لمجرد ان لعلع صوت ليلى وينه؟ قام قيس من كوماه كالمجنون، ناتراً ذراعه من الابر والخراطيم صائحاً: واليلااااااااااااه ..... وقام يتخبط في دمه واقعاً على الارض.
هرعت الممرضات والطبيبات جميعاً من كل المستشفى مما احدث ازمة في الاقسام الاخرى، وكذلك الفريق الطبي المشرف، وجميع اعضاء وعضوات رابطة الكتاب الاردنيين الخمسمئة (كان حوالي ثلاثمئة منهم وخمسين يحملون في ايديهم ملفات واضابير فيها نسخ من المقالات والاشعار التي نشروها في صفحة القراء من الصحف الصفراء، على اساس انهم يريدون اهداءها الى قيس ليتسلى في اثناء اقامته في المستشفى) كما هجم ايضاً اعضاء وعضوات اتحاد الكتاب والادباء الاردنيين الالف (كان جميعهم يحملون بأيديهم اوراقاً صفراء تثبت عضويتهم في الاتحاد، يلوحون بها، اذ لم يكن لديهم شيء آخر يلوحون به، كالكتب والدواوين). وكان هؤلاء يحاولون اثبات وجودهم عن طريق التدفيش احياناً، او رمي بعض التعليقات على الطقس (على اساس انهم اكابر كالانجليز) او عرض الخدمات التمريضية، لأن عدداً لا يستهان به من العضوات والاعضاء يعمل في هذه المهنة النبيلة بلا شك، ولكن المشكوك مبدئياً ان يكون لها أي صلة عضوية بالكتابة او بالشعر. (بعض هؤلاء فهم ان الدراسات التي اجراها اهل النقد على قيس ليلى وشعره ما هي الا محاولات تمريضية من اجل معالجة قيس وشفائه، وبناء عليه هُرِعوا لانقاذ قيس لا للتفرج عليه): نحن أتينا للمساعدة والانقاذ لا لنتفرج على مصائب الغير ، هكذا قال احدهم وهو يكاد يفترس بعينيه رئيس الرابطة دون ان ينتبه (هذا الاحدهم) ان ال التعريف لا تدخل على غير وبعض، فهو فعلاً لا يعلم.
احد الاطباء طلب من الجميع التوقف عن التدافع والتدفيش كاطفال المدارس في العالم الثالث. كما طلب الهدوء غير مرة مما احرج الرئيس (لا اقصد رئيس الوزراء)، رئيس الرابطة الذي بذل مجهوداً دبلوماسياً فائقاً لتسكيت الاعضاء والعضوات ولكنه لم يكن حازماً كفاية لان الانتخابات على الابواب وهو لا يريد ان يخسر صوتاً (اقصد احداً) فجميعهم اصدقاء واحباب.
خرج طبيب اخر اكثر نزقاً من الاول وطلب من الجميع مغادرة القاعة حتى نعرف راسنا من رجلينا كما اضطر ان يشخط في عضوة اتحاد باردة وجه، تضع على رأسها عدة التمريض، اقصد القبعة المنشاة، مصرة على المساعدة وهي تسد بجسمها الباب وكانت تقول: دكتور .. انا عضو اتحاد .. انا عضو اتحاد .
فقال لها الطبيب عضو ايش؟ عضو بصر، سمع، هضم.. ام ايش بالضبط (وضحك ضحكة صفراء) ثم نظر الى ممرضة قربه وقال لها قولي لها ان ليس لدينا شواغر للاعضاء ال ..... .
اما ورد، فقد رجع الى البيت، وسأل عن المدام فقال له الخادم السيرلانكي: لا نعرف .. فلما سأل الخادم الفلبيني اجاب: ان اناساً اتوا واخذوها. الى اين؟ . لا نعرف. ولكنه كان سمع في الاخبار ان قيساً في البلد، فلعب الفار في عبه، واجرى بعض الاتصالات، فلما علم ان الفتى العاشق في مدينة الحسين الطبية اتى فارعاً دارعاً (واظنها في الاصل ضارعاً) واوقف سيارته الفور ويل درايف الكرايسلر بلونها الكعكباني السكلما الملعلع مثل فضيحة كلينتون، وكانت من موديل السنة طبعاً، على باب الطوارىء، ونزل هاتفاً: يا لبني ثقيف، يا لبني اسد .. يا لبني عامر .. يا لاميّة.. يا لغطفان .. يا لتغلب.. يا لبكر.. هيّة حصّلت؟؟ الشرف .. الشرف!! ليلى العامرية تخونني عيانا جهاراً (وفي رواية عينك عينك) مع هذا العتلّ الابرص الابرش الانجر الاعور، المُغْطَوْطِش، الغِربيب، ذي الذعالب النافقة.. خريج ارصفة الصحارى؟
ولم يكن قيس طبعاً عُتُلاً (الثقيل البليد التافه) او ابرص او ابرش (لا اعرف معناها واظنها على القافية)، او انجر (الذي في فيه ريح كريه) او اعور (فعيناه يا سبحان الخالق مثل عيون جمال ابو حمدان في عز شبابه او اوسع قليلاً) كما لم يكن غربيباً (اسود اللون) او خريج ارصفة من أي نوع، لانه ابن عشيرة محترمة لكن ضربه العشق بعصاه فطاح. ولكنه كان مُغْطَوْطِشاً (أي مسوداً من كثرة تعرضه للشمس والرمال) وكثيراً ما كانت ذعالِبُه (نوقه السريعة) تَنْفُقُ (تموت) فعلاً من كثرة ما كان يطارد خيال ليلى في الصحارى الممتدة من الربع الخالي جنوباً الى بادية الشام شمالاً، وبالعكس من كل ما قاله ورد الغيور الذي يحسد قيساً (ولا يغبطه) على جماله، فقد كان الفتى - قيس - كما ينبغي لاي عاشق في التاريخ - سمهريّ العود، رياضي القوام من كثرة ركوبه الخيل والابل والترحال لا على الفيرست كلاس او البزنس كلاس، بل على خيل اصيلة مربّاة على العز في ديار بني عامر. كما كان اسمر البشر، جميل الملامح، يستطيع ان يقف على رموش عيونه سرب من الطيور، وله فم ممتلىء مثل عمر الشريف، وشعر طويل اهوج رمت الشمس على بعض خصيلاته لونها المصفر، اما ملابس قيس فكانت في الاصل وقبل ان تبلى من الشمس والمطر والرياح - ملابس امير عربي .. كما كان - قبل ان يختلط عقله - ذا ذوق رفيع في اختيار الوان الشالات التي كان يلقيها على كتفه والتي كانت تأتيه من الكشمير الاصلي والبشمينا من الهند مباشرة، فحق لِوَرْد ان يَطُقَّ غَيرة .. فنحن بصدد مواجهة بين الثراء الطارىء والاصيل .. بين التملك والحب الرفيع..
اما ورد فقد تابع صائحاً نائحاً:
انا ورد بن محمد العقيلي من ثقيف (وهنا اندفع الشاعر والقاص جعفر العقيلي صائحاً: لبيك يا ابن العم، ولكن ورداً قال: بلا ابن عم بلا بطيخ الشام وتابع).
سأشرب من دم قيس بن الملوح من بني عامر، اليس هو القائل:
فإن كان فيكم بَعْلُ ليلى فإنني
وذي العرش قد قبّلت فاها ثمانيا
والحقيقة ان قيساً - بحسب قوانين الحب العذري التي في oاخبار الادبa - لم يقبّل ليلى ولو مرة واحدة، على نحو ما نعرف اليوم من طبائع البدو العفيفة فيما يسمى التعليلة حيث تختلي المرأة برجلها الذي تحب مساء يتحدثان دون ان يخدشا ثقة العشيرة فيهما،. اما قيس فقد قال هذا البيت امام صحب ليغيظ زوج ليلى الغيور).
بعد ان القى وَرْدٌ بيت قيس مرّ كالطلق يتبعه ابن عمه، غير ان الحرس سرعان ما حجزت بينهما وبين غرفة العناية الحثيثة حيث قيس ما يزال في الكوما، ولكن ورداً هتف منفعلاً من وراء الابواب:
أنتِ طالق يا ليلى بنت مهدي .. وبالثلاثة .
(لَحَن البدوي بعد ان تمدين) ثم طوى عباءته على عوده الضئيل الاعجف (ينبغي ان يكون هذا وصفه لأنه الزوج في قصة حب) بنرفزة، بعد ان نتر نفسه من الحرس، ثم صفق الباب وراءه حتى انخلع، وكذلك فعل جعفر العقيلي (وتعجبنا من اين حصل جعفر فجأة على هذا القدر من القوة العضلية وهو في الواقع يكاد يختفي في ظله) الذي سارع الى صحيفة oالرأيa يكتب مقالة للصفحة الثقافية مشككاً بوجود قيس بن الملوَّح، وان القصة برّمتها من فبركة الرواة (مسكين جعفر، فإنه بدل ان يكتب من نحل الرواة كتب فبركة وهي كلمة اعجمية مستوردة ضمن ما نستورد من مواد تنظيف وملابس واطعمة مسرطنة وادوية نافدة المفعول، ويا ويله ان يعلم الدكتور ناصر الدين الاسد بجهله هذا) ولكن رئيسة القسم الثقافي الاديبة سميحة خريس نظرت اليه بريبة وقالت: وهذا الذي في المدينة (اختصار المدينة الطبية) ..
لا .. لا انا كنت هناك. وهذا الشخص بدوي فار من العدالة (وهو يعلم انه بدوي باحث عن العدالة لكن في الحب) ولا علاقة له بابن عمي ورد بن محمد العقيلي!
هه قالت سميحة وهي تبتسم: ما اوسع ذمتك يا جعفر وذمة طه حسين ايضاً (وهكذا ريحت ضميرها تجاه ناصر الدين الاسد).
نعود الى المدينة، اذ ما ان سمعت ليلى يمين الطلاق حتى وقعت على قيس المسجى تنتحب، ولم نفهم نحن والصحافة المحلية والعالمية وجموع الحشود اذا ما كان انتحابها حزناً للطلاق المفاجىء، ام فرحاً بالخلاص، ام على قيس المسجّى كالميت بلا حراك.
في هذه الاثناء الدقيقة من هذه المجريات رنّ جوّالي عند الشاعر الاردني المغترب امجد ناصر من لندن يسألني ويستفسر ويريدني ان ادبر مقابلة للكاتب والصحفي يحيى القيسي - مندوب القدس العربي في عمان - مع قيس، وقد حاولت ان افهم امجد ان الوقت غير مناسب وان قيساً في الكوما، ولكن امجد النزق اصر، طيب مع ليلى العامرية، ليلى حالتها بالويل .. وورد رمي يمين الطلاق.. حاولت تلخيص الموقف ولكن الشاعر العصبي على الطرف الثاني يلح وينق .. بيصير خير .. لما تهدأ الاجواء .. يا الله .. اوكيه .. اوكيه .. حاضر .. باي.
ما ان انهيت المكالمة التي كانت تتقطع بسبب ضعف التغطية حتى سمعت من يقول:.
- الله يجازيك يا مهدي بن سعد بن مهدي بن ربيعة ابن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (ومهدي هذا ما هو الا والد ليلى العامرية بذاتها).
كان القائل والمتنهد ايضاً هو الدكتور حسين عطوان استاذ الادب الاموي في الجامعة الاردنية، والحاصل على جائزة صدام حسين للآداب، عندما كان في لجنة التحكيم الدكتور ناصر الدين الاسد، وكان الدكتور عطوان يعاتب والد ليلى العامرية على هذه الزواجة التي قهرت قلوب العشاق والعاشقات منذ ذاك الزمان وحتى الآن.
اما معالي ام ناصر شرف فقد دمعت عيناها تأثراً. والحقيقة ان جميع النساء دمعن، وكان قرب ام ناصرمعالي ابو الرائد الدكتور محمود السمرة الذي كان يبدو عليه التأثر ايضاً.. فقال: امّا بهدلةّ ما هذا الورد؟ شي تعبان كنا في ايش ولا ايش؟ ( (لا بد من الاشارة الى ان مجيء الدكتور السمرة للاطمئنان على قيس بن الملوح لهو تكريم لا لقيس فحسب بل للشعر العذري بل والاموي برمته .. اذ بينما غيره في التقاعد يحتسي الحياة حسو الطائر، فإنه يندفع الى الكتابة والتأليف كأنه لم يرم وراءه نصف قرن من العمل، بل ويزيد. اني ابحث الآن عن الخشب ادق عليه .. ما شاء الله من عيني!).
الاديب والمفكر التراثي ابراهيم العجلوني الذي لا يؤمن بالتجمعات، صادف وجوده في المدينة الطبية يفحص اذن ولده الذي ادخل فيها ممحاة ولكنه اضطر الى الوقوف قليلاً للسلام على الاصدقاء والصديقات.. ولما انسجم اخذ يتمشى ويتذكر احوال عشقه الماضي والاحذية التي هراها وهو ذاهب آيب تحت بلكونة المحبوبة ذات زمان غابر في مدينة ليست بنائية، قبل ان يندثر الحب بالزواج ويموت ويميت معه شعلة الالهام الخلاق التي صارت تحتاج الى من تعيد اشعالها.
وصار ابراهيم الوقور يغمغم ويتنغم:
اتبكي على ليلى ونفسك باعدت
مزارك من ليلى وشعباكما معاً
قفا ودِّعا نجداً ومن حلّ بالحِمى
وقلَّ لنجد عندنا ان يُوَدَّعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها
عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني
على كبدي من خشيةٍ ان تَصَدَّعا
وما ان بلغ البيت الاخير الذي يغنيه مع الرحابنة نصري شمس الدين حتى رأينا الاديب والمفكر فايز محمود ينعطف نحو الحائط ويسند رأسه عليه ثم يجهش، ولما كان فايز طويل القامة جداً فقد شاهده الجميع، ولكنه لم يكن ليأبه، لأنه هو ايضاً تذكر الاحذية التي هراها وهو ذاهب آيب من البريد المركزي واضعاً رسائل مستلماً اخرى من الحبيبة البعيدة التي لم تكن ليلى المريضة في العراق بل في قطر آخر.
طبعاً انا وسميحة وجميلة عمايرة وبسمة طبطبنا على ظهر فايز وكتفه ونحن نمد ايدينا عالياً نحاول الوصول الى رأسه لنمسح عليه لعله يهدأ، فلما شعر بكل هذه الانوثة حوله هدأ وتنشنش وابتسم بأدب وحياء واعتذر، فعانقناه حتى ضحك، ولكن الروائية سحر خليفة قالت: بيكفي تدلعوه.. لأنها ظنت اننا مفتونات بوسامته.
لما رأى الاكاديميون المتماسكون هؤلاء الباكين الشاكين الذين سيفحتونها مَنْدَبةً، حتى اخذوا في التهامس والتشاور .. وكان من هؤلاء الدكتور ابراهيم السعافين والدكتور خليل الشيخ الذي انبرى قائلاً بأدبه الجم ولباقته:
يا جماعة .. الآن سينتشر القيل والقال، وانه لمن العار ان ندع الشائعات تلاحق هذين الرمزين المهمين من رمرز العفة العربية، لا في العصر الاموي (مشدداً على العبارة) فحسب، بل في كل العصور، ونظر نحو الدكتور حسين عطوان الذي هز رأسه وجذعه مرات عدة موافقاً.
المفاجأة الكبرى كانت على يدي الشاعر علي الفزاع المستشار الاعلامي لجلالته .. فما هي؟
ملاحظات مهمة
-هذه الاحداث لم تحدث بعد
-كل الكلام والتصرفات التي صدرت عن الشخصيات متخيلة
-كل الشخصيات حقيقية لكنها في سياق غير حقيقي
* شاعرة اردنية
[email protected]