الكنز العثماني .. بقلم : أحمد مزيد أبو ردن

الكنز العثماني .. بقلم : أحمد مزيد أبو ردن

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 22-12-2006

كانت الحركة الدؤوبة لا تنقطع للقطعات العسكرية، في الطريق البعيدة عن الأنظار، التي اكتشفها الأتراك لنقل المؤن والذخائر والسلاح. ينزل الجنود الجندرمة مع البغال المحملة بالصناديق من وادي «أبو سليط» باتجاه وادي الكفرين «السيسبان»، ثم يمرون على نقطة التموين الرئيسية في المستودع التركي الكبير، الذي يقع فوق نقطة سطح البحر الميت، وينعطفون صعودا إلى رأس «تل الهلالي» باتجاه الشرق، وينزلون إلى «وادي جريعة» باتجاه الغرب.
الضابط الشركسي «سليمان حكيم» كان «باش شاويش» وآمرا لعشرين نفرا من العسكر، رأيته في أواخر أيامه يجلس أمام بيته يتدفأ في الشمس، قرب السوق الكبير في قريتنا. كان يبيع العسل ويرد السلام على من يسلم عليه، ويحمل في ذاكرته تاريخا طويلا وتفاصيل دقيقة عن تاريخ الدولة العثمانية.
كان دائم الصمت سمح الوجه، وقد ذهب الشباب والعز مع هزيمة دول المحور ومنها تركيا في الحرب العالمية الثانية، والشيء المؤسف أنني كنت صغيرا ولم ألتقط تفاصيل ما حدث وسيرة الجنود والضباط من هذا الشيخ الكبير، الذي كان يصول ويجول وعلى ساعديه ثلاث شرائط كانت رتبة عسكرية لها قيمة كبيرة في ذلك الزمان.
كان يأمر وينهى وتحت سيطرته الأنفار الكثيرة من العسكر، ولكن الأيام خذلته وانتهى الحلم إلى غير رجعة. هذا الرجل الذي كنت أراه في كل غدوة أو روحة إلى السوق، كان يحمل أسرار «تل الهلالي»، ويحفظ كل التفاصيل البعيدة عن ظهر قلب، ولم أكن معنيا أو كنت ولدا جاهلا، فلم أحفل بتاريخ الجندرمة الأتراك، الذين استعمروا بلادنا وأخذا شبابنا إلى جبهات القتال في المجر وبلغاريا وفي حدود سيبيريا وبلاد الروس، ونهبوا حبوب بيادرنا، وتركوا أهلنا الذين غلبوا على أمرهم يبحثون عن حبات القمح والشعير في روث البغال والخيول بعد أن يجف، فيغسلونه ثم يطحنونه ويصنعون منه الخبز الذي يأكلون.
ذهبوا إلى غير رجعة، وظل «الهلالي» التل العالي الشاهق الممتد من اول الطريق إلى «وادي شعيب» إلى القمة العالية التي تطل على قرى وادي الغور وأريحا، كانوا من خلال معسكرهم وخيمهم ومدافعهم وخنادق اتصالهم فوق القمة المنبسطة للتل يراقبون في الليل والنهار كل حركة غير طبيعية فهذه المفرزة كانت نقطة مراقبة متقدمة، لملاحظة جبهة فلسطين، لأنهم كانوا يخشون من القوات الإنجليزية أن تباغتهم من الجبهة الغربية على حين غرة، خصوصا أن الدولة التركية كانت تقف إلى جانب ألمانيا في جبهة واحدة، ضد الحلفاء وضد دولة بريطانيا العظمى آنذاك.
قال صاحبي الشغوف بالمكان والمهتم بذهب الأتراك والنيرات العصملية» التي تركوها وراءهم، ودفنوها على عجل لأنهم كانوا يتوقعون أن يعودوا بسرعة، بعد أن جاءهم الأمر للتجمع في منطقة «أزمير»، ولكنهم راحوا إلى غير رجعة، وصارت الخرائط المترجمة إلى العربي الأصلية والمصورة، الحقيقية والمزورة، تأتي من «إسطنبول» من الأرشيف الخاص للجيش العثماني، وبعض الناس عثر على الذهب العثماني، وبعضهم ظل يحلم ويمني النفس أن يعثر على بعض المواقع المشار إليها بعلامة «إكس» وبأسهم كثيرة، دون ان يلقى ولو لمرة واحدة فطيرة من الذهب العصملي!.. وبعد أن فرد خريطة كبيرة مصورة عن مكان الذهب المدفون في منطقة «وادي جريعة» القريبة من الغور ووادي شعيب:
- هذه الخريطة رغم أنها صورة وليست أصلية، إلا أنها منقولة عن خريطة تركية حقيقية، وقد ترجمت عن اللغة العثمانية المكتوبة بالحرف العربي. ووصلت عن طريق ابن أحد الجنود الذين خدموا في شرق الأردن، وتحديدا: في المنطقة الواقعة إلى الغرب من «ناعور» وإلى الشرق من «وادي جريعة» وإلى الشمال من «تل الهلالي»، فقد حصل عليها أحد الشركس الذين يسكنون في «وادي السير.
وتقول حكاية الخريطة التركية المثيرة: إن مجموعة من الجندرمة الأتراك جاءوا بحمولة صندوقين ودفنوهما في إحدى المغر التي تقع فوق الوادي قرب عين الماء الموجودة هناك، والتي يشير السهم بوضوح إليها، ثم قاموا بنسف الطور، وحتى الآن لم يتم العثور على هذين الصندوقين!
- إنه حلم بعيد المنال يسيل له اللعاب، فهذا الكنز الثمين يوفر لنا إذا وجدناه الحياة الكريمة وبحبوحة العيش، فكل صندوق يشتمل على أربعين ألف قطعة من الذهب العصملي.
سرحت بعيدا وأنا أحلم بهذه الثروة المهمة، وتخيلت ماذا سأفعل بها أنا وصاحبي لو عثرنا عليها؟ وماذا ستفعل بنا؟ ستقلب حياتنا رأسا على عقب! أو ربما نودع فقرنا المر إلى الأبد، وربما نصبح من وجهاء البلد ونفتح الأعمال التجارية المدرة للربح، ونتزوج النساء الجميلات! حقيقة سوف نصبح نحن غير نحن!!
قال لي صاحبي بفرح وحبور وهو يمسك بمقود سيارته ويسير بتركيز وانتباه:
- إلى أين رحت يا صاحبي؟
- قلت له: حقا إنها فكرة تطير العقل، وتحقق كل الأحلام التي لن نحققها، ولكن لا بد من مغامرة كبيرة محفوفة بالمخاطر، لأن المكان يمكن أن يكون ملغوما، فالأتراك ليسوا بذلك الغباء بحيث يتركوا كنزهم في مثل تلك السهولة، والمكان بعيد وليس لدينا سيارة عالية توصلنا الى منطقة الكنز العثماني، فلندع الأحلام ولنخطط لهذه المغامره الشيقة الكبيرة إلى حين أن تتهيأ الظروف المناسبة.
قال لي صاحبي بعد أن أحس بنبرة اليأس في صوتي:
- ولكن يا صديقي تخيل أننا حصلنا على الصندوقين، ماذا سنفعل وقتذاك؟
قلت له بثقة الذي عثر على الكنز:
- بالنسبة لي سأشتري أجمل سيارة وأفخمها، وسوف أطبع كل مخطوطات كتبي الكثيرة، وحقيقة الأمر ستتغير حياتي إلى الأفضل، ثم أننا سنسافر أنا وأنت ونجوب العالم، وسأرتوي من مشاهدة الأرض ورؤية المدن والحضارات القديمة التي سأكتب عنها، وأبدع في ذكر تفاصيلها، لأن المال سيكون وفيرا، وأهم أمر سأقوم به هو أنني سأترك عبودية الوظيفة اليومية، وأتفرغ للحياة وللسفر والكتابة، والقراءة، أعتقد يا صاحبي كما أذكر أن هذه الأشياء هي التي سأقوم بها فورا من دون تردد أو تأخير!
* كاتب وإعلامي أردني

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }