عرض الفنان الكندي جيف وول في متحف أورسي بباريس آخر اعماله مع الرسام بول سيزان, إذ عُرضت للأول صور وثائقية تذكارية, وللثاني لوحة لعمود جسر ماينسي, وفي معرض Mrin Gdmn عرض جيف وول أعماله السينمائية الأخيرة في صناديق مضاءة.
بالنسبة لمتحف أورسي كان الوضع مدهشا, اذ كانت لوحة الفنان سيزان المرسومة العام 1879 والتي تصور لنا جسراً صغيراً قائماً على نهر ألمونت الموجود دائما حاملاً الإشارة إلى جسر بيسارو, تربض بالقرب من صورة التقطها الفنان جيف وول في صيف العام 2005, وتُظهر لنا الصورة في اتساق وانسجام متكاملين مسرح فانكوفر المستدير الذي يعود بناؤه إلى بداية القرن الخامس عشر, والغريب أن الصورة موجهة بشكل مباشر أمام الزائر، لكنها تبدو غير جديرة بالمشاهدة، فهي لا تحتوي على شخصيات ولا على حدث معين, إذ يبدو أنها صورة كانت قد أُخذت في وقت مظلم الى حد ما, وبعد أن كانت الغيوم الصيفية قد أمطرت قليلا على ذلك المكان, والغريب أن جيف وول لم يتردد على المكان الذي التقط فيه الصورة سوى مرتين.أما الأكثر غرابة، فهو أن التقارب بين لوحة سيزان وصورة جيف لا يبدو جليا، بل على العكس.. إنه يبدو معدوما! وعلى أية حال، فإن التقارب بين العملين كان سيكون اكثر وضوحا مما كان عليه فيما لو اختار جيف صورة المجرى التي كان قد التقطها العام 1989 وتُظهر لنا مراهقين اثنين يقفزان على حجارة ذلك المجرى. وقد التُقطت هذه الصورة بوضعية غامضة مقابل مدخل لقناة صغيرة في مجرى ماء بالقرب من جسر ماينسي الذي هو محور لوحة سيزان. كما إن صورة أخرى التُقطت في صيف العام 2003 بعنوان الشتاء كانت ستغذي الترابط والتقارب مع لوحة سيزان، وستكون ذات أثر وأقرب إلى فهم الزائر وقدرته على خلق الترابط، خصوصاً إذا كان الزائر عابرا وليس لديه الوقت لخلق الترابط بين العملين.
يقول ثيري دو دوف عن العملين: إن ناقد العمل الفني يجب أن يعرف كيف ينظر للوحة كما يقرأ فرويد الحلم، مع فتح المجال أمام العمل لكي تتحدد أجزاؤه كاتحاد جزيئات كيميائية، ونسمح لها أيضا بأن تتشرد وتتناثر مبتعدةً بعضها عن بعض.
نلاحظ أن التلاقي غير الواعي الذي يثري الذوق والتفكير بين اعمال جيف وغيرها من اللوحات لا يتحقق مع سيزان فحسب, لكن التفكير عند النظر لهذين العملين يبدو اكثر مرونة, بالاضافة الى أنه لا شك في أن التضادّ في اعمال سيزان والتقليل من حدة الموضوع لديه يجعل من اعماله الأكثر نيلاً للإعجاب, بالرغم من ان موضوع عمله محصور في الغالب داخل اللوحة. وقد حازت اعمال سيزان في مؤتمر جان فرانسوا شوفرييه الذي نظمه متحف أورسي في تشرين الأول الماضي، الاعترافَ بأنها تجعلنا نعيش الجمال الحقيقي والسعادة والفن حتى لو لم نتوصل للمعنى الحقيقي لها! إذ إن سيزان مثل حفيده بيكاسو لا تنضب أصالته، وقد سُمّي أبو الفن الحديث، وكان فعلاً سابقاً لعصره. وربما تفسر محاولاته الاولى التي لا تخلو من التخبط والعناية الكبيرة بالشكل وصلابته، سوءَ فهم معاصريه لأعماله ليس فقط من عامة الناس، بل وحتى النخبة من الفنانين بمن فيهم زميله الروائي اميل زولا, فقد كان همّ الآخرين اللون والنور، وكان همه الشكل, لذا عانى سيزان الإهمالَ بسبب هامشية الموضوع وبعده عن الإثارة الرومانسية ومات في العام 1906 مكفناً باليأس، ولم يكن يعرف أن ميراثه سيُغْني التيارات الغربية في القرن الحادي والعشرين.
أما أعمال جيف وول، فإن قوة التعبير فيها تبدو ملهمةً لمخرجي السينما إلى حد كبير, إذ انها صور ملونة بأبعاد كبيرة، وقد عُرضت كما أشرنا في صناديق مضاءة تصور لنا مشاهد من الحياة العامة، ومنها ما يصور مشهداً للشارع ليلا...
مجموعة شباب ملصَقون على ابواب مفتوحة، وآخرون غائبون، ومنهم سائرون, وبائع زهور، وأناس على عجلة من أمرهم, وكأن تلك الصور عبارة عن مجموعة صور مجتزأة من مشهد سينمائي متواصل.
نجد أن هذه الأعمال للوهلة الأولى لا تجذب الأنظار إليها، لكنها في الوقت نفسه مثيرة، فقد أُلتُقطت في لحظات حيوية، ويبدو جيف وول وكأنه يبني علاقة وثيقة بين الصورة الوثائقية والصورة المهنية. إنه فنان لا حدود لديه بين الواقع والخيال، أو الحقيقي والزائف.
عن موقع: www.humanite.fr الالكتروني
* مترجمة أردنية