مفلح العدوان - جنوباً.. على أكُفّ الطريق الصحراوي.
جنوباً حيث الرمل جناحا المسافر، في ترحاله من صخب العاصمة عمان، إلى سكينة الكثبان، والفضاءات الطيبة!!
وأول الجنوب، محطة، دائماً ننتظر الوصول إليها، كي يركن المشتاق إلى فنجان قهوة، ورشفة ماء، يطفئ بهما تعب الخطوات الأولى نحو المدن التي يبحث عنها، بين ملوحة البحر، وحكمة الصحراء. هي ذي ''القطرانة''، واحدة من منازل حاج الشام القديمة، وهي المحطة الفاتحة، وبوابة الكرك، والعتبة الأولى للمرور إلى محافظات الجنوب.. وهي القطرانة، القرية التي كانت طوال تاريخها ملتقى للقوافل، واستراحة للمسافرين، كأنها الواحة وسط الصحراء.
ولعل المار في القطرانة، لا يرى عبر مروره السريع فيها إلا الاستراحات المحاذية للشارع، أو القلعة التي بقيت متماسكة في موقعها غرب الطريق الصحراوي، ولكن التاريخ العميق للمكان لا يمكن تلمسه مروراً، ولن يستطيع الراغب في معرفة أسرار القطرانة، أن يفض صمتها، إلا بتتبع ذاكرة أماكنها المنتشرة في القرية، وعلى مسافة حولها، كما أنه لا بدَّ له بعد ذلك من أن يجمع قصة القرية من الكتب القديمة، ومن أفواه الناس، وذاكرتهم التي تختزن جزءاً كبيراً من تفاصيل حكاية القطرانة، وسيرتها على مرِّ العصور.
منزل المبارك
لقد ورد ذكر القطرانة في كثير من كتب الرحالة، والكتابات القديمة، وهي في كثير منها تذكر على أنها القطران المادة التي تعالج بها الإبل من أمراض جلودها، وتحديداً الجرب، ولعل ذلك يرجع إلى كونها مركزاً للقوافل، وتتجمع فيها الجمال بأعداد كثيرة، وهي تكتب مرة القطرانة، وأحياناً القطران كما هو مثبت على واجهة مبنى محطة القطار فيها.
ومن الذين مرّوا بالقطرانة، وكتبوا عنها الرحالة إبراهيم بن عبدالرحمن الخياري المدني في رحلته عام 1080هـ/1669م من المدينة إلى الأستانة، ووثقها في ''تحفة الأدباء وسلوة الغرباء'' بقوله: ''ثم سرنا ليلتنا، وهي ليلة الخميس التاسع عشر من شهر صفر، إلى أن أصبحنا بأثناء الطريق، فصلينا به الصبح مغسلين، ثم سرنا حتى ارتفع النهار، ودخل في الساعة الثالثة، وصلنا منزل المبارك المسمى بالقطراني، فإذا هو وادٍ فسيح به عذوبة هواء، ونسيم رطب، ولا أقول ريح. فيه قلعة عظيمة البناء لائحة الإشراق والسناء، وجدناها مغلقة الباب، ولم ندخلها، ولا أحد من الأصحاب. بها جماعة من أهلها، مقيمون بها، يبيعون منها التبن، وما يناسبه بالتدلي من أعلاه. وإلى جانبها بركة عظيمة الوضع، كثيرة النفع، أخبرني بعض من ذرع (قاس) جهاتها الأربع أنها تسعون ذراعاً بذراع العمل، وأن عمقها سبع أذرع، ينقص ماؤها الآن ذراعاً واحداً، وست أذرع مغمورة بالماء، وأن ماءها هكذا يجتمع في السيل، لا من بئر، ولا نهر، ولا عين، وإن لها مدخلين متسعين، وإلى جانبها بركة صغيرة تكون لتصفية الماء.
واخبرني بعض أصحابها، عن بعض الحجاج، أنهم لما وردوها حال الذهاب كانت ملأى، تتدفق ماء، وإن نقصها لشربهم وغيرهم من الواردين هذه الذراع، وهي مربعة الوضع، فهي من أعظم البرك التي رأيناها، وبهذا المنزل يباع كثيراً ما يتعلق بالدواب من الشعير، والمعبوك، والدجاج، واللبن، وأقمنا بها إلى أن صلينا الظهرين جمعاً، وبرزنا (غادرنا) منها بعد أن وجب فرض العصر، أو كاد بحيث صَلاّه بها، من رفقتنا بعض من لم يكن جمع معنا والبعض أخّر أثناء الطريق. فسرنا منها في مسيل لين الموطأ، عذب الهواء، مخضر الجهات والأنحاء، ما أشبهه بمزرعة من مزارع الشعير والحنطة، وهذا هو مسيل الماء الذي يصل منه للبركة المتقدمة، ولا يستغرب كبرها المذكور، بعد أن يكون هذا سيلها، ولا بدع أن كان ذلك الكيل كيلها، فإنه على قدر الإدخال يكون الإخراج''.
عسكر الشام
أما الرحالة محمد بن عبدالله الحسيني الموسوي، المعروف باسم ابن كبريت المدني، فيذكر في ''رحلة الشتاء والصيف'' أنه مرّ بالقطرانة في طريق عودته من اسطنبول إلى الحجاز، سنة 1040هـ/1630م، قائلاً: ''ثم أتينا على القطراني بعد معاقبة عقبات، ومحاجر، وهو واد فيه قلعة وبركة ماء تفيض على مثلها''. بينما الفقيه الشيخ عبد الغني النابلسي، فقد مر بها، في طريق العودة من أرض الحجاز سنة 1105هـ/1693م، وذكرها في ''الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى بلاد الشام''، بقوله: ''ثم ركبنا وسرنا مع الحجاج في ذلك الطريق السهل الواسع بلا اعوجاج، إلى أن أصبح صباح الأحد الثاني والثمانين وثلاثمائة، وهو اليوم الثامن والعشرون من المحرم، فصلينا صلاة الصبح، وأشرفنا على قلعة القطرانة، وهي قلعة متينة البناء، فيها طائفة من عسكر الشام ينطرون الماء فيها، وهناك بركة كبيرة واسعة يجتمع فيها الماء، ولم نزل هناك إلى أن صلينا صلاة العصر''.
خان القطراني
وتستمر سيرة القطرانة في الكتابات القديمة، وكأنها محطة لا بدَّ من المرور بها، والكتابة عنها، في كل زمان، حيث يكمل بعضاً من تلك السيرة الجزيري في ''الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة''، ويذكر ما قاله الصلاح الصفدي من شعر في القطرانة (القطران)، في رحلته للحج سنة 755هـ/1354م:
''رَبِّ خِلٍّ في الرَّكْبِ قدْ قَالَ ظَرفْاً
وَهْوَ في شدَّةِ المشَقَّة عاني
في عَذَابٍ مَنْ بالحِسَاءِ تغَدَّى
وتَعَشَّى في اللَّيلِ بالقَطْرَان''.
كما أنه نزل في القطرانة المؤرخ ابن طولون الصالحي في رحلته إلى الحج في شهر شوال سنة 920هـ/1514م، وكتب عنها قائلاً:''.. ثم على وادي النسور، ثم نزلنا بعد المغرب بفلاة قريب خان القطراني، ووجدت بخط الحافظ ابن ناصر الدين، في مسودة توضيح التشبيه في حرف القاف قوله: والقطراني منزلة معروفة للحاج الشامي بين الحسا، ووادي النسور، وبها خان خراب''.
ضريح عالم
وتذكر كتابات الرحالة والحجاج أيضاً أنه قد مرَّ بها الرحالة ''أبو القاسم الزياني'' سنة 1206هـ/1791م، ووثّقها في ''الترجمانة الكبرى''، قائلاً: ''البلقاء وهي قلعة، ومنها ثماني عشرة ساعة لقلعة قطرانة، وبها يترك الناس أثقالهم إلى الرجوع، فيها بركة عظيمة للماء، وعمارتها العسكر يحرسونها..''. وعندما مرّ بها الرحالة التونسي محمد السنوسي، في رحلة عودته من أرض الحجاز سنة 1299هـ/1881م، فقد كتب عنها في ''الرحلة الحجازية''، قائلاً: ''قلعة قطرانة: وقد قطعنا في هاته المرحلة بوغاز وادي الحصى في أرض منخفضة. ونحن مستضيئون بنور القمر. وسرنا بياض يومنا في أرض سهلة إلى أن نزلنا حول هاته القلعة الخربة، بناها السلطان سليمان. وليس هناك ماء. وهناك ضريح أحد علماء دمشق الشام، الشيخ حامد العطار، وسيأتي له ذكر في اجتماعي مع من اجتمعت بهم من بنيه. وكانت العادة إرسال ذخيرة من الكرك، والشوبك، ولم تبق هذه العادة. وكان الرحيل آخر ليلة السبت الثاني عشر من صفر''.
رَحّالة مجهول
وهناك رحالة دمشقي مجهول مرّ بها في ذي القعدة سنة 1120هـ/1708م مرافقاً للركب الحلبي، وكتب عنها، وقد نشر الباحث ''المهدي عيد الرواضية'' في كتابه ''الأردن في موروث الجغرافيين والرحالة العرب''، المقتطف الخاص بالقطرانة نقلاً عن كتابة هذا الرحالة، والتي نشرتها مجلة العرب، تحت عنوان ''مجهول: رحلة دمشقي إلى الحج''، حيث يقول: ''قلعة القطرانة: هي قلعة لطيفة، ذات عمارة معتبرة، محكمة التربيع، مشيدة البناء بالأحجار البيض والكلس والمون، ولها باب من الجهة القبلية، ووصف ماءها بأنه متغير، لأنه يجتمع من المطر، وفي هذه السنة لم ينزل المطر، وهذا الماء من العام الماضي''.
وثائق عابدين
ويورد الدكتور محمد عدنان البخيت في كتابه ''دراسات في تاريخ بلاد الشام/الأردن- المجلد الأول) ما ذكره حجيج بن قاسم الوحيدي الحلبي عن القطرانة في رحلته إلى مكة المكرمة سنة 992هـ/1584م حيث يشير إليها بعد مروره في الزرقاء بقوله ''.. ثم سرنا منها إلى الزيزة ثم إلى القطرانة، وبها بركة عظيمة تروي الظمآن والظمآنة، ثم سرنا إلى غدير السلطان..''.
كما يشير الدكتور البخيت إلى أن الشيخ ''حسن بن محمد البوريني'' كان قاضياً لقافلة الحاج الشامي لسنة 1020هـ/1611م، وأنه يذكر ''منازل الحاج'' في مخطوط ''تراجم الأعيان من أبناء الزمان''، ومن بينها أنه مرَّ بالمفرق، والزرقاء، حيث يشير لقصر شبيب، ومن هناك توجه إلى البلقاء، فالقطرانة.. ويضيف أيضاً بأن القطرانة وردت في وثائق عابدين، في تقرير مقدم في 27 صفر سنة 1251هـ/24 حزيران 1835م إلى محمد علي باشا متضمناً عدد المنازل والبرك والقلاع التي عني ابنه ابراهيم باشا بترميمها أو أجرى عليه الكشف، ومنها القطرانة، والحسا، ومعان، وعنيزه، وغيرها.
سيرة قرية
تقع القطرانة جنوب عمان على مسافة حوالي 85 كيلومتراً، وهي مركز لواء القطرانة، وفيها بلدية القطرانة، وتتبع إلى محافظة الكرك.
وتحد القطرانة من الشرق المنطقة الصحراوية، ومن الغرب الدبة، ومن الشمال الدامخي، ومن الجنوب سد سلطاني.
الديموغرافيا: يبلغ عدد سكان القطرانة 4633 نسمة (1383 ذكراً و2250 أنثى) يشكلون 728 أسرة، تقطن في 894 مسكناً.
معظم سكان القطرانة من عشائر بني عطية، والحجايا، وهناك قريباً من المحطة من عائلات النعيمات، والشوام، ومعانية، وكركية، ومن عائلات أخرى.
التربية والتعليم: توجد فيها المدارس التالية: مدرسة القطرانة الثانوية للبنين، ومدرسة القطرانة الثانوية للبنات، ومدرسة القطرانة الأساسية الأولى (مختلطة)، ومدرسة القطرانة الأساسية الثانية (مختلطة)، ومدرسة الإسكان الشمالي للإناث، ومدرسة الشريفة زين للإناث، ومدرسة الحجايا للذكور.
الصحة: يوجد في القرية مركز صحي شامل.
المجتمع المدني: توجد في القطرانة جمعية القطرانة الشمالية التعاونية، وجمعية القطرانة الجنوبية التعاونية، وجمعية قصور بشير الخيرية، ومركز للصندوق الهاشمي الخيري، ولا توجد في القطرانة مراكز شبابية ولا نوادٍ رياضية.
* توجد في القطرانة مراكز الخدمات، والدوائر الحكومية للواء القطرانة (مكتب الأحوال المدنية، مركز أمني، مركز دفاع مدني، مؤسسة استهلاكية، مركز زراعة، مركز أرصاد جوية..).
*توجد في القطرانة المعالم السياحية والأثرية والحيوية التالية: قلعة القطرانة، قصور بشير، محطة القطرانة، سد القطرانة، جسر تركي قديم.
القطرانة.. محطة كل العصور (1-3)
12:00 21-4-2007
آخر تعديل :
السبت