الهدية.. وسيلة التعبير عن المشاعر

الهدية.. وسيلة التعبير عن المشاعر

عرف الإنسان منذ أقدم العصور مفهوم الهدية وإن اتخذت حينها أشكالا ومسميات مختلفة كالقرابين التي كانت تقدم للآلهة أو للكهنة، وعلى اختلاف نوعيتها إلا أن تسمية القربان تدل بوضوح على هدف هذه التقدمة الكامن بالرغبة الحقيقية في التقرب من الشخص أو (الآلهة) والسعي لنيل الرضا من ذلك الجانب.
وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يهدي ويهدى إليه، وفي قوله: تهادوا تحابوا إشارة صريحة إلى أهمية الهدية في تعميق أواصر المحبة بين الناس.
وبمرور الوقت وتبعاً للعادات والتقاليد المتوارثة وفي ضوء الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها أفراد المجتمع بدأت وجهات النظر المتعلقة بمفهوم الهدية تتفاوت بين من يصر على أهميتها كوسيلة للتواصل والتقارب وبين من يعتبرها واجباً مفروضاً وعبئاً مادياً تفرضه العادات والتقاليد.
بلال الصعوب أكد أهمية الهدية باعتبارها وسيلة للتعبير عن المشاعر ولا يعتقد أنها تشكل عبئاً، ويؤكد: تقاس الهدية بقيمتها المعنوية وليست المادية، فأنا أفضل البسيطة منها كأن تكون بطاقة معايدة كتب عليها عبارة ود صادقة، أحتفظ بكل الهدايا التي تلقيتها في حياتي منذ الطفولة فلكل منها ذكرى معينة، أغرب هدية تلقيتها مؤخرا من صديقي كانت مغلفاً وبداخله دينار ورقي! وطبعا أنا أحتفظ به للذكرى. أكره أن تتحول الهدية لفرض مرتبط بمناسبات معينة خاصة في دائرة الأقارب حيث تتحول إلى مجاملة وواجب ليس إلا، كمناسبة تخرج التوجيهي أو قدوم مولود جديد. أحب أن أبادر بمفاجأة من أحبهم بهدية مثل أمي وأخواتي وأشعر بسعادة كبيرة وأنا أرى ملامح الفرح في عيونهم .
كما أكد عبده الرمحي أن الهدية لا تهدى ولا تباع مهما كانت الظروف واعتبر الورد أصدق وأغلى الهدايا وأكثرها عمقا، مشيرا إلى قيمتها الرمزية ورفض أن ترتبط الهدية بالعادات والتقاليد والمناسبات لأن هذا يفقدها معناها الأصلي ويحولها إلى نوع من المجاملة.
وتقول فاتن الحجاج: أحب الهدايا وأحب أن أتبادلها مع من أحبهم ولا أعتقد أنها تشكل عبئاً إلا إذا كانت باهظة الثمن، ويجب أن تكون هديتي مكافئة من حيث القيمة لتلك التي تلقيتها من نفس الإنسان أو تضاهيها، العطر والساعات هديتي المفضلة، واحتفظ بهدايا الأشخاص العزيزين عليّ مهما كانت، أما ما يتبادله الناس في المناسبات فلا أعتبره هدية وإنما واجب . أيمن العساف أكد أيضا أهميتها في التواصل والتعبير عن المشاعر، ويعتبر زوجته أفضل الهدايا التي منحها الله له، مشيراً : فهي تقدم لي الهدايا والمفاجآت دائما مما يسعدني ويزيل عني همومي مهما بلغت، أحتفظ بالهدايا والتذكارات القديمة وبمجرد النظر إليها تفتح بوابة الذكريات وتجعلني أعيش اللحظة التي تلقيتها بها، أغلى هدية تلقيتها في حياتي كانت ساعة ذهبية، ويستحيل أن أتصرف بالهدية كأن أبيعها أو أهديها وأحتفظ بها حتى وإن تكررت .
رمضان سليمان السوطري أصر على اعتبار الهدية عبئاً ماديا ثقيلاً بقوله: يحتاج الإنسان إلى ميزانية خاصة بالمناسبات الاجتماعية وهذا أمر مرهق للغاية فالهدية هنا( دين ووفا) فأنا مثلا عدد أقاربي من أولاد وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات يزيد على 150 شخصاً وليس بمقدوري مجاملة كل هؤلاء بهدية في المناسبات الاجتماعية الكثيرة ! مما جعلني أقتصر على دائرة ضيقة من الأصدقاء والمقربين التي تربطني بهم صلة قوية أتبادل الهدايا معهم أما البقية فأنا أشاركهم معنويا بأفراحهم وأتراحهم ولكن دون هدايا، وأشعر بأنهم سعيدون بمبادرتي لأنني بالتالي وفرت عليهم (سداد) تلك الهدايا التي كنت سأقدمها لهم! أنتقي من بين الهدايا التي تصلني فأحتفظ ببعضها التي أحسها ضرورية أو مميزة أما الهدايا المكررة مثل الأدوات المنزلية فأنا أقوم بإهدائها لأناس آخرين بمناسبات مختلفة، ومن المواقف الطريفة التي أذكرها في هذا المقام أن والدتي قدمت هدية لخالتي والتي قامت بدورها وبعد مدة من الزمن ودون أن تسعفها الذاكرة بإهداء نفس الهدية لوالدتي مجددا! .
وفي هذا السياق فقد تناول الكاتب الساخر يوسف غيشان هذا الموضوع في كتابه (برج التيس) في قصة أسفاط والتي يروي فيها رحلة سفط الشوكولاتة الذي يتنقل بين بيوت القرية كاملة!: ويظل السفط يتناسخ حتى يعثر عليه أحد الأولاد مخبأ تحت المنخل الجديد في قاع (النملية) ويفتحه وعادة - لا بل غالباً - ما يجده منخورا بالدود، إلا أنه لا يبالي بالدود فـ(يدرم) السفط مع إخوته، وهنا تنتهي دورة حياة سفط الشوكولاتة! . ويقال في المثل الشعبي الدارج: أنا غنية وبحب الهدية .