية لشخصية معقدة بهذا الشكل، خاصة أننا لم نعرف سبباً محدداً لما وصلت إليه، وما السر في امتلاكه تلك القدرات الخارقة في العمليات الحسابية. فالفيلم اكتفى بشرح هند صبري لحالته في رسالة الدكتوراه، بخطبة إنسانية لا علاقة لها بالطب، مع دعوة للتعايش مع شخصية بريئة مثل ''محسن''، لا ذنب لها في ما وصلت إليه.
لكن ما حول شخصية ''محسن'' إلى مصدر إزعاج وليس مجرد سقطة سيناريو، هو الأداء الغريب من أحمد رزق، الذي لم يفعل أكثر من تقليد داستن هوفمان بشكل مثير للشفقة، يدل على أنه لم يحاول أن يجتهد لخلق تفاصيل خاصة للشخصية، أو حتى يحاول أن يقدم أداءه الخاص ليتناسب مع شخصية كهذه، فتحول الأمر إلى مجرد تقليد لا يضيف شيئاً إلى أحمد رزق، كممثل.
بعكس شريف منير، الذي ابتعد تماماً عن أداء توم كروز، وخلق لنفسه شخصية جديدة تماماً. المشكلة الوحيدة أن أداءه في ربع الساعة الأخير، أصبح غير منطقي، تبعاً إلى أن ''كريم'' تحول فجأة إلى شخص جديد لا يسعى للمال، هكذا لمجرد أن ينتهي الفيلم نهاية سعيدة. هند صبري، ظلمت إمكاناتها بقبول دور كهذا لا يضيف شيئاً إليها، ومشكلة الأداء الحقيقية في العمل كانت في محمد كريم، الذي قام بدور صديق ''كريم''، فهو أداء مسرحي تقليدي ضعيف.
أحمد مدحت في أول أعماله كمخرج، لا يقدم إضافة ملموسة، ومن الواضح أنه لا يزال في حاجة إلى فترة أكبر للسيطرة على أدواته الإخراجية، فالكثير من المشاهد كانت تفتقد إلى الصدق، والمسؤولية لا تقع على السيناريو وحده. الموسيقى تكاد تكون أفضل عناصر الفيلم السينمائية، وبخاصة أن المونتاج جعل من إيقاع الفيلم شيئاً لا يمكن احتماله، مشاهد كثيرة كانت من الممكن أن تختصر أو تحذف، مثلاً مشهد الرقصة في باريس على ألحان المغنية ''إيديت بياف''، كان أطول مما يجب، وفي نهاية المشهد أصبحت الجماهير تلتفت وتشير إلى الكاميرا، وهو أمر غير منطقي في أن يعرض هذا المشهد كاملاً، خاصة أنه افتقد حيويته والبهجة التي صنعها في البداية.
''التوربيني'' هو اسم العمل منذ وقت كتابته، وعندما تزامن عرض الفيلم مع مأساة حادثة ''التوربيني''، قاتل الأطفال، أصر صناع الفيلم على الاحتفاظ بالاسم حتى لو تسبب في خلق الالتباس للبعض بين أحداث الفيلم وأحداث القاتل، وذلك نظراً إلى أهمية اسم ''التوربيني'' في أحداث الفيلم. الطريف أن ''التوربيني'' هو مجرد تشبيه أطلقه الأب على شخصية ''كريم'' ذات مرة في طفولته، لأنه يفعل ما يشاء ولا يتوقف مثل ''التوربيني''، وهذا هو كل ما في الموضوع.
التوربيني .. إعادة فاشلة لأفلام أميركية
12:00 28-4-2007
آخر تعديل :
السبت