يشكل تاريخ منطقتنا القديم_المنطقة الآرامية، مجموعة من الالغاز الحكايات والأساطير، التي يعمها الغموض ويلفها عدم الترابط، وكلما ولجنا باباً ازداد الابهام، ودرنا في حلقة مفرغة يتعسر معها الفهم الدقيق لهذه المنطقة التي نعيش فوقها، والتي تمتد من النوبة الى الزاب الكبير في الشمال العراقي، ومن الشاطئ الفلسطيني حتى مدينة انطاكيا على الحدود مع تركيا.
ورغم توفر المصادر والقراءات المختلفة، وما كتبه علماء الآثار والمؤرخون القدماء سواء العرب أو الرومان أو اليونان، ظلت معضلة الأقوام الذين عاشوا في هذه المنطقة وحراكهم الاقتصادي والسياسي وتنقلهم وهجراتهم الاجتماعية على امتدادها، إذ قامت فوقها ممالك وعاشت شعوب وحضارات سادت ثم بادت.
ولكننا مع ذلك لم نلتقط الحلقات المفقودة للربط بين اجزاء التاريخ، والتي توصلنا بالمحصلة الى فهم طبيعة الحياة، وربط المعلومات بين بعضها بعضاً، وصولاً الى الحقيقة الناصعة والقراءة الصحيحة لمعرفة علاقة الشعوب التي ارتبطت فيما بينها بالمصالح الاجتماعية والاقتصادية والحروب التي نشبت، والاحلاف التي تشكلت من اجل الحفاظ على المكتسبات والقيم والوجود الانساني.
وقد قرأنا كثيراً مما كُتب عن الحضارات التي سادت قبل الاسلام، بدءاً من الجزء الجنوبي للجزيرة العربية في اليمن كحضارة سبأ ومعين ودولة حمير، وحتى الممالك الشمالية التي من اهمها الانباط والكنعانين والفنيقيين وثمود والعمالقة وجرهم القبيلة العربية التي تزوج منها سيدنا اسماعيل عليه السلام، ومن ذريته جاء العرب المستعربة الذين انحدرت منهم قريش من بطونها المجتمعة ومنهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء في هذا السياق مشروع حضاري ضخم، تجسد في الموسوعة الكبيرة المكونة من أربعة أجزاء للباحث الأركيولوجي والإبستمولوجي واستاذ الحضارات القديمة د.سيد القمني، والتي أسماها النبي موسى، وآخر ايام تل العمارنة.
ومنذ كتابيه المهمين الأسطورة والتراث والنبي ابراهيم والتاريخ المجهول ظلت قراءات القمني وربطه للاجزاء تشكل تجربة جديدة في قراءة الابعاد الحضارية والتاريخية للمنطقة ومن ضمنها مكتبة الفرعون الموحد اخناتون في تل العمارنة، وهو الاسم الحديث للعاصمة التوحيدية القديمة أخيتاتون التي كانت مهداً للديانة الجديدة إله قرص الشمس. هذه المكتبة المهمة التي دُونت فيها كل المراسلات في تلك الفترة على قطع الآجر المشوي، وفوق البرديات التي كانت محفوظة جيداً في المكتبة، واكتشفها الآثاريون في اوائل القرن العشرين، وكان اكتشافها حدثاً مهماً، وبعثاً لخبايا ذلك الزمن البعيد وحركته الاجتماعية والدينية والتاريخية، في زمن ذلك الفرعون الموحد أخناتون، الذي شكّل مع زوجته الجميلة نفرتيتي وابنه وريث العرش توت عنخ آمون أهم الاسماء في المصادر القديمة للأسر الفرعونية التي حكمت مصر.
وهذا ما اغضب عليه كهنة معبد الكرنك المرجعية الدينية للآلهة القديمة المتعددة في مصر، فثاروا عليه وقتله قائده العسكري المقرب حور محب وملّكوا ابنه مكانه، وأعادوا عبادة الإله آمون ومسحوا كل صورة ولوحة جدارية ومعلومة تذكّر بالملك الموحد القديم. حتى انهم سمّوا ابنه باسم الإله القديم توت عنخ آمون وليس آتون، وكان الأمر الذي هالهم وأرعبهم انشغال الفرعوني اخناتون او إمنحوتب الرابع بديانته الجديدة التي رمز لها بقرص الشمس، وأهمل الجانب العسكري، الامر الذي دفع بالحثيين الذين جاءوا من جنوب تركيا الى احتلال سوريا التي كانت تابعة وخاضعة لدائرة نفوذ العرش الفرعوني المصري.
وتنبع اهمية هذه الموسوعة التاريخية الحضارية في انها في الجزء الثاني اماطت اللثام عن اصل الهكسوس العرب الأدوميين الآراميين الذين احتلوا مصر وعاصروا سيدنا يوسف عليه السلام، واسرة سيدنا ابراهيم عليه السلام حين جاءوا الى مصر بدعوة من النبي الكريم يوسف بن يعقوب عليهما السلام خلال زمن المجاعة والقحط الذي أصاب الارض وامتد لسبعة اعوام عجاف، وكان يوسف عليه السلام خلالها على خزائن الارض، او وزيراً للمالية والاقتصاد كما ذكر القرآن الكريم وبيّن ذلك في سورة يوسف.
ويكشف الباحث في جهده الضخم من البحث والتنقيب والقراءة والمقارنة والمطابقة، والذي امتد لعشرة اعوام، عن ان الهكسوس لا يمكن ان يأتوا من الفراغ، ولا يمكن أن يكونوا شراذم قليلة العدد جاءت من سيناء واحتلت مصر وانتهى الامر!
وإنما يرى انهم من الادوميين الآراميين العرب الذين كانت لغتهم الآرامية، ومنطقتهم هي التي وصلها سيدنا موسى عليه السلام هارباً من فرعون بعد ان قتل الرجل المصري حين استغاث به احد الاسرائيليين. وهناك سقى من البئر لابنتي النبي شعيب (عليه السلام) نبي مدين والأيكة.
وعندما رجعت البنتان الى أبيهما حدثتاه عن الرجل القوي الذي سقى لهما، فجاءته احداهما تمشي على استحياء وبلغته دعوة والدها لضيافته، ثم بعد ذلك زوّجه شعيب من إحدى ابنتيه، وعرض عليه ان يأجره عشر حجج، فعمل مع صهره شعيب في رعاية وتربية الاغنام.
ويقول سيد القمني: إن الهكسوس هم اهل بلاد الصخر الشعب الحوري المديني النبطي الآدومي العماليقي، وانهم كانوا من القوة بمكان عظيم، بحيث استطاعوا احتلال دولة كبيرة وعظيمة مثل مصر، حتى قيام الفرعون (مرنبتاح) فرعون الخروج الاسرائيلي بطرد الهكسوس من مصر.
ويتطرق القمني الى نشوء اللغة الآرامية كلغة حضارية وثقافية ولغة مراسلات استعملها الكنعانيون والانباط والفينيقيون في رحلاتهم البحرية وتجارتهم من خلال سفنهم التي وصلت الى المحيط الاطلسي وبلاد الغال (فرنسا) وبلاد الشمال الاوروبي، ولا ننسى اكتشاف النقود النبطية وتماثيل ذو الشرى الاله النبطي بالقرب من روما، كما يقول عالم الآثار الاردني د.فوزي زيادين: كانت هنالك جالية نبطية تقيم في ميناء (ميتزولي) بالقرب من روما، كما اقام الفينيقون مدنهم على الساحل اللبناني، وكانت عاصمتهم الحضارية الجميلة (جبيل)، ومن اهم مدنهم (صور ) و (صيدون) صيدا، وفي فرنسا تحديداً انشأوا مدينة (مرسيليا) التي كان اسمها في الاصل (مرسى إيل) نسبة الى الإله الكنعاني الفينيقي الآرامي (إيل).
هذه الموسوعة مهمة لذاكرتنا التاريخية، ولا بد من الاطلاع عليها كأحد أهم المصادر لتاريخ منطقتنا القديم، لنفهم العلاقة بين وادي عربة وبين مدن الجزيرة العربية، وتحالف القبائل والممالك السبع ضد دولتَي يهودا والسامرة في فلسطين، لأن التاريخ يعيد نفسه، ولا بد ان تكون ذاكرتنا التاريخية منتبهة الى خلط الحقائق والتشويه المتعمَّد لتاريخ المنطقة القديم الذي يريد الأعداء أن يستأثروا به، ويفسروا وقائعه على ضوء مصالحهم واثبات حق وجودهم في منطقة كانت تتبع لدائرة الثقافة الآرامية، التي وُلد منها الحرف العبري المربع، ومنها ايضاً جاء حرف الكتابة النبطي الذي اشتُق منه الحرف الكوفي الذي دُوّن به القرآن الكريم.
وإلى جانب مكتبة تل العمارنة بمعلوماتها الهائلة، اعتمد القمني على لوحة دير الوجه البحري التي نُقشت بالكلمات والرسوم، والتي تؤرخ لرحلة الفرعونة المصرية حتشبسوت الى بلاد بونت، وما حملته معها بعد عودتها من البخور وجلود النمور والقطران والنباتات والاشجار ومن اهمها شجرة التين.
هذه الرحلة المصورة على جدران دير الوجه البحري قرأها الباحث رغم ما أشيع عند باحثين آخرين انها بلاد الصومال وساحل افريقيا، لوجود رجال زنوج في اللوحة، إلا أن القمني درسها دراسة عميقة وشرحها شرحاً وافياً وعميقاً في موسوعته هذه، وبين ان الرحلة كانت الى بلاد البونتيين، أي الى بلاد الصخرة الحورية آدوم أو سلع أو بلاد الجبال والبتراء.
وهذا فتحٌ جديد في الدراسات التاريخية، وحلٌّ للغز الرجال الزنوج وأنهم من الكاشيين او الحاسيين كما اطلقت عليهم لوحة الوجه البحري، وانهم كانوا يعيشون في بلاد الآدوميين كمواطنين جاءوا واختلطوا مع الآراميين في حدود مملكة الآدوميين العظيمة التي كانت عاصمتها المهمة بصيرا في الطفيلة، وفي العيص بالقرب منها من بلاد آدوم وُلد وعاش ومات سيدنا أيوب عليه السلام.
لقد استطاع القمني في ذروة من ذرى التحليل العميق والفهم الصحيح ان يضع يده على الحلقات المفقودة المبهمة في تاريخ حضارتنا القديمة، التي نحن جزء منها ولا ندري شيئاً. واستطاع ان يرتب الاحداث ترتيباً منطقياً في اذهاننا كمحاولة عظيمة لخدمة الامة التي تكالب عليها الاعداء، وفسروا نصوص التاريخ وفق رؤيتهم الاستعمارية، مستبعدين الآخر من حقه بالمنطقة التي ولدت فوقها الحضارات والانبياء وتشكلت بدايات التاريخ القديم والمعاصر. وإن الموسوعة المكونة من اربعة اجزاء لا غنى عنها لمن اراد الاقتراب من فهم التاريخ بشكل صحيح، وكانت قراءته للتوراة قراءة جديدة مختلفة، اضاء فيها المعتم وكشف المغلق امام الفهم الحقيقي لماهية ما دار من أحداث، وتشكَّلَ من ممالك، وما هي الشعوب التي عاشت في المنطقة الآرامية التي ما نزال نعيش احداثها في صراعنا الازلي مع اعدائنا الذين يدّعون انهم ابناء ابراهيم عليه السلام، مع العلم ان التوراة تقول: كان أبي آرامياً تائهاً.
وذكر القمني المنطقة التي رست فوقها سفينة نوح عليه السلام وهي جبال أرارات التي تقع في منطقة ارمينيا المدينةِ باسمها للآراميين، الذين كان نفوذهم الثقافي كبيراً وعظيماً، بحيث ان اللغة الآرامية كانت لغة المعابد والتجارة والإبداع الثقافي رغم أنّ اللغة اليومية المحكية كانت مختلفة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ما كان للآراميين من قوة وحضارة وذكاء كبير استطاعوا من خلاله ان يفرضوا لغتهم على العالم القديم.
* كاتب وإعلامي أردني