يعدّ معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي يفتتح في 23 كانون الثاني الحالي، نموذجا للتفاعل الإيجابى مع كل الاتجاهات الفكرية الجادة على نحوٍ مكّن له أن يظل رافعاً لواء الريادة، آخذاً بالتجديد حتى أصبح احد أهم المعارض الدولية للكتاب من حيث عدد الكتب المعروضة ودور النشر والدول المشاركة والزوار.
وبموازاة اتساع دائرة المشاركة الدولية في المعرض عاما بعد عام، والإقبال الكبير للناشرين والمفكرين العرب والأجانب، وتكثيف المحاضرات والندوات التي تقام خلال المعرض، من المتوقع أن يتم تناول أنواع شتى من القضايا المهمة والملحّة في عالم اليوم، الذي يرى بعضهم أنه يشهد صدام حضارات، فيما يميل بعضهم الآخر الأكثر عقلانية إلى أنه يشهد حوار الحضارات والثقافات بين الأمم والشعوب. فعملية تقارب الثقافات واندماجها وتفهم القضايا الرئيسة في العالم التي تهم البشرية جمعاء من خلال طرح أفكار التنمية للجميع والمساواة والحرية والعدالة واحترام الآخر..كل ذلك سيكون مدار الحديث في محاور المعرض هذا العام.ويقام المعرض على أرض المعارض بمدينة نصر، ويستمر حتى الرابع من شباط المقبل، وسط غياب شبه تام للسياسة عن المحاور التي أعلن عن تفاصيلها رئيسُ الهيئة المصرية العامة للكتاب د.ناصر الأنصاري في مؤتمر صحفي مشترك مع السفير الإيطالي بالقاهرة أنطونيو باديني الذي تحل بلاده ضيف شرف على دورة المعرض لهذا العام.
وقال الأنصاري إن المعرض سيخصص اليوم الثاني من افتتاحه للناشرين والمتخصصين في صناعة الكتاب وأساتذة الجامعات، على أن يفتح أبوابه للجمهور يوم الخميس الخامس والعشرين من كانون الثاني، وستصاحبه إقامة معرض القاهرة الدولي لكتاب الأطفال الذي تأجل عن موعده الذي كان مقرراً في كانون الأول الماضي، مشيراً إلى أن زهاء 670 ناشراً من 26 دولة سيشاركون في المعرض من بينهم 10 دول أجنبية و16 عربية، منهم 35 ناشراً أجنبياً و118 ناشرا عربياً و514 ناشرا مصرياً. كما يشهد المعرض إقامة 400 نشاط ما بين موائد مستديرة ومحاضرات ومناظرات وأنشطة فنية، إضافة لبرنامج ضيف الشرف. كما يشارك في المعرض نحو ألف ضيف، وتم اختيار الأديب الراحل نجيب محفوظ شخصية العام، حيث يقام معرض خاص عن أعمال محفوظ وندوات عن محفوظ السياسي والأديب والمفكر.
وتدور مناقشات المعرض في عدة محاور، منها الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بمشاركة مجموعة من علماء مصر والعالم منهم الألماني فارنر مارتنسن والعالم المصري المقيم بلندن د.محمد النشائي. ومنها محور الإسلام والغرب الذي يناقش كيف نفهم الآخر وكيف يفهمنا الآخر، ويشارك فيه الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي د.أكمل الدين إحسان أوغلو، ويتولى إدارة هذا المحور د.علي السمان. وهناك محور أيضاً عن دور المجتمع المدني.
ويشهد المعرض عقد موائد مستديرة عن قضايا النشر والنشر الإلكتروني والترجمات بالعربية وغيرها.. إلى جانب المقهى الثقافي، وندوة يومياً عن ضيف الشرف، ومخيم القصة والرواية، ومخيم خاص للشعراء يستضيف عدداً كبيراً من الشعراء، وأمسيات خاصة لعدد من الشعراء منهم الفلسطيني محمود درويش.
وكانت الهيئة العامة للكتاب قد حصلت مؤخرا على حقوق النشر الكاملة للكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو والكاتب والأديب التركي أورهان باموق الحاصلين على جائزة نوبل للآداب.
سلبيات وإيجابيات
يثير معرض القاهرة الدولي للكتاب في كل عام الكثير من الأسئلة، ويجدد فتح الجروح القديمة/الجديدة لدى المهتمين بالثقافة، الذين يأملون حسب قولهم بمعرض سحقيقي للكتاب تتغير فيه صورة المعرض الشائعة والمعارض المشابهة له في المنطقة العربية، التي لا تزيد على كونها مجرد صورة كربونية في الشكل والمضمون، ولعل ذلك يرجع إلى معوقات ومشاكل كثيرة، من أبرزها:
1 - الممنوعات الرقابية المتعددة وكثيرة الأشكال والتوجهات التي تضعها كل دولة، إما بحجة الخروج على الآداب العامة، أو بحجة الإضرار بالصالح العام.
2 - الرسوم والضرائب الباهظة المبالَغ فيها، والتي تُفرض على الكتاب عند محاولة عبور حدود بلده الضيقة (تكاد تصل إلى 33% من الثمن المطبوع عليه).
3 - عمليات السطو والانتحال، التي تقوم بها بعض دور النشر، بهدف الإثراء السريع، دون احترام حقوق المؤلف الأصلي، وظهور طبعات مصورة من الأصل، أو بحذف اسم محقق الكتاب إذا كان من التراث أو كان تأليفاً!!
4 - المغالاة في أسعار الكتاب وعدم الاهتمام بإصدار طبعات شعبية رخيصة الثمن، بحيث تصل إلى أكبر عدد من القراء ذوي الدخول المحدودة. وفي هذا المجال يمكن الإشادة بمشروع مكتبة الأسرة في مصر، وجريدة في كتاب الذي تصدره اليونسكو، ولكنهما غير كافيَين، ويحتاجان إلى دعم وتواصل مستمر، وأن تتأسس مشاريع مشابهة في المنطقة عربية عموماً.
5 - اهتمام الناشرين بإصدار نوعيات من الكتب الرخيصة التي تجد رواجاً، بقصد الربح، دون أن تقدم ثقافة حقيقية تشارك في تنمية الوعي التفكيري أو التنوير الثقافي. فقد ملأت المعرض وردهاته في الدورات السابقة مطبوعات تفسير الأحلام، والكتب الجنسية الرخيصة، وكتب التراث الديني التي لا علاقة لها بالدين الحقيقي، فضلاً عن كتب الألغاز والتسلية وإضاعة وقت الفراغ فيما لا يفيد!
6 - وجود قصور فادح في المطبوعات التي تهتم بالعلم والنواحي العلمية الحديثة وكذلك في مجالات وسائط الاتصالات الحديثة.
7 - عدم الاهتمام بنشر الموسوعات التي تخدم التخصصات المختلفة أو العامة وتقدم المعلومة الموثقة والصادقة.
8 - عدم الاهتمام بكتب الأطفال، وتكاد هذه الكتب تتوقف على الحكايات البدائية والخرافية والألغاز البوليسية، دون أن تتطرق مثلاً إلى عالم الفضاء والاكتشافات العلمية الحديثة، بحيث تنمّي خاليه وفكره، مع أن الكتب الصادرة باللغات الأجنبية أغلبها يتناول عالم الفضاء.
9 - التشابُه بين هذا المعرض والمعارض العربية الأخرى، إذ تُعرض العناوين نفسها إلى حد كبير، دون أن يتجه التفكير إلى إقامة معارض متخصصة، تهتم بموضوع واحد أو أكثر.
10 - عدم وجود مجلات متخصصة تهتم بشؤون الكتاب، كيفًا وطباعة ونشراً وتعريفاً به.
هذه بعض هموم الكتاب العربي ومشاكله وعجزه عن التواصل مع قارئه الحقيقي داخل حدود بلاده وخارجها، مما أدى إلى وجود شبه انغلاق بين الكتّاب والقراء.
من هنا يصبح مطلباً ملحّا أن تتغير صورة معارض الكتاب، وأن يصبح معرضاً حقيقياً له دور تنويري في الثقافة وحرية الكاتب حتى يصل إلى قرائه، وبذلك يتحول المعرض إلى مهرجان احتفالي بالكاتب والكتاب والقارئ، لا إلى سوق هزيلة يروَّج فيها للفاسد من الثقافة!!
مشاركة عربية وأجنبية واسعة
يضم المعرض هذا العام أعمالاً لعدد من المؤسسات الفرنسية العاملة بمصر، منها المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، ومركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (سيداج)، ومعهد بحوث التنمية الفرنسي، إلى جانب الأعمال التي قام بترجمتها قسم الترجمة بالمركز الفرنسي للثقافة والتعاون.
أما عن الفعاليات، فسيعقد عدد من اللقاءات على هامش المعرض بين الناشرين المصريين والفرنسيين لمناقشة سبل تبادل الكتب والأعمال الأدبية بين الجانبين، بالإضافة إلى عدد من الندوات التي تقام بصالتَي العرض والاجتماعات بالمركز الفرنسي للثقافة والتعاون.
ويؤكد يوهانس إيبرت، مدير معهد غوته بالقاهرة والمسؤول الإقليمي عن معاهد غوته في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن التواجد الألماني في هذه الدورة سيكون أكبر مما كان عليه في الأعوام السابقة. كما سيرافق ذلك برنامج ثقافي مكثف يشمل ندوات وحلقات نقاش وعروضاً فنية وموسيقية ومسرحية.
ولكن، ماذا يتوقع الضيف الألماني من مضيفه المصري؟ عن هذا السؤال يجيب يوهانس إيبرت بالقول: نرجو جميعاً أن تنجح هذه التجربة الفريدة من نوعها. ولا بد هنا من التنويه الى أن التعاون مع الجانب المصري بصدد تجهيز الجناح الألماني والدعاية له يتم على أفضل وجه. ونرجو أن تقوم الهيئات المصرية المشاركة في المعرض بإعداد عروض ثقافية عن البلد المستضاف كما جرت العادة في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، وأن يزور أكبر عدد ممكن من العرب جناحنا بالمعرض، وأن يحظى برنامجنا الثقافي بإعجابهم.
وقال د.ناصر الأنصاري، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، إن هذه الدورة ستشهد صدور مجموعة من الكتب عن الهيئة تواكب المعرض وتخدم أغراضه، وفي مقدمها خمسة كتب مترجمة من الإيطالية إلى العربية والعكس هي: تراتيل متوسطية تأليف بريدراج ماتفيغيفتش، الفسكونت المشطور تأليف ايتالو كاليفينو، أوروبا والإسلام-تاريخ من سوء التفاهم تأليف فرانكو كارديني، فساد الأمكنة تأليف صبري موسى، بيت الياسمين تأليف ابراهيم عبد المجيد، وكتاب مهن النشر من تأليف مجموعة من المتخصصين.
وستطل الثقافة الإيطالية على جمهور لمعرض من خلال سلسلة ندوات مخصصة للقاء بين الكتاب الإيطاليين والكتاب المصريين تحت عنوان مؤلف إيطالي ومؤلف مصري: وجهاً لوجه، ويتشكل وفد المؤلفين الإيطاليين من: نيكولا امانيتي، سيلفيا بالاسترا، اسكانيو تشيليستيني، دانيالي ديل غوديتشي، سيرجو جيفوني، انطونيو تابوكي، ومن الكتاب المصريين: جمال الغيطاني، علاء الأسواني وأحمد العايدي.
جائزة البحر المتوسط للترجمة
انبثقت جائزة البحر المتوسط للترجمة من جائزة المتوسط التي أنشأتها عام 1997 مؤسسة المتوسط وتتعلق بمجالات مختلفة (السلام، الثقافة، الدبلوماسية، المؤسسات، العمارة، الفن والإبداع... إلخ).
وتسعى هذه الجائزة إلى جعل الحوار بين اللغات والثقافات والفكر في ضفتي المتوسط، حواراً بين القيم الإنسانية، فالمبدأ الأساسي لهذه الجائزة يقوم على التبادل بين الثقافات في ضفتَي المتوسط. وتسمح هذه الجائزة للقارئ العربي بأن يطلع بلغته على أعمال ذات مرجعية مهمة تعبر عن فكر الضفة الشمالية، وتتيح للقارئ الأوروبي الاطلاع على جانب غير معروف غالباً من الأدب والفكر المعاصرين في الضفة الجنوبية.
* صحفي أردني