نساء يركضن مع الذئاب .. الاتصال بقوى المرأة الوحشية

نساء يركضن مع الذئاب .. الاتصال بقوى المرأة الوحشية

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 2-2-2007
No Image
نساء يركضن مع الذئاب .. الاتصال بقوى المرأة الوحشية

د.أماني سليمان* -  يحفر كتاب  نساء يركضن مع الذئاب  في أرضٍ موغلة في النفس الإنسانية البكر وفي الأسطورة والحكاية الجمعية التي تضيء مناطق قلّما عرفتها المرأة التي تعيش حاضرا حافلا بتفصيلات تضعها أحيانا في صلب الحياة وعِراكها، وتزيحها كثيرا إلى هامشها.
هذا الكتاب يتوجّه إلى المرأة في محاولة لإيصالها إلى قواها الوحشية، إلى أصولها الأسطورية التي تجعل منها ذئبة، بما تنطوي عليه هذه التسمية/هذا الحيوان، من قوى وشراسة وخطورة وتحدٍّ، وهي سمات تبدو في مجموعها ضرورية للمرأة لإثبات وجودها والبقاء على قيد الحياة في عالم الغاب.
رحلة أنثروبولوجية عميقة يجول فيها القارئ مع المؤلفة  كلاريسا بنكولا ، ليجابه عوالم غرائبية، تنزع في نتائجها إلى بثّ الشعلة في دواخل المرأة لتنهض باحثة عن أصولها الذئبية، وبالتالي وقوفها ندّة لكل منافس على الكرة الأرضية، على أساس أننا - نحن النساء -وحسب  كلاريسا بنكولا  (وهي أخصائية في التحليل النفسي وقصاصة من سلالة إسبانية مكسيكية، تبنتها عائلة مجرية):  نفيض شوقا وحنينا إلى الحياة الوحشية. بيد أن ترياق الحضارة لا يترك لهذا الحنين منفذا، إلا في القليل. تعلمنا أن نشعر بالخجل من مثل هذه الرغبة، تركنا شعرنا يسترسل ووارينا به مشاعرنا. غير أن ظلّ المرأة الوحشية ما يزال ينسل خلفنا ويكمن في أيامنا وليالينا. وبصرف النظر عمن نكون، فإن الظل الذي يهرول خلفنا، هو في النهاية يمشي على أربع  (ص 7).
وتنطلق  كلاريسا بنكولا  في مقاربتها هذه بين الغابة والمرأة من أن الحياة البرية والمرأة الوحشية نوعان من الأجناس المعرضة للخطر، فمع مرور الزمن تبيّن أن الطبيعة الأنثوية الغريزية قد نُهبت وقُهرت وسُحقت، ولفترات طويلة لم يتمّ التعامل معها بشكل إيجابي تماما مثلما كان التعامل سلبيا مع الحيوانات المتوحشة والأراضي البرية. وأُهملت لعدة آلاف من السنين، وأُلقي بها وراء الظهور، ومن ثم تضاءلت، فنُفِيَت إلى أقصى مكان في الأرض الجدباء من النفوس. لقد انتُهكت العوالم الروحية للمرأة الوحشية على مر التاريخ أو أُحرقت أراضيها وجُرِفت بقسوة وأُجْبِرت الدوائر الطبيعية فيها على التحول إلى منظومات غير مستوية من أجل إسعاد الآخرين. غير أنه من الممكن استرجاع الحيوية الواهنة في النساء بالدراسة والفحص الدقيق  لحفريات الأرواح  والنفاذ إلى الحطام المتخلف عن العالم السفلي للمرأة. وبهذا يمكن الاهتداء إلى الطرق المؤدية إلى الروح الغريزية الطبيعية، ومن خلال تجسيدها في نموذج  المرأة الوحشية  يمكن تمييز وتحديد هذه الطرق والوسائل المؤدية إلى أعمق أعماق طبيعة المرأة، فالمرأة الحديثة تقوم بنشاط غير واضح، مضطرة لأن تكون كل الأشياء لكل الناس. ولعلّ الوقت قد آن للالتقاء مع المعارف القديمة (ص9-10).
مشابهة
تذهب  كلاريسا بنكولا  في هذا الكتاب الضخم (حوالي 600 صفحة من القطع الكبير) في رحلة مع أساطير وقصص عن نموذج المرأة الوحشية، عبر الدراسة التي أقامتها لبيولوجيا الحيوانات المتوحشة والذئاب على وجه الخصوص من باب المشابهة التي تلمسها بين دراسة بعض أنواع الذئاب وبين دراسة تاريخ المرأة من ناحيتين: تميُّزها بالقوة الروحية، ومعاناتها لآلام الولادة.
فالذئبة القوية والمرأة القوية تشتركان معا في خصائص نفسية واحدة، حيث تتسمان - حسب المؤلفة - بصدق المشاعر والروح المرحة والقدرة العالية على العطاء، فالمرأة والذئبة بطبيعتيهما ترتبطان بعلاقة قرابة، كلتاهما فضولية تتمتع بقدر عظيم من الإخلاص والتفاني والإدراك الداخلي والمشاعر العميقة تجاه صغارها وأليفيها. وكذلك تتوافر لهما خبرة التكيف مع الظروف المتغيرة والشجاعة الفائقة والثبات بقوة على المواقف.
ولقد ظلتا مطاردتين ومعرضتين للإيذاء المستمر ومتهمتين ظلما بالنهم والميل للمخادعة وأنهما أشد عدوانية وأقل شأنا من هؤلاء الذين يحطّون من قدرهما. وهما مستهدفتان دوما من هؤلاء الذين يبيدون التوحش ويزيلون بالمثل المناطق البرية في أعماق الروح ويستأصلون منها كل ما هو فطري ويجتثونه اجتثاثا. ومن المذهل أن الذين يسيئون فهم الذئاب والنساء هم أشد منهما ضراوة.
استعادة
تحاول  كلاريسا  استعادة المكانة للمرأة، واسترجاع الحظوة التي ملكتها في أصل نشوئها وتكوينها ووجودها، وتمّ سلبها منها عبر التاريخ الإنساني الأوسع. إنها تمهّد الطريق للمرأة للعثور على  المرأة الوحشية  فيها، عبر العودة إلى الحيوات الغريزية، وإلى المعارف الأولية، ونزع الأردية الزائفة، والتدثّر بالرداء الحقيقي للحدس الغريزي والمعرفة.
إنها تقدم الوجه الحقيقي الذي يفترض بكل امرأة أن تخلع قناعها ليتبدّى مجلّيا عن المرأة التي تثابر وتفوز، تستمر ولا تتوقف، تصمد وتواصل باتجاه الفاعلية والإبداع:  استمرّي؛ لأنّ هذا هو وعد الطبيعة الوحشية، بعد الشتاء، دائما يأتي الربيع  (ص 234).
فعلى المرأة الوحشية أن تحزم أمتعتها، وتأخذ زادها لطريق الشفاء، وتحمل معها كل شيء تحتاجه المرأة لكي تكون وتعرف، لديها الدواء لكل الأشياء، القصص والأحلام والكلمات والأغاني، والعلاقات والرموز؛ فهي الرفيق والطريق.
بدايات
ولقد تبلور المفهوم الخاص بالنموذج الأولي للمرأة الوحشية في ذهن المؤلفة أول الأمر عند دراستها الذئاب، وكائنات أخرى مثل الدببة والفيلة والطيور والفراشات، حيث تفصح خصائص كل نوع منها عن تلميحات عديدة لما يعرف بالفطرة الأنثوية الداخلية. وكانت المؤلفة قد شهدت الزمن الذي يتعسف فيه الآباء ضد الطفولة ويشوهونها باسم الصرامة. حيث كان يُنظر إلى التمزق في روح المرأة المقهورة والمُستغلّة على أنه  انهيار عصبي ، وكان يقال عن البنت المقيدة بإحكام والمكبوحة الجماح والمكممة الأفواة  لطيفة المعشر ، وما عدا ذلك فقد كانت تنعت بأبشع النعوت.
وترى المؤلفة أنه من غير الممكن معالجة قضايا الروح عند المرأة بأن يُنحت لها هيئة تتلاءم مع الشكل الذي تحدده بعض الثقافات غير الواعية، كما إنه ليس بالمقدور قولبتها في شكل أكثر عقلانية يرضى عنه هؤلاء الذين يزعمون أنهم وحدهم حملة لواء الوعي، لأن ذلك هو بالفعل ما حدا بالملايين من النساء اللواتي بدأن كقوى طبيعية مؤثرة أن يصبحن كالغرباء في ركب الحضارة، بل ينبغي أن يكون الهدف هو استعادة وإنقاذ الشكل الطبيعي الجميل لروح المرأة.
كلمةُ وحشية
وتذهب المؤلفة إلى حكايات الجان والأساطير والقصص لأنها تزودنا بالفهم والبصيرة النافذة لكي نميز ونلتقط الخيط الموصل إلى الممر الذي خلفته الطبيعة الوحشية. وكلمة  وحشية  هنا لا تستعمل بمعناها الحديث القاصر الدال على فقدان السيطرة، بل بمعناها الأصيل، وهو أن نعيش الحياة الطبيعية التي يكون فيها للكائن توحده الداخلي وحدوده القوية. وهاتان الكلمتان: (امرأة - وحشية) تجعلان المرأة تتذكر مَنْ تكون وما هي مُقْدِمة عليه. إنها تبدع الاستعارة التي تصف بها القوة المحركة لكل النساء وتجسد لها هذه القوة التي لا تستطيع المرأة العيش بدونها.
المرأة الوحشية هي القوة لكل النساء، وبدونها لا يكون لسيكولوجية المرأة أي معنى، فهي النموذج الأصلي لها بصرف النظر عن ثقافتها، عصرها، سياستها، فهي لا تتغير. قد تتغير أطوارها، قد تتبدل الرموز المعبرة عنها. بيد أنها في جوهرها لا تتغير، تظل كما هي لا يمسّها شيء.
إن المرأة القوية تشبه إلى حدّ كبير الذئبة، فهي نشيطة مفعمة بالحياة والقوة، تهب الحياة واعية بحقوقها، مبدعة.. إلا أن الانفصال عن الطبيعة الوحشية يضعف من شخصية المرأة ويجعلها باهتة كالشبح لا ملامح لها، فهي لم تخلق ضعيفة يسهل اقتيادها. إنها غير عاجزة عن أن تقفز، تقتنص، تلد، تهب الحياة. وعندما ينتاب حياة المرأة الركود ويغلفها الملل والرتابة، فقد آن الأوان لكي تخرج المرأة الوحشية لتفيض بعملها الخلاق.
تقسيم الكتاب
يتألف هذا الكتاب من خمسة عشر فصلا تعجّ بالحكايا والقصص والأساطير التي تذهب كلاريسا في جمعها وإعادة صوغها وبنائها وتحليلها ومحاورتها إلى استنهاض الهمم الواهية في النساء، ونزع المكبوت، وبث دفقات من الحياة في وعيهن ولا وعيهن، مكرّسة دورا مهما للقصة بوصفها دواء ناجعا لابدّ من مداومة تناوله كلما لزم الأمر سعيا إلى نفس وعقل سليمين، إنها تشجع الناس على ممارسة تنقيبهم عن القصة؛ لكشط النوم وإزالته عن الأرض الباردة، التماس الطريق في الظلام والمغامرات على الطريق تستحق كل شيء. لا بد أن يراق القليل من الدماء على كل قصة إذا شئنا أن نطبق العلاج  (ص 564).

معجم سيكولوجي للأنوثة
كتاب  النساء يركضن مع الذئاب  يبين كيف أن الوحشية الأنثوية هي خاصية إيجابية وضرورية لكل النساء من أجل أن يبذلن جهدهنّ ويجربن، وتقف مؤلفته على أن طبيعة المرأة الأصيلة قد قمعها على مر القرون نظامٌ يعادي صدق المشاعر والحكمة الحدسية والثقة الغريزية بالنفس. ويعد هذا الكتاب الذي ترجمه مصطفى محمود محمد وراجعه أحمد مرسي، وصدر عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر العام 2002، المعجم السيكولوجي للأنوثة الغزيرة والمبتهجة والمتفردة، تستدعي فيه المؤلفةُ الطبيعةَ الوحشية للحياة، وتسترجع المناطق المنسية والمهملة في النفس الأنثوية من خلال الأساطير والقصص لتعلمنا كيف يمكن للمرأة أن تستصلح قوتها الأنثوية الحقيقية، وتبتهج بها ابتهاجا أصيلا وعارفا، وعن طريق توصيل الرسائل التي تحملها القصص الخالدة: مثل:  بلوبيرد ، و الحذاء الأحمر ، و العذراء بلا يدين ، إلى حياة المرأة المعاصرة، تتنبه إلى المرأة الوحشية القابعة في أعماق نفسها، فالمرأة الوحشية حسب منطق هذه الدراسة هي السحر والدواء.
* كاتبة وأكاديمية أردنية

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }