ماجد الأمير - ما بين رجل السياسة ورجل الدين خيط رفيع حاول الأب نبيل حداد أن يبقي عليه ، ممسكا بطرفيه فهو ليس سياسيا بالمعنى الحرفي للكلمة ، لكنه من موقعه كرجل دين تحتم عليه الظروف ومسؤوليته أن يعبر عن موقف وطني عام يعبر عن دعم السياسيين وكل مبادراتهم التي تكرس القيم الدينية والإنسانية والوطنية كالعدل والخير والأمن والمودة والتعايش بين الناس واحترام الحرية والكرامة الإنسانية والولاء للوطن وتكريسها في المجتمعات.
الحوار معه يجعلك تغوص فيما هو وطني وسياسي في آن. فالأب نبيل حداد يبدو أحيانا كأنه سياسي لأنه يتخذ مواقف وطنية . فالوطنية عنده لا تعني السياسة إطلاقا، لذلك عمل على تأسيس مركز لبحوث التعايش الديني المشترك من اجل حمل رسالة العيش المشترك والتآخي الإسلامي المسيحي في الأردن إلى العالم.
ويقول الأب حداد: ''رسالتي أن أكون شاهدا للسيد المسيح في المجتمع العربي الإسلامي ورسالة رجل الدين واحدة ، لكن خصوصيتها تكمن من خلال المجتمع الذي نعيش فيه '' ويضيف: ''حب الأردن عبادة فالمطلوب أن أحبب قريبك كنفسك ، وهذا القريب هو هذا الأردني الذي أحب الذي معه اسكن ومعه أعيش ومعه أتقاسم الخبز والملح ، إنه الإنسان على ارض وطني فهو القريب و هو الأقرب والأولى ، إنه كل هذا الأردن . فنشر التسامح وروح المودة والتآخي بين الجميع واجب وفريضة ووصية من السماء''.
وطن للجميع
الأب حداد يقول إن الأردن مجتمع إسلامي ولكنه لم يكتب على بواباته '' للمسلمين فقط'' فالمجتمع الأردني يحتضنني وأنا جزء منه ، والمسلم والمسيحي معا في كثير من الأمور'' ويضيف '' إننا نشترك بلسان عربي واحد ونحن أصحاب إرث الحضارة العربية الإسلامية التي كان للمسيحيين مساهمة كبيرة فيها ''.
الأب حداد حدثنا عن البدايات فقال: ''ولدت في قرية صمد في جلعاد الشمالي والتي لا تبعد أكثر من 15 دقيقة عن مكان ميلاد الياس النبي الأردني الأول ابن قرية ''لستب'' قرب مثلث اشفينا في عجلون . ويسترسل قائلا :'' هناك درجت مع أترابي المسلمين والمسيحيين في ألفة طبيعية ودية التوجه .
ما زلت اذكر حاراتها وسقوفها الهابطة التي أعطت لسكانها كرامة تصل السماء ، وسجلت طيبة مجتمعها القروي تعايشا أخويا فريدا''
ويستذكر سنوات الدراسة الأولى في عمان فيقول: ''كوني ابن احد الذين تشرفوا بالانتساب إلى الجيش العربي ، التحقت بإحدى مدارس القوات المسلحة، فتعلمت طاعة الله وحب الوطن والأمة . ولا زلت اذكر إنشادنا لثورة الجزائر ''وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر'' بعد النشيد ''لشبل الحسين'' . فتتردد أصداء أناشيدنا الصادقة لتصل إلى الجبال التي تعانق معسكر المحطة فأرى على واحد من سفوحها جرسية الكنيسة تعانق المسجد'' .
ويقول: '' إن كونه مسيحيا كان كافيا لاحترام عقيدته في المدرسة وفي الحي فكان الجميع يحرص على إظهار هذا الاحترام'' ويتذكر أيضا لحظة الاستقبال الشعبي الحافل الذي حظي به آنذاك قداسة البابا بولس السادس أثناء زيارته التاريخية إلى الأردن عام 1964 فكان '' شهادة على إحترام الوطن للذين قالوا إنا نصارى..''
ويقول: ''لم تكن مسيحيتي يوما تشكل حاجزا بيني وبين من هم حولي. فانا مؤمن بان مسيحيي العروبة هم أبناء ''كنيسة مجتمع الإسلام يشهدون فيه لعيسى ابن مريم الذي جاء رحمة للعالمين '' ويؤكد أن وجوده في أي مكان أو مؤسسة كانت إسلامية أو شرعية لا يشعره بالحرج قط ، لأنه لا يرى انه مستثنى، ولا يشعر أن المسلمين ينظرون إلى المسيحيين كغرباء. مشيرا إلى أن مسيحيي العروبة هم مدللو الأمة، على عكس ما نجده في العديد من المجتمعات حيث تكون الأقليات فيه مضطهدة . أما هنا في الأردن فالمشهد مختلف تماما بفضل الإرث العظيم الذي نعتز به ونفخر والذي رسخته حكمة الهاشميين ونقاء سريرة إخوتي الأردنيين فتزينت تسعة عقود من تاريخ الأردن الحديث بهذا الأخوة الصادقة''
البدايات عن مرحلة الكهنوت والدراسة اللاهوتية يقول الأب حداد : ''قررت منذ صباي أن أسير في درب الكهنوت فتوجهت إلى بيت ساحور لكي أتابع دراستي في الاكليريكية الصغرى هناك. بعد أن أكملت الثانوية في كلية تراسنطا في بيت لحم، توجهت إلى لبنان لأنهي دراسة الفلسفة واللاهوت ثم منها إلى ألمانيا فالولايات المتحدة ، لأرتسم من بعد كاهنا على مذابح الأبرشية الأردنية، أبرشية بترا وفيلادلفيا وسائر الأردن من قبل المثلث الرحمات رئيس الأساقفة المطران سابا يواكيم .
الأب حداد لا يمل من ترديد أنه ابن الكنيسة الكاثوليكية.. شرقي الانتماء والهوى.. عربي القلب واللسان .. يفتخر بأردنيته التي أعطته إرث القداسة في التاريخ والجغرافيا والانحياز للحق والعدل والخيروللوطن دوما. وبعد أن يسهب في الحديث عن قداسة الأردن وفلسطين يجزم أن للمسيحيين الشرقيين دورا كبيرا في الدفاع عن رسالة الأمة وإرثها التاريخي. فالمسيحية انطلقت من هذه الأرض كما أن مسيحيي الشرق حريصون على عروبتهم، وعلى أن يبقى الإيمان بالله الواحد الأحد والعروبة هي الأساس الذي يبني عليه المسيحيون العرب علاقاتهم مع إخوانهم المسلمين.
ضحايا الحروب الصليبية
ويستعرض التاريخ الوسيط خصوصا أيام الحروب الصليبية فيقول إن الشرق عرف الكثير من المآسي. فقد تعرضت الكنيسة في الشرق والمسيحية العربية للآلام '' وسفكت الكثير من دماء أبنائها بسبب تلك الحروب. ولا يغيب عن البال تلك الحقبة التي كان فيها الصليب شعارا لمن أرادوا أن يجعلوا من الدين ستارا لأطماعهم ''. ويضيف: إن الحروب الصليبية لم تكن دينية ولا كنيسة بل إنها حرب دفع ثمنها أبناء الأرض المقدسة من مسلمين ومسيحيين فكان أبناء هذه الأرض موحدين في مواجهة خطرها.
تداعيات الإساءة
وعن تصريحات البابا بنديكتس السادس عشر والتي اعتبرت مسيئة للإسلام يتحدث الأب حداد فيقول إن العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والإسلام مبنية على الاحترام المتبادل وشهدت خلال العقود الأربعة الأخيرة تطورا كبيرا ووصلت إلى أوجها في عهد البابا الراحل يوحنا بولس الثاني مؤسس الحوار النموذجي بين الأديان' فقد جاء إلى بلادنا حاجا ودخل المسجد الأموي، وجاءت محاضرة البابا بند يكتس السادس عشر التي - كما يقول الأب حداد - اقتبس فيها البابا كلاما منقولا عن الإمبراطور البيزنطي بولولوغس، وهذا الاقتباس الذي نقله ، عقب عليه البابا نفسه في المحاضرة ذاتها بقوله انه كلام يتميز بالفظاظة.
يقول الأب حداد: لقد أحسسنا بالألم لتداعيات هذا الاقتباس وما لحق بالمسلمين من الأذى ، ونحن نعتبر أن أي أذى يلحق بهم إنما يلحق بنا كمسيحيين عرب لأنهم إخوتنا. كما أن علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالمسلمين لحقها الأذى من تداعيات هذا الاقتباس لان الرصيد الرائع من التآخي الإسلامي المسيحي اهتز . وحرص الكنيسة على أن تبقى هذه العلاقة طيبة هو الذي دفع قداسة البابا إلى الاعتذار في ثلاث مناسبات. وأشار حداد إلى إن الكنسية الكاثوليكية تسعى جاهدة إلى المصالحة مع العالم الإسلامي وذلك ما نراه جليا كواحد من أهداف زيارة البابا الأخيرة إلى تركيا . ويضيف الأب حداد أن البابا اختار تركيا كشرفة يطل من خلالها على العالم الإسلامي ليقول للمسلمين انه يحمل رسالة محبة لهم واحترام.
المسيحيون العرب
شهود لإي مانهم وسفراء لأمتهم
يرى الأب حداد انه يقع على عاتق المسيحيين العرب دور هام في الدفاع عن صورة الكنيسة وبنفس القدر أن يدافعوا عن صورة إخوانهم المسلمين فيكونون حقا جسرا للتفاهم والإحترام بين الطرفين ،يضيف : إنهم بما عرف عنهم عبر التاريخ من انحياز لأيمانهم وامتهم هم الأكفأ لقيام بهذا الدور.
ويعبر حداد عن رأيه في تصريحات بوش التي تصف حربه على العراق بأنها حرب صليبية قائلا: ''تؤذينا كل العبارات التي يطلقها أولئك الساسة أينما كانوا ، مدعين فيها أن لديهم وكالة من السماء لفرض إرادتهم على إخوانهم البشر'' مستشهدا بما يقوله الكتاب المقدس: '' من أنت أيها الإنسان حتى تدين عبد غيرك '' . ويضيف: ''إن ما وصف بالحملة الصليبية من قبل الرئيس بوش والعديد من السياسيين الأمريكان والتأثير المتطرف لمن يدعون بالمسيحيين الجدد يؤكد ما ذهبنا إليه دوما في فهمنا للمسيحية ، وهو أن صليب السيد المسيح ما كان معدنا بل كان خشبا ، ولم يكن من طراز ''ستيلث أو قنبلة ذكية '' . ويسترسل ... على جانبي هذا العالم من يدعون التحدث باسم السماء. ولا يدرون أن السماء لا يمكن لها أن تكون بيد كارهي الحياة وأعداء الإنسانية الذين اختزلوا الإيمان وفسروه بالقتل والعنف واختاروا الكراهية والتعصب والإرهاب والتسلط . ويشير إلى أن هناك تطرفا أيضا على الساحة الغربية وأن علينا أن نعي تماما ما يجري على الساحة الأميركية، فهناك ''المسيحية الجديدة'' وهي تؤثر في القرار.
وينبغي علينا أن نحدد ما الذي نريد فعله وان نعرض قضايانا بطريقة سليمة وان نتعامل مع الآخرين بطريقة صحيحة أيضا، مذكرا بوجود الكثير الكثير من المسيحيين في أميركا الذين يحترمون صداقتنا ويدعمون قضايانا.
هجرة المسيحيين العرب نزيف مميت
الأب حداد تحدث أيضا عن هجرة المسيحيين العرب إلى العالم الغربي ويرى أن هذه الهجرة تشكل نزيفا يهدد الوجود المسيحي العربي. كما أنها تعتبر تحديا للمجتمع - بحسبه - فيقول : لا استطيع أن أتخيل مجتمعا متسامحا إذا كانت كل فئاته من لون واحد . ويشير إلى ضرورة الحفاظ على الوجود المسيحي في المدينة المقدسة ''القدس''، لأنه لا يمكن أن يتخيل المرء مدينة مقدسة عند المسيحيين كالقدس دون أصحابها، محذرا من خطورة تحول الكنائس والمعابد والمقدسات المسيحية إلى متاحف بفعل هذه الهجرة. ويعزو هجرة المسيحيين لأسباب سياسية واقتصادية وهي الأسباب ذاتها التي تدفع الكثير من المسلمين للهجرة إلى الغرب. ومن هنا طالب الأب حداد المسلمين بالعمل مع الكنائس المسيحية للحفاظ على الوجود المسيحي في الأرض العربية ، ليبقى هذا الوجود شاهدا على تسامح المجتمع العربي وتأكيدا على قدرة المجتمعات وحضارتنا العربية على استيعاب الآخر وقبولها بالتعددية والتنوع في هذا الزمن الذي تنسب فيه إلى المسلمين تهم التطرف والإرهاب.
التطرف لا دين له
ويرى أن التطرف الديني ليس محصورا في جماعة أو دين معين موضحا أن التطرف الديني يهدد الجميع بل انه يهدد كل المعتدلين والمؤمنين بالتسامح والتعايش الديني بين أتباع الديانات. مشددا على أن التطرف والعنف أيا كان القناع الديني الذي يختبئ خلفه إنما هو خطر يهدد كل الناس ويبدأ بأصحاب الدين ذاته قبل غيرهم .
وفي رده على مقولة هل مجتمعنا بحاجة إلى حوار بين الأديان يقول حداد أن هناك حقيقة ينبغي أن نؤكد عليها دوما وهي أن الأردن وطن القداسة وهو نموذج في التآخي والتعايش الديني بين أبنائه المسلمين والمسيحيين .
وإيمانا منا بهذا بادرنا مجموعة من العلماء ورجال الدين والفكر، مسلمين ومسيحيين إلى إنشاء هيئة باسم ''المركز الأردني لبحوث التعايش الديني'' تهدف إلى التأكيد على أن هذا الوطن مثال يحتذى به في العلاقة بين أبنائه ، وهي العلاقة القائمة منذ أربعة عشر قرنا ، وعرض هذا النموذج الأردني في التعايش والتآخي الديني وتقديمه وصفة للآخرين.
نحمل رسالة عمان
ويؤكد أن من أهداف المركز عرض النموذج الأردني للغرب وخاصة في أميركا وأوروبا. وقد نجح المركز من خلال برامجه المتعددة في إقامة علاقات عمل مثمرة ومفيدة مع شبكة واسعة من المؤسسات والمنظمات والهيئات الدينية والأكاديمية والاجتماعية والعلمية الفاعلة والمؤثرة في العديد من عواصم ومدن الدول الغربية والأمريكية. ويشير إلى أن المركز كان أول من حمل رسالة عمان فور صدورها إلى الغرب حيث قدمت على أنها مبادرة ودعوة للحوار والاحترام المتبادل ، مضيفا أن الأردن هو الوطن الذي يحق له أن يصدر مثل هذه الرسالة لأنه وطن القداسة والرسالات ويحمل في تاريخه ارث اتعايش والتسامح، كما أنه وطن الانجاز الذي لم يسجل عليه قط حادثة فتنة بين أبنائه.
وختم حداد بالقول :'' فلسفة الحكم الهاشمي تؤكد على أن أبناء الوطن هم أبناء عائلة واحدة عبر تكريس مقولة ''الأسرة الأردنية الكبيرة '' التي تتردد دائما على لسان جلالة الملك.