تمثلُ العولمة واحداً من مخرجات الرأسمالية بعد مرحلة الإمبريالية، وتعني في أبسط مفاهيمها جعل العالم كلّه يسير في نسقٍ اقتصادي وسياسي وثقافي واحد، وتعود جذور نشأتها في الفكر الرأسمالي منذ بدايات التوسع الاستعماري الذي مكّن المستعمرين من إيجاد أسواق استهلاكية جديدة للسلع الرأسمالية التي ينتجها العالم الصناعي معتمداً على الموارد البشرية والطبيعية الرخيصة المتوفرة في العالم اُلمتَخلّف.وتعدّ الشركات عابرة القومية رأس الحربة التي سهلت الاختراق الديني والثقافي لدول العالم الثالث حين تخلَّت بعضها عن التجارة السلمية، وحشرت أنفها في الواقع السياسي للبلدان التي اتخذت منها معسكراً مُتقدماً للدول الاستعمارية، وقد كانت شركة الهند الشرقية شاهداً تاريخياً على السطو الإنجليزي على شبه القارة الهندية، ومثلها شركة جنوب إفريقيا، وشركة شل في نيجيريا، وشركة الفاكهة المتحدة الأميركية في أميريكا اللاتينية، التي تورطت في انقلابات عسكرية ضد الأنظمة الوطنية لتأمين المصالح الأميريكية السياسية والاقتصادية - غواتيمالا مثالاً.
وقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية، مزهوة بانتصاراتها العسكرية والاقتصادية، ومدّت يدها لعون القارة الأوروبية، وإعادة بنائها، بما يحقق المصالح الأميركية أولاً، وبما يبقي على أوروبا المثخنة بجراحها العميقة، تابعاً أزلياً للسيد الجديد، ويجعل منها خندقاً متقدماً في مواجهة الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية في الحرب الباردة التي أبقتْ هذه المنظومة في حالة استنفار دائم وفرضت عليها توظيف قدراتها الاقتصادية لتحقيق أدوات المواجهة اللازمة لتقويض المشروع الرأسمالي الذي أجبر- هو أيضاً- على تبني برامج الإنفاق على برامج الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي لذوي الدخل المتدني والعاطلين عن العمل، الأمر الذي تراجعت عنه دول الرفاء بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ودخول الدول الاشتراكية في عالم السوق وعصره، إذ وجدت الشركات الرأسمالية وحكومات الدول الغربية، أن الظروف التي أجبرتها على تملّق جماهيرها واسترضائها لم تعد قائمة، ولم يعد ثمة ضرورة لمواصلة النزيف المالي الذي شكّلَ عبئاً على أصحاب الرساميل التي تبحث دائماً عن فرصتها في جني الأرباح الطائلة بتعظيم الإنتاج، وتدنية كلفته، وتوسيع شبكة توزيعه، بتوجيه أذواق المستهلكين وفرض نمط ثقافي يتم بموجبه توظيف إمكانات الشعوب المادية، وطاقاتها الذهنية في خدمة هذه الثقافة وتعميق حضورها إلى حدّ سيادتها على كل ما هو جوهري وأصيل في حياة الشعوب وتطلُّعات الأمم.
لم تكن العولمة، حسْب، حدثاً انتقالياً في سلسلة الأحداث التي جاءت في سياق التطور الاقتصادي الذي أسهم التقدم التكنولوجي في تعظيم قدراته وتوسيع رقعة تحكمه، وامتداد أذرعه إلى مواقع السياسة وإحكام حصاره لقلاع الفكر والثقافة، بل كانت إفرازاً لسياسات إمبريالية تدفع باتجاه الهيمنة على العالم الذي تماهت الحدود والسيادات فيه على نحو مرعب ومثير، وتكمن خطورة العولمة في أنها نتاج للحضارة الغربية التي تعتقد بحتمية انقراض الشعوب التي لا تستطيع المنافسة، وبأن الوسيلة الوحيدة لإبقاء هذه الشعوب على قيد العيشلا تكمن في انخراطها تماماً في النموذج الغربي حسْب، بل في تسخير إمكاناتها، خدمة لهذا النموذج السامي الذي يتطلع إلى إرساء قيم السوق في كل مفصل من مفاصل الحياة البشرية على هذا الكوكب المبتلى بسلوك أولئك الذين لا يؤمنون إلا بآلهة المال وأصنام الاستبداد والتسلط، بغية تحقيق التراكم المنشود للثروة في جيوب القلة، وتعميم العوز والفقر والجهالة في مجتمعات الفاقة التي تشكل ما يربو على 80% من إجمالي سكان العالم، وهذه النسبة عرضة للارتفاع في ظل التوحش الرأسمالي وبربريته الزاحفة للإستيلاء على مكاسب البشر من الفقراء وفاقدي السند.
تلك هي ثقافة العولمة التي تجري عولمة الثقافات وفقاً لمقاييسها لتوضيبها في نسقٍ واحدٍ باستخدام كل ما يلزم من أدوات لتقويض المُثل والقيم، ونسف الثوابت والمقدسات التي تعترض سبيل تعميم هذا النسق العولمي المتعالي على تلك الشعوب ذات الحضارات الهابطة انطلاقاً من عقدة التميز وعقيدة الامتياز المتحكمتين بنظرة الشمال المتخم بثقافته العنصرية وعلومه، وليبراليته، لجنوبمسترسل في جهله وتخلفه، ومذعن لأصفاده وعبوديته، ومستسلم لأوهام الأساطير، ولاهث خلف أراجيف الدعاية، وزيف النخبة، وبالتالي فإن هذا العالم البائس لا بد من حشره في مجتمع مغلق، وإلغاء كل إمكانية لديه، للنشوز أو التمرد.
إن ما تقدم يظهر بشكل جلي أن عولمة الاقتصاد وإخضاع العالم لقوى السوق المتحكمة بصيرورته، ما هي إلا الطريق الأقصر لدكّ الحصون الثقافية التي تدافع عن خصائص الأمم وتحقق استمرار تمايزها.
الاختراق الثقافي
إن إحداث التغيرات النوعية في طرائق التفكير وتكريس السلوك المثالي المطلوب رأسمالياً، يستوجب الولوج إلى عالم الروح والفكر ولوجاً مبرمجاً يؤدي إلى عطب كل ما من شأنه أن يبقي على صلة الإنسان المستهدف بماضيه وتراثه.
ولأن الاقتصاد والسياسة وجهان ضروريان لتشكيل عملة العولمة، فإنهما خطان متوازيان يتقاطعان حينما تكون ثمة حاجة لتقاطع ما، ويفترقان ويعودان إلى سيرتهما الأولى، حيث تؤدي هذه الفرقة واجباً يفضي إلى المنشود من أهداف العولمة التي يحتاج تحقيقها إلى مصادرة القيم الثقافية، وتقويض المنجزات الحضارية للشعوب والأمم المستهدفة، بغية تشكيل منظومة من القناعات والمشاعر، وأنماط السلوك والتفكير، تعمل في مجملها على التمشي مع ما يريده سدنة العولمة، من سيادة لقيم الاستغلال الرأسمالي، وتكريس لنمط التبعية الفكرية، وإعادة إنتاج هذا النمط كلما لزم الأمر.
أدوات الاختراق
إن مسألة بسط النفوذ الأميركي على الاقتصاد العالمي، وتشكيل ما اصطلح على تسميته المنطقة الكبرى (أي تلك التي يجب أن تخضع لسيطرة أميركية تضمن معها تدفق المواد الخام منها إلى المصانع وتتيح أسواقاً واسعة تمتص السلع المنتجة بشتى صنوفها) قد بدأت دراستها والإعداد لها منذ مطلع القرن العشرين، وتم وضع الخطط الكفيلة بتحويل ما كان يدور في أذهان أعضاء مجلس العلاقات الخارجية إلى واقع عملي، وتم تأسيس صندوق النقد الدولي بغية الحفاظ على استقرار أسعار الصرف للعملات الأجنبية وتوفير الأموال الكفيلة بتسيير التبادلات التجارية بين الدول، وكذلك البنك الدولي لتهيئة الأموال اللازمة لتمويل المشاريع الاقتصادية في المناطق التي تخضع للهيمنة الرأسمالية، أو تلك المرشحة لتكون أهدافاً قادمة لها.
ففي الوقت الذي كان العالم الثالث يغطّ في سُباته، ويؤجّج أحقادَهُ القبلية، كانت الأجنة الإمبريالية تتحرك في أرحامها، تمهيداً لولادات متعاقبة تتيح لها أن تؤدي الدور الكامل في مسرحية الرجل الوحيد، على خشبة المسرح العالمي المتصدع، ليظل العالم يدور في فلك الرأسمالية التي أعدّت نفسها إعدادًاً كفل لها الخروج منتصرة في كل من الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وعادت إلى مركز الصدارة لتقود عالم الشياه إلى وهم مائها وكلأها وخيرها العميم.
ولإحكام قبضتها على هذا العالم وضمان ديمومة العبث بمعالم الكون وإعادة تشكيل معماره وفقاً لمعاييرها، عمدت الولايات المتحدة إلى توظيف قدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية، لتكريس قيم الثقافة الاستهلاكية، وهي تقود هذا العالم إلى المزيد من التبعية، تمهيداً لانغماس شعوبه في بحار من شبق الرغبات المتعاظمة -بتعاظم الإنتاج السلعي- كمّاً وكيفاً، وإطلاق الغرائز المدمرة لمثل الإنسان، والمصادرة لهيبته، على حساب قيمه السامية التي جعلت منه كائناً مقدساً، سجدت له الملائكة في السماء، وأمدّته بما يؤهله، ليكون خليفة الله في أرضه.
وأمام هذه الهجمات المركزة، والمنطلقة من نظرية التفوق العرقي التي أفرزت حالة مرضية واستعلائية، تثاءب النفوذ الأميركي وتمطّى، ليشمل العالم برمته، وتحولت أميركا إلى إمبراطورية تمتلك ذراعاً عسكرية طويلة ورادعة، وباعاً اقتصادية متمرّسة ومحكمة الامتداد، وقامة سياسية متحكمة بمصائر العباد والبلاد، تتكئ بها على كل الذين يلتقون معها، إما خوفاً من سطوتها واحتكاماً لمنطق ضع رأسكَ بين هذه الرؤوس أو طمعاً في استرضائها والعيش في ظلالها، كالفطر الضحل، وأعشاب السرخس الرخوة، حيث تذوب مظاهر التمايز، وتتلاشى علامات التنوع، وتتحول وظيفة الثقافة والمعرفة، من وظيفة اجتماعية تؤسس لتشكيل مجتمعات يعمل ماضيها على إثراء حاضرها، إلى وظيفة تنبني عليها أشد أشكال الاستغلال بشاعة، وتعمل على إطلاق يد القوى المتحكمة في الوعي العام، والاختيارات البشرية التي يجري توجيهها بالترغيب حيناً وبالترهيب أحياناً أخرى، مما يعمل على تشبيء الإنسان، وتجفيف منابع الخير، والحجر على العقول التي تدافع عن حق الشعوب في الحفاظ على خصوصياتها وتنوعها، والثبات عند كل ما هو سامٍ وخلاق في فضائها الذي يجري انتهاكه في السر وفي العلن، من خلال صراع حضاري يتحدث فقط عن آليات الصدام التي تقود إلى حسم معركته بسيادة الفكر الرأسمالي، والثقافة الغربية الممعنة في امتهان الشعوب، ومحو ثقافاتها الخارجة على قانون العصر، والمتعارضة مع آفاق المستقبل الذي يتطلع الغرب الرأسمالي إلى تشكيله، وفقاً للأسس التي تشكلت بناء عليها مجتمعاته، وترسخت بها ومعها قواعد ثقافته.
إن التغيير الجذري لعقائد الشعوب، لا يمكن أن تجري أحداثه، إلا في مجتمعات متصلة ببعضها، عبر وسائل تتيح تصدير القيم والمفاهيم إليها في شبكة متناهية الدقة وعميقة التأثير عن طريق الضخ المتواصل لمنظومة متكاملة من الأنماط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تمهيداً لإعادة هيكلة البنى النفسية للشعوب المترنحة تحت وطأة الاستبداد السياسي، ومظاهر القهر والتخلف التي تأخذ على عاتقها مسؤولية إنجاز أكبر كمّ من الاندحار، والمنتجة لمساحات شاسعة من الأسى والعويل، وهو ما يمثل بيئة خصبة لاستنبات بذور التبعية التي تبدأ سياسية فاقتصادية فثقافية.
الإعلام واللغة
للمصادرة الثقافية شرطان أساسيان، وفق ما تراهما العولمة وتعمل على تهيئة الظروف المتفقة معها:
الأول: ينطلق من مقولة إن كل ثقافة إنسانية -شأن كل لغة- هي كلٌّ لا يتجزّأ، فإذا كان لا بدّ من تغيير الأفراد والجماعات البشرية (ولا بدّ من تغييرهم) فيجب أن يتم تحويلهم من نمط كلّي متكامل إلى نمط جديد كلي ومتكامل أيضاً لإعادة عملية التشكيل الثقافي للمجتمع بعد ضياع ملامحه، وتماهي قيمه وثوابته التاريخية.
والثاني: ينطلق من قاعدة إن من أهم عوامل النقض الشامل لثوابت المجتمعات يكمن في تداخل وتشابك العلاقات الاقتصادية والسياسية لتصبح جميعها في دائرة النشاط المغناطيسي القادرة على تحويلها إلى عناصر طيعة، ومكونات قابلة لامتصاص كل ما يفد إليها، استجابة لشروطه، واستسلاماً لإرادته الجامحة.
وإذا كانت عولمة السياسة والاقتصاد والأمن قد جعلت العالم يسير إلى غابات ضلاله، استجابة لطغيان منطق القوة، وإذعاناً لمشيئتها، فإن لقوة البغي مآربها التي لا تبلغ شيئاً منها، إلا باستكمال حلقة العولمة، لتشتمل على الإعلام واللغة بغية الولوج إلى أقصى فجوات الروح، إمعاناً في اضطهاد الأمم وإعادة تشكيل نسيجها على النحو المطلوب.
عولمة الإعلام
إذن... لا بد من إعلام معولم ينطلق خطابه من قراءة دقيقة لواقع المجتمعات المستهدفة، مستنداً إلى قاعدة معلوماتية تحقق له هذه القراءة، وتقوده إلى دراسة سبل امتداد مؤثراته، ووسائل انتشارها وإمكانية تطوير العوامل المساعدة على تغلغلها في نسيج الواقع، لتصبح جزءاً من جوهره، وخاصية من خصائصه.
والإعلام في هذا السياق، ليس فعلاً مجرداً من الأهداف، أو عملاً لا ضابط له، وليس علماً منفرداً بذاته، بل هو علم مستند إلى جملة من العلوم والفنون التي تخاطب الحواس وتواجه النفس البشرية بعد أن تكون قد رصدت المجتمعات الموضوعة في دائرة الاهتمام الإعلامي، وجمعت البيانات وعملت على تبويبها، وحددت غاياتها، وخلصت إلى تجهيز أدواتها واستخدمت وسائلها الكفيلة بتحقيق الاستراتيجية الإعلامية التي وضعت خدمة للغايات التي يعلن السياسيون والاقتصاديون عن بعضها ويبقون على أهمها في صدورهم وملفات أجهزتهم إمعاناً في التآمر على مصالح الشعوب ومقدراتها.
إن أهمية الإعلام تكمن في إنتاج المعرفة التي تقود إلى صناعة الأفكار، والترويج للسياسات والثقافات والسلع والسلوك، من خلال قنوات إعلامية تساهم في إعادة تشكيل الرأي العام، الذي ينساق انسياقاً أعمى خلف أبواق الدعاية السوداء، بعد أن يكون الناس قد تخلّصوا من أحمالهم من القيم والثوابت، وباتوا مجرد كائنات تستهلك كل ما يقدمه الآخرون لها على مائدة جوعها الفكري، وحرمانها السياسي، ويأسها الاجتماعي والاقتصادي، وليس أمامها، وقد تشوهت قيمها التي كانت تحكم الواقع، إلا أن تكون تابعة لملّة أحكمت عليها دائرة السوء، وعاثت بها فساداً وإفساداً.
والمحصلة التي أشرنا إليها -هنا- لا تتأتى على هذا النحو والشاكلة بحكم فعالية الخطاب الإعلامي الغازي، فحسب، بل يضاف إليها عامل داخلي مساند، يتمثل في سذاجة الإعلام الوطني وانحسار خطابه وتدني مستوى تأثيره وتمركز أنشطته في البؤر التي لا تقود إلى تنشيط الوعي وبنائه، بل غالباً ما تشهد الساحات الإعلامية تسابقاً بين وسائل الإعلام الوطني والإعلام الوافد على الإبداع في فعل التهشيم القيمي والروحي، لأن الإعلام الوطني -في أفضل حالاته- ليس إلا إعلاماً ممجوجاً وغثّاً إلى حدّ بعث القشعريرة لفرط رتابته وضحالة خطابه الذي يظل موازياً للتخلف، ولا يمتلك فكراً تنويرياً يقود إلى تحفيز الطاقات المجتمعية الكامنة لدى الأفراد والمؤسسات، وإيقاظ المجتمع من سباته، وإخراج الأرواح إلى بؤر الضوء والحياة، لتعمل بشكل متناغم مع ما يسود العالم من تقدم وابتكار.
إن الإعلام الذي يسوق بضاعة العولمة، هو إعلام مؤهل للغزو، أما الإعلام المحلي، فهو ليس غير مؤهل للمواجهة، فحسب، بل غير قادر على مواصلة اتكائه، على أعمدة تهدمت قواعدها، ووهن بنيانها إلى حدّ تميّع معه الخطاب، وغامت الرؤى، وتبدد الوعي أمام إعلام قادم بكل ما يمتلك من قدرات مادية ونفسية.
إنتاج الثقافة
بات الوسط الذي يتم به إنتاج الثقافة وإعادة إنتاجها في عصر العولمة، وسطاً دينيامياً متفاعلاً مع غيره من الأوساط عبر جملة من الوسائط والآليات التي جعلت العديد من الفئات ينضمون إلى جمهور المثقفين ويشاركونهم عملية دؤوبة لتصنيع الثقافة بدمج مكونات جديدة وعناصر متناغمة مع ما يتوفر من بناء قائم يمثله المركب الثقافي المتشكل خلال العصور المنصرمة.
ونظرا لامتياز الثقافة بهذا الحراك المترافق مع ما يحمله عصر المعلومات، فإن الخشية تكمن في عجز المثقفين عن اللحاق بموجات الثقافة الطاغية، المتدفقة عبر عشرات القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية والتي تواصل هجمتها المنظمة متسلحة بإمكانات مادية ونفسية وتعبوية هائلة، تمكنها من اختراق الجسد المجتمعي في مفاصله والمتمثلة في شباب الأمة ورصيدها من الأجيال القادمة مما يؤدي بهذه الأجيال التي هي في طور التشكل، ولا تمتلك احتياطياً ثقافياً كافياً يمكنها من تشكيل وعي راسخ إلى التخلي تدريجياً عن ثقافتها الخالدة، وقيمها المستندة إلى موروث أمتها الثقافي.
ذلك أن ثقافة العصر قد تورطتفي مختلف الأنشطة الإنسانية وعلومها، ولم يعد مطلوباً من الشاعر أن يكتب الشعر ويذكي جمرة القصيدة، ومن القاص أن يرسل مجساته إلى مواطن الذعر في مجتمعه، ومن التشكيلي والمسرحي أن يواصلا شكواهما من شفرة المقاصل المشدودة إلى الأعناق، بل أن ينخرط المثقفون والمبدعون في البنى النفسية والاقتصادية والبيئية والسياسية لمجتمعاتهم، ومثلما يجب على النحات أن يدقق في تفاصيل الأعضاء وأن يدرس وظائفها، لتأتي في العمل الفني على الشاكلة التي هي عليها في الواقع، يجب على صناع الثقافة أن يتعرفوا إلى إمكانيات المجتمع المتاحة وتوظيفها، وإلى قدراته الكامنة -لتحفيزها- استثماراً لكل أدوات الفعل، استثماراً رشيداً وهادفاً لتعظيم المكاسب والوصول إلى أقصى درجات المنفعة المتمثلة في تشكيل المفاهيم التي ترقى بمستوى الوعي وتقود إلى إعلاء البناء النفسي والذهني وتعزيز القدرة على دفع عربة التقدم في طريق موازٍ ومتقاطع مع الطرق التي يسلكها الآخرون في تعاملهم مع غيرهم من الأمم والشعوب. وهذا يتطلب التحول من عقلية ما قبل العلم إلى ذهنية العلم والثقافة.
باتت المجتمعات الإنسانية تتلقى ثقافة الاستهلاك والخراب المتدثرة بأثواب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتتعرف إلى ثقافة العنف والجنس والرعب والمخدرات وشتى صنوف الانحراف المودية بمنظومة قيم المجتمع وثوابته التاريخية التي يفترض أن تشكل مقفزاً له، لإحداث تغييرات تعزز عناصر الجمال والحق أمام القبح الزاحف، والباطل المتحكم بضمير العالم والمصادر لإنسانيته، كي تعمم ثقافة واحدة يسير العالم كله في سياقها وتدور الشعوب في أفلاك ثقافة الغرب التي تحاول اقتلاع كل ما يعترضها ولا ينسجم مع مفرداتها وعناوينها.
إن ثقافة الإنتاج الكمّي المبنية على ثقافة استهلاك كل شيء -وبشكل كمّي أيضاً- ستقود إلى ثقافة إنتاج (سلعي وفني وعلمي ومعرفي وإعلامي) ضحلة، وستساهم في تشكيل بنية ذهنية ونفسية مجتمعية عاجزة عن التمحيص فيما تقدّمه مراكز الإنتاج التي تُدار وفقاً لأهواء القوى الاقتصادية والسياسية الآخذة بناصية المجتمع للتحكم بمصائر الضعفاء وأقدارهم، وتبديد كل أمل في تصويب خطيئة إنتاج (كل ما يُطلب واستهلاك كل ما يُنتج)، حيث تسود ثقافة الومضة في الإعلام، وثقافة الضحالة في المعرفة، وثقافة الاستغلال في الإنتاج، وثقافة العبودية في الاستهلاك وثقافة القطيع في السياسة وغير ذلك من أنماط تقود إلى فقدان الذاكرة وتعويم الإحساس بالمحيط، وتجريد النفوس مما طبعت عليه من فطرة محبة للخير والعدل والحياة الحرة الكريمة.
* كاتب وباحث أردني