لقد مثلت المشاريع التنويرية مفصلاً مهماً من مفاصل عصر التنوير، وإن كانت فقيرة ومترددة في كثير من اطروحاتها، ويبدو ان السؤال الذي يظل حاضراً في ذهن الثقافة العربية: ما الذي جعل مشاريع التنوير العربية فقيرة إلى هذا الحد؟ ليس تجنياً، حين نقول ان خطاب التنوير مثّل وجوداً فقيراً في الثقافة العربية، فالمحاولات التنويرية الخجولة والمترددة كانت فردية قليلة، ولم تستطع ان تشكل ظاهرة ثقافية، ولم تطرح مشروعاً تنويرياً واضحاً له سماته وابعاده الخاصة به. فإذا كانت حركة التنوير الأوروبية قد انطلقت من مبدأ فصل الدين عن السياسة والحكم، فإنّ حركة التنوير العربية اعتمدت في البداية من قبل رجال الدين، ثم جرت المطالبة بفصل الدين عن السياسة، وانتصر هذا الاتجاه بانتصار الفكر العَلماني ووصول الأحزاب العلمانية عن طريق الانقلابات إلى سدة الحكم، ففصلت الدين عن السياسة وأقامت حكم الأحزاب العلمانية التي تحول فكرها شيئاً فشيئاً إلى دين جديد.
فأسوة بالمحرمات الدينية أوجدت الأحزاب التنويرية الجديدة محرمات ومقدسات لا يسمح المساس بها، وأقرت نظريات عُدَّت مسلمات لا تحمل أدنى ريبة أو شك، وما دام الشك ممنوعاً فالإبداع مستحيل. هكذا تحول الفكر التنويري إلى أداة تجهيل. بل ابتعدت التيارات والحركات العلمانية في الوطن العربي عن بعض سمات التنوير الرئيسية، لا بل خانت بعض بنود برامجها الخاصة بها. فالتيار القومي، مارس قطرية فعلية لا تقل ضيقاً عما مارسه الذين اعتنقوا علناً مبدأ وطني (قطري) أولاً. لا بل سريعاً ما تحول التيار القومي في السلطة إلى الحكم بطرق لا تقل اعتماداً على الطائفية والقبلية والعشائرية عن طريق الانظمة التقليدية التي نعتها التيار ذاته بالرجعية. وهكذا تحول التنوير إلى فكر الانظمة التي اعتمدت اسلوب الحكم الدكتاتوري، وأصبح من المحرمات انتقاد هذه الأحزاب والانظمة أو قادتها، وبالتالي فالتنوير الذي بدأ بشعار فصل الدين عن الدولة وصل إلى الأزمة التي بدأ منها، وهي تحوله إلى دين جديد متخلف عن الأديان السماوية، يحظر ويمنع أية معارضة أو نقد.
ولذلك نجد ان الفكر العربي اكتفى بالتبشير بمبادئ النهضة دون تقديم منظومة فكرية حقيقية حولها وحول سبل تحقيقها. كما ان الفكر العربي تحول من مشاريع فكرية إلى احزاب سياسية، كتحول الخطاب السلفي (محمد عبده ورشيد رضا) إلى حركة الاخوان المسلمين.
ان من اهم اسباب انتصار المشروع التنويري الاوروبي، وفشل المشروع التنويري العربي ووصوله إلى مأزقه الحالي، هو أنّ مشروع التنوير في العالم العربي لم يترافق بوجود فلسفات تنويرية متكاملة وواضحة لها فلاسفتها ومذاهبها المحددة التي دخلت كجزء من التراث الفكري الإنساني، كما هو الشأن بالنسبة للتنوير في أوروبا. فتردد الخطاب التنويري العربي بين التراث والمعاصرة، وانحساره في كثير من الاحيان لصالح التراث، بالإضافة إلى عدم وجود وعي حقيقي ذاتي للمفكرين العرب بالمشروع الثقافي التنويري وقدرة ذلك المشروع على تفكيك الواقع الثقافي الساكن وتغييره، هو المسؤول عن عثرات التنوير في الوطن العربي. ولذلك نجد ان سياسة التحديث التي اتبعت منذ أيام محمد علي قبل مائتي عام تقريباً، ركزت على نقل التكنولوجيا لا الفلسفة العميقة التي تقف خلف هذه التكنولوجيا بالذات. لقد اعتقدت انه في الإمكان نقل واستيراد التكنولوجيا والمحافظة على عقائدنا الخاصة كما هي، من دون أية مراجعة نقدية او استيعاب. فكما ان سياسة التحديث العربية لم تدرك ان استيراد التنوير وزراعته في مجتمع لم يستفد من المكاسب المادية والازدهار الاقتصادي الناتج من التكنولوجيا أمر يصعب تصوره، كذلك، فإن استيراد مجتمع ما للتكنولوجيا وحدها، لا يعني في الضرورة انتصار التنوير فيه. انه شرط ضروري لكنه ليس كافياً.
ويعلل محمد اركون اسباب فشل خطاب التنوير العربي، في ان مهمة المفكرين العرب كانت صعبة ان لم تكن مستحيلة، لأنهم ارادوا النضال ضد قرون من الجمود والانحطاط والتكلس ولم يكن من السهل القضاء على فكر تلك القرون من اول ضربة أو الخروج عليها من اول محاولة. من هنا يأتي ظهور التيارات السلفية التي تحارب دوماً الافكار التنويرية وتكفر اصحابها.
إنّ الخلافات السياسية والتاريخية بين الدول الأوروبية لم تمنع التفاعل بين المفكرين الأوروبيين من مختلف الدول، فالفلاسفة الألمان دافعوا عن الثورة الفرنسية، والفكر الإنجليزي أسس لتطور الفكر الفرنسي، بل إن الماركسية التي تعد قمة التنوير الأوروبي اعتمدت في مصادرها الأساسية على ما أنتجه العلماء والمفكرون والفلاسفة الأوروبيون جميعاً : من الاقتصاد السياسي الإنجليزي إلى الفلسفة الألمانية فالفكر الاشتراكي الفرنسي.. أما في العالم العربي، فمع انه يتصف بثقافته العربية التي تستمد مقوماتها من وحدة اللغة والتاريخ في الدرجة الأولى. فقد حصل انْ ظهرت ثقافات فرعية داخل إطار الثقافة الوطنية أو القومية، وحصل تنوع واختلاف وتباين في التعامل مع الفكر التنويري القادم من الغرب.. ولمعالجة هذا التباين والاختلاف لم تستخدم وسائل الحوار المتحضرة والاعتراف بالآخر، مما أدى إلى زيادة الفرقة والخلافات والعداوات بين الأنظمة العربية، في مختلف المجالات بما فيها الفكرية. وأصبح الفكر سلاح يهاجم به كل نظام النظام الآخر.. وهكذا أخذ الفكر التنويري يفقد مشروعيته وتأثيره..
لقد قاد الاختلاف في الرؤى والمواقف رواد التنوير العرب إلى التباعد فيما بينهم. فبالرغم من الاتفاق الأساسي في الهدف بين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده؛ ألا وهو الإصلاح والتقدم والارتقاء بالعالم العربي، مثلاً، فقد كان هناك تباين في الرأي بينهما حول الأسلوب كما سبق وذكرنا، فقد اختلف الاثنان حول الوسيلة والأداة، بل وحول المدخل الذي يساعد على تحقيق النهضة العربية والإسلامية، فالوسيلة هي الثورة الشاملة التي تبدأ من القمة، إلى دعاوى الدين والسياسة (الأفغاني) اما عند محمد عبده فهي الإصلاح التدريجي الذي يبدأ من الشعب باتجاه القمة، وأدى هذا الاختلاف إلى التباعد بين الاثنين، وكذلك بينهما وبين الشميل وفرح انطون.
من هنا يمكن القول ان فشل التنوير في العالم العربي، يعود في مجمله إلى الخوف من الفكر الراديكالي، أي الجذري العميق. فالفكر الذي يدعو إلى القطيعة مع الماضي والانفصال عن التراث المقدس، ادى بالمفكرين العرب إلى رفضه والانخراط في مغامرة غير مضمونة العواقب. وهكذا وقفوا في منتصف الطريق، بعكس الاوروبيين الذين تجرأوا على احداث القطيعة مع التراث المسيحي. الشيء الذي لم يحسم لغاية الآن في عالمنا العربي.
لذلك استطاعت الحركات الاسلامية، ايقاف مشروع التنوير العربي وتعطيله، فمنذ أواخر العشرينات من القرن الماضي، شكلت جبهة سلفية متزمته قوية ضد الانفتاح الفكري للشيخ محمد عبده، والشيخ علي عبد الرازق، وطه حسين. وكل مثقفي النهضة العربية، ثم جاء المال النفطي بعد سبعينيات القرن الماضي لكي يعطي دفعة هائلة للحركات الاصولية والشعبوية الاكثر تخلفاً لكي تغلق الباب على عصر تنوير عربي جديد.
كانت الطروحات الفكرية التي يقدمها خطاب التنوير للتراث بمثابة تغييرات سطحية لا تمس جوهر البنية التراثية ولم تستطع تفكيكها او تقويضها، ولذلك ظلت محاولات فكرية تطفو على السطح ولم تتجذر في معالجتها للاطر والمفاهيم المعرفية التراثية، ما انتج وعياً مرتبكاً مشوشاً غير قادر علي التعامل مه الواقع بصيغ واضحة. ولذلك اصبح الفكر العربي يعيش غربة زمانية _ مكانية، أو يعيش تاريخاً لا ينتمي إليه، سواء أكان في خطابه التراثي التنويري الذي صاغه الفكر العربي في الماضي، ام في خطابه التنويري الليبرالي المنتمي إلى مكان آخر، وهذه الغربة الثنائية (الزمانية _ المكانية) انتجت خطابات مشوشة لم تستطع ان تقدم مشروعاً تنويرياً يتعامل مع الواقع الثقافي برؤى مغايرة، او يحاول تحديث ذلك الواقع من جذوره التاريخية الممتدة عبر الزمن التاريخي.
هناك سبب آخر ساهم في إفشال التنوير العربي، وهو التناقض الفاضح بين المبادئ المثالية المعلنة والسياسة الاوروبية الغربية على أرض الواقع من عصر الاستعمار في القرن التاسع عشر مروراً بمأساة فلسطين وانتهاء باحتلال العراق. فقد تم استغلال الانوار من طرف البرجوازية الصاعدة من اجل بناء مشروعها الاستعماري، فهذا المشروع إنحراف عن الهدف الاساسي للانوار التي هي رسالة قدمتها البشرية إلى نفسها.
في ضوء ما تقدم، فإنه يمكننا ان نستخلص ان الواقع العربي يشهد ظلامية دامسة، وان الخروج من هذه الظلامية ليس بالامر السهل، لكن إعادة بناء حركة شعبية تحررية تقدمية متنورة في الارض العربية، يمكن ان يكون المخرج المستقبلي، وذلك لانسداد الافق امام التيارات السائدة اليوم ووصولها حالة الافلاس، وتستطيع حركة اليسار العالمي الجديدة، ان تلعب دوراً بما يسمح بتجديد مصداقية الفكر اليساري في الوطن العربي، وهذا يتطلب، من الحركة التحررية التقدمية الشعبية العربية، الالتزام بالقيم التقدمية من أنسية عصر التنوير، والتأسيس لثقافة وحركة واقعية تطمحان إلى تحقيق سيادة الوطن العربي، وتوحيد اقطاره، على غرار الاتحاد الاوروبي، على اقل تقدير، بما يسمح به موضوعياً وحدة اللغة ويسمح به ذاتياً استنهاض الوعي القومي الشامل بأفق انساني يحترم حقوق جميع القوميات والاقليات. واذا كان لليسار العربي ان ينهض في هذا السياق، فلن يكون ذلك الا بسعيه لتحقيق مستلزمات التنوير، أي بدفاعه عن الحريات وفصل الدين عن الدولة، جنباً إلى جنب في وقوفه ضد الهيمنة الصهيونية والامريكية بليبراليتها الجديدة المتصهينة ومع دفاعه عن مصالح الكادحين، وشروط معيشتهم، كما فعل اليسار الاوروبي في القرن التاسع عشر، وكما يفعل اليسار في اميركا اللاتينية اليوم.
* باحث وأكاديمي أردني