حساب السنة ومعرفة الشهور عند أهل البادية

حساب السنة ومعرفة الشهور عند أهل البادية

هلا العدوان - الثريا ونجم سهيل والشعرى وسواها ... أسماء كثيرا ما نظم البدو الشعرعنها قديما في وصفهم لمجموعات النجوم واعتمدوا عليها لمعرفة أوقات السنة واتجاهات الصحراء.
ولم تطو صفحة هذه الأسماء من الذاكرة حيث مازالت مشهورة ومعروفة للبعض ويستخدمون تلك النجوم في معرفة شهور السنة من حيث الفصول و يتمرسونها في معرفة الأوقات بدقة كبيرة .
وفي هذا الصدد يتحدث الخبير في علم النجوم محمود لافي العثمان عن الكثير من أسرار الحساب عند أهل البادية لافتا الى أن طبيعة عيش البدو قديما فرضت عليهم أن يتأقلموا مع حياة الصحراء القاسية في شتائها وصيفها وكان لابد لهم أن يعرفوا الأوقات والسنين ولم يكن يتوفر لديهم مفكرات كما في أيامنا هذه بل كانت مفكرتهم السماء يعرفون الأوقات من خلال الشمس والقمروالنجوم حيث تمرسوا في معرفة الأوقات بشكل دقيق لدرجة أن الذي يتابع حسابهم ينبهر لدقته وسلاسته .
ويزيد أنهم في الليل كانوا يراقبون السماء بنجومها وتشكيلاتها ويراقبون القمر وأطواره وحركته وموقعة بالنسبة لتشكيلات النجوم وبتكرار المراقبة جيلاً بعد جيل أصبح لدى الإنسان تقويم مناخيُ ( روزنامة طبيعية ) ولقد اتخذ العرب البدو منذ القديم نجوم السماء خريطة توجههم وتحركهم بسبب حر النهار.
كما يشير إلى أن هناك أكثر من طريقة لمعرفة السنة وشهورها في المجتمعات القديمة وأغلبها مشهورة ومعروفة فمنها ما يكون شمسياً كالسنة الميلادية ومنها ما يكون قمرياً كالسنة الهجرية .
وقد اهتم أبناء الجزيرة العربية خصوصا منذ القدم بمطالع النجوم والنظر فيها ومعرفه منازلها وذلك لارتباطها بحياتهم اليومية في الليل والنهار، فهم يعرفون من خلالها دخول الفصول فصول السنة ووقت نزول الأمطار ووقت البرد والحر كما أنه من خلال حساب النجوم يعرف أهل القرى والمزارعون متى يحرثون أراضيهم ومتى يبذرون استعدادا لنزول المطر وأهل البر يعرفون مواسم الرعي والسفر وأهل البحر يعرفون مواسم الصيد والسفر.
وحول الفرق بين الاثنين قال العثمان: أن السنة الميلادية ثابتة من ناحية الأوقات والفصول وذلك لأنها تعتمد على حركة الشمس في حين السنة القمرية فهي غير ثابتة وتدور فيها الشهورعلى فصول السنة كل (36)سنة لأنها تعتمد على القمر .
وبالنسبة لاشهر تلك النجوم والاكثر تداولا وهو نجم سهيل يقول العثمان :أنه يعتبر النجم الذي تستبشر بطلوعه العرب باديها وحاضرها من ألمع النجوم في السماء ولهذا النجم عدة مسميات عند العرب فهم يسمونه البشير اليماني ويسمونه نجم اليمن ويسمونه سهيل اليماني أيضاً وسبب نسبته إلى اليمن كونه يطلع من جهة الجنوب ويظهر مقابلاً للنجم القطبي الشمالي فهو يشير إلى جهة الجنوب ونجم سهيل كمعظم نجوم السماء يختفي عن الأنظار فترة من السنة ثم يعود إلى الظهور فترة أخرى .
في الوقت الذي يوضح ان أهل البادية يعتمدون على مجموعة من النجوم لمعرفة أوقات السنة ومجموعة أخرى لمعرفة الاتجاهات منبها إلى أن المجموعة التي تحدد لهم اتجاه الشمال فهي (الجدي والنعايم والحويجزين وبنات نعش) ومن خلالها يعرفون الاتجاهات.
ويتابع أن علاقة البدوي بالمكان وثيقة وحميمة فالصحراء كتاب يحسن البدوي قراءة لغته وفك ألغازه وأسراره والتنبؤ بتقلباته يعرف أسماء النجوم ومواقعها وحركاتها ودلالاتها بعضهم يرى في الليل كالنهار ويعرف الطقس واتجاه الريح والوقت وحرارة الجو وبعضهم يقرأ المستقبل من خلال النجوم والكواكب.
في حين أن المجموعة التي تحدد لهم الأشهر والفصول هي مشهورة ومعروفة وترتيبها حسب الظهور من جهة الشرق كآلاتي أول هذه النجوم ظهورا هي مجموعة نجوم (الثريا) وهي الركيزة الاساسية لمعرفة الشهور وذلك حسب اقترانها مع القمر منذ ظهورها حتى مغيبها.
وبعد الثريا تظهر نجمة تسمى ( مقيدح ) ثم تظهر مجموعة نجوم تسمى (الجوزى أو الميازين) ثم نجمة (الشعرى) وهي المذكورة في سورة النجم ثم نجم(سهيل) في اقصى الجنوب وبذلك تكتمل مجموعة النجوم التي يحسب لها البدو.
و بالنسبة لأسس معرفة الشهور يبين الخبير في علم النجوم أن ركيزتها الاساسية هي (الثريا ) وموعد اقترانها مع القمر يسمونه البدو ( القران) وحسب موعد القران هذا تحدد اشهر السنة وأول قران يكون في ليلة (25) من ليالي القمربعد ظهورالثريا من الشرق وهو أول شهور فصل الصيف وهي ثلاثة يسمونها البدو ( أول قيظ و اوسط قيظ و اتلا قيظ ) وقرانها مع الثريا يكون في (21و23و25) من ليالي القمر.
والبدو في ليالي القران من كل شهر لا يسافرون ولا يغزون ولا يباشرون عملاً جديداً إلا مضطرين لأنها في اعتقادهم ليالي شؤم خصوصاً الليلة السادسة إذ يكون القمر في الشوكة وفي هذا يقول شاعرهم : أحثك مــن العقـــرب وشولتها ولـو فاتــك من الرزق كل مطلوب سيفي هرب على عرقوب ناقتي وخلى دماها ع الحماد كبوب.
وأما الليالي التي لا يكون بها قران فلا يتشاءمون منها ومن ذلك قول الشاعر: ليالي عشار الصيـــد ليالي ولادة ليالـي سعايــد ما بهــــن قران.
ثم يقول العثمان انه بعد ذلك يأتي أشهر الخريف وتسمى عند البدو (الصفاري) وهي ( أول صفر وأوسط صفر واتلا صفر) ويكون موعد قرانها في(15و17و19) من ليالي القمرثم بعد أشهر الصفاري تاتي اشهر الشتاء وتسمى ( الكوانين ) وهي (أجرد وكانون وشباط) ويكون موعد قرانها في ( 9و11و13 ) من ليالي القمر.
ويتابع أنه عقب أشهر الشتاء تأتي اشهر الربيع وتسمى عند البدو (أيدار و الخميس وجمادى)ويكون موعد قرانها في (3و5و7) من ليالي القمر ثم تغيب النجوم من جهة المغرب وتبدأ بعدها دورة أخرى وسنة جديدة.
وتزايد اهتمام اهل البادية بعلم الفلك تمشيا مع قول الله تعالى:  قل انظروا ماذا في السموات والأرض وقوله تعالى أيضاً : إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين .
كما توسع أهل البادية في علم النجوم لان النجم أو النجوم ورد ت في القران الكريم(13) مرة، أربع مرات بصيغة المفرد (نجم) وتسع مرات بصيغة الجمع (النجوم) . والسور التي ورد فيها النجم أو النجوم هي مرتان في سورة النحل في الآية رقم (12) والآية رقم (16) و مرة واحدة في سورة الأنعام في الاية رقم (97) وفي سورة الأعراف في الآية رقم (54) وفي سورة الحج في الآية رقم (18) وفي سورة الصافات الآية رقم (88) وفي سورة الطور في الآية رقم (49) وفي سورة النجم في الآية رقم (1) وفي سورة الرحمن الآية رقم(6) وفي سورة الواقعة في الآية رقم(75) وفي سورة المرسلات في الآية رقم (8) وفي سورة التكوير في الآية رقم (2) وفي سورة الطارق في الآية رقم (3).
وأمام هذا يلاحظ المرء انه من خلال هذه الشهور الثابتة يستطيع البدو أن يعرفوا أوقات السنة وموعد الأمطار حتى اشتهرت عندهم مجموعة من الأمثال تدل على الخبرة المتراكمة عبر السنين في معرفة أوقات الأمطار ومنها (إذا طلع سهيل لاتأمن السيل) ويدل على أن طلوع سهيل يدل على بداية الموسم المطري ويكون في شهر (9) ميلادي.
ومثال آخر على ذلك (إذا صارت عشاء ولاهي عشاء وسهيل الدلو والشعرى الرشى أول ليلة بالربيع وآخر ليلة بالشتاء)ويبين هذا المثل متى بداية الربيع ونهاية الشتاء ويكون وقت الاعتدال الربيعي المعروف.
ولمعرفة الجهات الاربع أهمية كبيرة بالنسبة لأبناء البادية حيث يستخدمونها في الحل والترحال ويهتدون بها الى مواطن العشب والماء و يهتدون بمواقع النجوم في السماء الصافية.
ويرى أهل البادية ان رؤية الهلال تعتمد على حدة البصر والقدرة على احتمال النظر إلى قرص الشمس عند الغروب لفترة طويلة واشترطوا لذلك صفاء الجو وخلوه من السحب والأغبرة وكل ما يعكره.