أول زيارة لي كـ شاعر إلى عمّان .. بقلم : أمجد ناصر

أول زيارة لي كـ شاعر إلى عمّان .. بقلم : أمجد ناصر

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 6-4-2007

كان ممدوح والي يسكن مع أهله في حي الحسين . أتذكر شجرة كينا كبيرة أمام البيت ورائحة رطوبة قوية داخله. اتذكر ايضا قتامة غير متوقعة في بيوت مثل بيوتنا. لعل الستائر كانت مسدلة، أو ان الشمس لم تكن تدخل البيت جيدا، مع ان هذا مستبعد، فالشمس، عندنا، من القوة والصلف بحيث تقتحم الكهوف. أتصور، الآن، أن تلك القتامة ربما كانت انعكاسا لمزاجه، أو لعالمه الداخلي الذي ضرب عليه ستارا من الغموض. ورغم تحفظه ورفضه الانجرار الى موضوعات شخصية أو اجتماعية فقد دعاني الى بيته أكثر من مرة، ولكني لم أر أحدا من أهله. كان هو الذي يدلف الى داخل البيت ويحضر الشاي الى غرفة الجلوس التي لم يكن فيها ما يمكن الاستدلال منه على أصل أو نسب. كانت له لهجة شبه مدنية ، كتلك اللهجة المفبركة التي يتحدث بها أهل عمان، يصعب، معها، رده الى منبت من منابت الاردنيين المختلفة. لم يكن يبدو متحدرا من أصول فلاحية أردنية أو بدوية أو فلسطينية. وبقوة الالحاح والاحتيال في الكلام استطعت معرفة تفصيل صغير عن أصل عائلته. قال لي، وهو يأكل شفتيه، ان عائلته تتحدر من قبيلة شمر في العراق، وانه على علاقة سيئة بأبيه. نقطة على أول السطر. بعد ذلك لم يعد الى هذا الموضوع مرة أخرى. ما هو عمل والده؟ لا أعرف. لعله كان عسكريا مثل معظم البدو الذين جذبتهم العسكرية من دون أي مهنة أخرى، لعله تاجر مواش، أو شيء من هذا القبيل، بدليل بيتهم الذي بدت عليه ملامح اليسر المادي أكثر من بيتنا. كان في صالون البيت، على الاقل، كنبايات ، وهذه لم تكن موجودة، آنذاك، في بيتنا.
لم يكن أصله يهمني كثيرا إلاَّ من زاوية إزالة قناع الغموض الذي يتوارى وراءه. لكن تلك البارقة التي سطعت على واحدة من مناطق ظلاله الكثيرة لم تجعله واضحا بالقدر الكافي، مثلي أنا الذي يتحدث معه من دون تحفظ، ويرمي، أحيانا، كلاما يجعل الآخرين يجفلون.
كانت تلك آونة الخوف والحذر. كنا على بعد أربعة أعوام من جرح أيلول، وكان تحدري من محيط عسكري بالكامل يثير الشك حولي، ذلك الشك الذي ظننته، في البداية، ترفعا من قبل الأدباء المكرسين في الوسط الثقافي الزرقاوي حيال ولد هبط عليهم، فجأة، من عالم المعسكر و البداوة ولكنني رحت أكتشف أن المسافة التي حرص عليها حيالي بعض مثقفي الزرقاء الذين استبدلت رفقتهم والانتماء اليهم برفقة المدرسة والمحيط العائلي والاجتماعي في المعسكر كانت حذرا، إن لم يكن شكا إزاء القادم الجديد، المندفع الى وسطهم، بفضول مزعج، المستعد أن يبقى ساعات يستمع إليهم أو يسألهم عما أُشكل عليه من مصطلحات أو أسماء علم، الذي يشعر بانقطاع حبل السرة بعالمه السحري الجديد عند مبارحته لهم وعودته الى البيت حيث لا شعر ولا نقاش ولا تدخين.
لم أعرف انني كنت موضع ريبة بعض رفاق وسطنا الأدبي إلاّ بعد أن أشار عدنان ، بشيء من المواربة، الى ذلك. لم يكن عدنان ونزار يهتمان بأصلي وفصلي. كنت، بالنسبة لهما، شابا في مثل سنهما يحاول أن يصنع لنفسه، مثلهما، هوية أخرى غير تلك التي يولد المرء بها ويموت. هوية تصنعها الإرادة والاختيار الحر. هل كنا نفكر بهوياتنا على هذا النحو؟ لست متأكدا من ذلك. لكن المسعى نفسه المنجذب، بقوة، الى التغيير وتبديل جلدٍ بجلدٍ يشير الى ذلك. تحفظ ممدوح لم يكن يصدر، قطعا، عن حذر أو شك حيالي. إنه طبعه. أو الصورة التي أراد لنا أن نراه فيها، أو لعلها هويته الجديدة التي أرادها أن تنفصل عن البيت الذي كان مجبرا على العودة اليه من عمان كل مساء. البيت الذي لا ينشغل بما ينشغل به ولا يفهم، أصلا، هذه الانشغالات التي لا تفيد معاشه اليومي في شيء. البيت الذي ينتظره فيه أب غاضب من اخفاقات ابنه مثل أبي.
بعد توطد علاقتنا دعاني ممدوح للذهاب معه الى عمان. كانت تلك واحدة من زياراتي المبكرة الى عمان ك شاعر ، إن لم تكن الأولى.
لا أظن أن ممدوح كان يعرف الوسط الأدبي في عمان، أو، في الأقل، لم يكن على علاقة برابطة الكتاب الاردنيين التي كانت بؤرة ذلك الوسط وعنوانه المترفع. لم تشمل زيارتنا الرابطة بل اقتصرت على صحيفة الصباح التي كان يرأس تحريرها الصحفي عرفات حجازي. رأيت، للمرة الاولى، مقر صحيفة ومطبعة وعمال طباعة، وبالصدفة، رأيت رئيس التحرير الذي مر على المطبعة وسلم على العمال ومن ضمنهم ممدوح الذي قدمني اليه بصفتي شاعرا . أطربني اللقب. هذه هي المرة الاولى التي أعرَّف بها في عمان، عاصمة بلادي ومقر النخبة الثقافية، ك شاعر . لم يكن مقر صحيفة الصباح بعيدا عن وسط المدينة. أظن أنه يقع في شارع السلط أو في شارع صغير يتفرع منه. لم أعد اتذكر الآن. كانت الاستثارة التي انتابتني من فكرة اقترابي من عالم الصحافة اقوى من ان تلحظ عيناي مثل هذه التفاصيل الصغيرة. فقد زرت مقر صحيفة كبيرة وصافحت، بيد الشاب المرتجفة، رئيس تحرير!
أبى يومي التاريخي ذاك أن ينقضي بإثارة واحدة، فجاءت زيارتنا، ممدوح وأنا، الى بسطة كتب تقع بالقرب من البنك العربي في وسط المدينة، لتضيف اثارة اخرى لا تقل عن الاولى: رؤية أبو علي وبسطة كتبه الشهيرة التي طالما سمعت الادباء الزرقاويين الذين يترددون على عمان، مثل يوسف ضمرة وعدنان علي خالد وممدوح والي، يتحدثون عنها وعن صاحبها. سلم ممدوح على ابو علي سلام الاشخاص الذين يعرفون بعضهم بعضا منذ دهر. ثم قدمني اليه بنفس الصفة التي قدمني بها الى عرفات حجازي. بدا ممدوح فخورا بي. تكراره صفتي كشاعر مرتين لدى شخصيات عمانية مهمة أكدا لي اقتناعه ب موهبتي التي كنت أحتاج الى توكيدها خارج شلتنا الادبية الزرقاوية. ها أنني أسمى في عمان مرتين، وفي يوم واحد، شاعرا! كان ممدوح اكثر أريحية في سلوكه وانفرادا في ملامحه مما يبدو عليه في الزرقاء. كان كمن يجد نفسه في مكانه، لكن هذا التغير لم يشغلني بقدر ما شغلتني الكتب المعروضة على قارعة الطريق. لم يكن في الزرقاء مكتبة تهتم بالأدب، الحديث خصوصا، كما هو الحال في عمان. كل الكتب التي استعرتها من رفاق شلتنا الادبية في الزرقاء كانت مبتاعة من عمان أو مجتلبة من خارج الاردن. كانت على البسطة كتب أعلام الوجودية التي تركت ظلالا سابغة على كتابات تلك الفترة العربية وقناعاتها الفكرية، روايات مصرية لغير احسان عبد القدوس ونجيب محفوظ، دواوين شعرية لرواد الحداثة العربية، أو بعض شعراء المقاومة الفلسطينية، دراسات أدبية ومجلات عربية دورية أو شهرية مثل الآداب و المعرفة و الهلال و مواقف التي كان نشر قصيدة او قصة في واحدة منها يعني اعترافا عربيا لا اعتراف بعده بصاحب القصيدة او القصة.
كان ل أبو علي شكل قبضاي. بشاربين أسودين كثين وعينين تحدقان مباشرة في وجه من يتحدث اليه. بدا كأخ كبير صارم من جناعة . ورغم ان ممدوح قدمني اليه بوصفي شاعرا إلاّ انني وقفت على مسافة منهما. لم أسمع ما كان يتحدثان فيه، لكن صاحب الشاربين الأسودين الكثين والسمت الصارم كأخ كبير من جناعة ضحك فجأة فبدا لي أكثر طيبة مما ظننت. عرفت من ممدوح ان ابو علي هو المصدر الرئيسي للكتب الممنوعة، لأسباب سياسية وفكرية، من التوزيع في الاردن. كانت قائمة الممنوعات طويلة عريضة، تبدأ من كتب آباء الماركسية وتنتهي بروايات ومجموعات شعرية لشعراء وكتاب عرب وأجانب من الصعب، الآن، فهم سبب منعها. لكن أبو علي كان يعرف كيف يتدبر أمر وصولها الى عمان. كان يكفي أن تسمي له عنوان الكتاب الممنوع كي تحصل عليه. قال لي ممدوح ايضا ان ابو علي يبيعهم الكتب ب الدين . من لا يستطيع دفع ثمن الكتاب عاجلا، وغالبا من كان الامر كذلك، يدفع حين ميسرة.
قمت مع ممدوح بأكثر من زيارة الى عمان. ودائما لأمر له علاقة بالصحف والنشر. في زيارة اخرى ذهبنا الى صحيفة اسبوعية تدعى اخبار الاسبوع كان يرأس تحريرها صحفي يدعي عبد الحفيظ محمد (او محمود). لم تكن تتوافر على مكاتب كبيرة ومطبعة ك الصباح . كان مكتب الصحيفة الاسبوعية، الاجتماعية الطابع، في شقة صغيرة. لا اتذكر موقعها. كل ما اذكره ان المكتب كان خاليا من رئيس التحرير الذي كان يعرف ممدوح. لاحظت ان اغلب قصاصات القصص القصيرة التي يحملها معه ممدوح مقتطعة من أخبار الاسبوع . ولا أتذكر، الآن، في أي من الصحيفيتن نشرت اولى قصائدي وإن كنت أرجح أن تكون في أخبار الاسبوع وبوساطة من ممدوح.

* شاعر أردني مقيم في لندن

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }