ما هو المعيار الذي تقاس به أهمية مبدع ما؟ أليس هو اتساع وعمق تأثيره في مجال تخصصه على عصره أو على عصور لاحقة؟ أليس هو ذلك النفوذ الفكري والعلمي والفني والاجتماعي الذي يخاطب في الناس ولعها بالحق والخير والجمال، ويفتح أمامها -بسلطة الذكاء لا بذكاء السلطة رؤى جديدة لا تنكشف إلا لمن كانت بصيرته وبصره في مجال الفن التشكيلي يطيران على يمامة زرقاء؟
إذا كان ذلك كذلك، فإنه ينطبق تمام الانطباق- على الناقد الفني الإنجليزي التشكيلي روجر فراي، الذي وصفه مؤرخ الفن كينيث كلارك، بأنه صاحب أكبر تأثير في الذائقة التشكيلية بعد جون راسكين، وأنه إذا كان يمكن لهذه الذائقة أن يغيرها فرد واحد، فإن فراي فعل هذا.لم يكن هذا رأي كلارك وحده، فقد كان فراي أكثر نقاد عصره نفوذا على الوسط الفكري والفني، وعلى أشخاص من وزن فرجينيا وولف التي نشرت كتابا عن سيرته، والتي كانت تهوى زيارة المعارض الفنية بصحبته كي تستمع إلى ملاحظاته وتعليقاته التي قالت عنها لإحدى صديقاتها: الله وحده يعرف ما هي المشاعر التي أحس بها حقا- بصدد أي شيء بعد أن يتحدث عنه روجر.
من الممكن أن يمتلك المرء عين فنان تعرف كيف ترى الخط واللون الشكل والكتلة والضوء والظل، كما إنه من الممكن لآخر أن يتميز بعقل فيلسوف ناقد: يستنبط ويحلل ويركب. وثمة ثالث من الممكن أن يتمتع بلغة أديب شاعر أو ناثر فيمسك بناصية التعبير اللغوي. أما إذا اجتمع الثلاثة في واحد في مزيج رفيع، فالأرجح أنه سيكون روجر إليوت فراي.
إلا أن ما أطلق هذه الموهبة إلى أقصاها لم يكن تلك الذكاءات المتنوعة التي نعم بها وحسب، وإنما هو حسن الطالع التاريخي أيضا. فقد عاش فراي في حقبة فريدة من تاريخ الفن، حيث كان الفن التشكيلي يقوم بانعطافته الكبرى نحو الحداثة في نهايات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين. ففي ذلك الوقت ظهرت مدارس الرومانتيكية والواقعية وما بعد الواقعية والرمزية التعبيرية والتكعبية والمستقبلية.. وظهر فنانون لامعون مثل غويا ومونيه وسيزان ومونش ومايتس وكاندينسكي وبيكاسو.. إلخ. ذلك ما يسمى حقا موعد مع القدر، حيث تلتقي روح عصر كامل مع ذكاء مركب استثنائي.
ولد فراي الذي كان فنانا تشكيليا أيضا في الرابع عشر من كانون الأول 1866، وتوفي في التاسع من أيلول 1934 أمس، كانت ذكرى ميلاده. وبهذه المناسبة هذه ترجمة لواحدة من مقالاته التي احتضنها كتابه البنية والتصميم الذي نشر للمرة الأولى في العام 1920، ثم أعادت مطبوعات أكسفورد الجامعية نشره في العام 1981.
المترجم
كتب فنان -يتمتع ببعض الشهرة اليوم كتابا صغيرا حول الفن الذي يمارسه. وفي هذا الكتاب، قدم تعريفا مختصرا ومكثفا للفن، وسأتخذ منه نقطة انطلاق لمقالتي هذه. يقول هذا المتخصص البارز: إن فن التصوير هو فن محاكاة الأشياء أو الكائنات الصلبة على سطح مستو بواسطة الألوان. إن بساطة هذا التعريف ممتعة، ولكنها تحفز على السؤال: هل هذا كل ما في الأمر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا كل هذه الضجة التي أثيرت حول هذا الفن ؟ من العبث الآن الإنكار بأن وراء هذا الكاتب الحديث ثقات محترمون. فأفلاطون يقدم في الحقيقة تعريفا مماثلا، وهو ذاته طرح السؤال: إذا كان الفن هو هذا، فهل له قيمة؟ وجاء جوابه وهو رجل المنطق الصارم- بالنفي، وراح يخرج الفنانين من جمهوريته المثالية. وعلى الرغم من هذا كله، فقد واصلت الدنيا بإصرار اعتبار الفن ذا قيمة. ومع أننا لم نصل إلى إجابة شافية عما تفعله الفنون البصرية لنا على وجه التحديد، فإننا ما زلنا على إصرارنا في تكريم الفن والإعجاب بالفنانين.
هل نستطيع الوصول إلى أية نتائج -بشأن طبيعة الفنون البصرية- تفسر مشاعرنا تجاه هذه الفنون، وتربطها على الأقل بعلاقة ما مع الفنون الأخرى، ولا تتركنا في حيرة كاملة تسببها أي نظرية تقتصر على مجرد المحاكاة؟ إذ لابد في ما أفترض- أن نقر بأنه إذا كانت المحاكاة هي الغاية الوحيدة للفنون البصرية، فمن المدهش أن ينظر إلى هذه الفنون بوصفها أكثر من مجرد أعمال غريبة، أو دمى مبتكرة، ويصعب أن يأخذها الراشدون على محمل الجد. وسيكون من المدهش أكثر أن لا يكون لها علاقة ملحوظة مع الفنون الأخرى مثل الموسيقى والعمارة التي لا تلقي بالا لمحاكاة الواقع. إن الوصول إلى مثل هذه النتائج هو الهدف الذي وضعته نصب عيني في هذا المقال. ولكن حتى لو لم تكن النتائج حاسمة، فإن البحث قد يفضي بناء إلى نتيجة مفيدة في بعض الوجوه عن الفنون البصرية.
على أن أبدأ بمفاهيم أولية في علم النفس آخذا طبيعة الغرائز بعين الاعتبار. يحرك عدد كبير من الأشياء في العالم عندما يمثل أمام حواسنا آلية عصبية معقدة تنتهي إلى فعل غريزي ملائم ما. فإذا رأينا على سبيل المثال ثورا في حقل، فإن عملية عصبية تنطلق دون وعي منا لتنتهي، إذا لم نجبر على التصرف على نحو آخر، إلى استجابة ملائمة هي الهرب. وتفضي الآلية العصبية التي تقود إلى الهرب إلى حالة معينة من الوعي، سندعوها انفعال الخوف. إن كل حياة الحيوان، وقسطا كبيرا من حياة الإنسان، يتألف من هذه الاستجابات الغريزية للأشياء المحسوسة وما يصاحبها من انفعالات. إلا أن الإنسان يتمتع بتلك الملكة الخاصة لاستدعاء صدى خبرات ماضية من هذا النوع إلى عقله ثانية، والمرور عليها بخياله كما نقول. لذلك فهو يمتلك إمكانية حياة مزدوجة: الأولى هي الحياة الفعلية، والثانية هي الحياة التخيلية. وثمة بون شاسع بين هاتين الحياتين، وهو أن عمليات الانتخاب الطبيعي في الحياة الفعلية أفضت إلى تكون هذه الاستجابة الغريزية مثل الهروب من الخطر وهي الجزء المهم من العملية كلها، فالإنسان يركز جهده الواعي عليها. ولكن لن تجد في الحياة الخيالية ضرورة لمثل هذا الفعل، ولذلك فإن الوعي كله يمكن أن ينصب على الجوانب الإدراكية والانفعالية، وهكذا، يكون لدينا في الحياة التخيلية مجموعة مختلفة من القيم، وضرب مختلف من الإدراك الحسي.
في وسعنا أن نرى لمحة غريبة عن طبيعة هذه الحياة التخيلية في السينما، فهي تشبه الحياة الفعلية في كل جوانبها تقريبا باستثناء ما يدعوه علماء النفس الجانب النزوعي(1) من استجابتنا للإحساسات، أي أن الفعل الناتج الملائم لا يصل إلى منتهاه. فإذا رأينا -في السينما حصانا يجر عربة مندفعا فليس علينا أن نفكر في الابتعاد عن طريقه أو التدخل لإيقافه على نحو بطولي. والنتيجة أننا في المقام الأول نرى الحادثة بوضوح أكبر بكثير، ونرى عددا من الأشياء المثيرة دون أن يكون لها صلة بالحادثة، وهو أمور لا تجد في الحياة العملية طريقا إلى وعينا الذي يتركز كله كما هو متوقع على مسألة استجابتنا الملائمة. واتذكر أني رأيت في السينما وصول قطار إلى محطة أجنبية، والركاب ينزلون من عربات القطار، ولم يكن هناك رصيف مرتفع يسهل نزولهم، ولشد ما كانت دهشتي أن أرى عدة أشخاص يدورون دورة كاملة حول أنفسهم بعد وصولهم إلى الأرض، وكأنهم يوجهون أنفسهم، على نحو مضحك تقريبا، وهو أمر لم ألحظه أبدا في مئات المناسبات التي مر فيها مثل هذا الحادث أمام عيني في الحياة الواقعية. فإذ يكون المرء فعليا في محطة، فإنه لا يكون متفرجا على الأحداث، بل إنه يكون ممثلا منهكا في دراما الحقائب أو حصوله على مقعد، ولا يرى بالفعل إلا ما يمكن أن يساعده على القيام بالفعل المناسب فقط.
ويلاحظ المرء ثانيا أنه مهما كانت الانفعالات التي تثيرها السينما أضعف من تلك التي تثيرها الحياة الواقعية إلا أنها تمثل بوضوح أكبر أمام الوعي. فإذا كان المنظر النهائي في السينما- هو منظر حادث، فإننا نشعر بالشفقة والرعب على نحو نقي للغاية على الرغم من ضعف الشعور نظرا لأننا نعرف أنه ما من أحد تعرض للأذى حقا، كما أن الانفعالات لن تتحول كما في الحياة الواقعية إلى أفعال لتقديم المساعدة على الفور.
ثمة أثر مشابه لأثر السينما يمكن الحصول عليه من خلال النظر في مرآة تعكس منظر شارع. فإذا نظرنا إلى الشارع ذاته أي مباشرة دون مرآة- فإننا سنكون متأكدين تقريبا من قدرتنا على تكييف أنفسنا على نحو ما بالنسبة لوضع الشارع الفعلي. ففي هذا الشارع نصادف شخصا نعرفه، ونتساءل لماذا يبدو مهموما هذا الصباح، أو قد ننشغل بموضة قبعات جديدة نراها، ونحن بذلك نستجيب للحياة الواقعية ذاتها مهما كانت هذه الاستجابة طفيفة. أما إذا نظرنا في المرآة فسوف يكون من الأسهل علينا أن نتخلص من هذه الشواغل تماما، وأن ننظر إلى المنظر المتغير ككل. عند ذلك تتغلب الصفة البصرية، ونغدو متفرجين حقيقيين، لا نختار ما سنراه ولكن نرى كل شيء على حد سواء، ويغدو في مقدورنا ملاحظة عدد من المظاهر والعلاقات بينها، وهي أمور لم نكن لنلاحظها قبل ذلك لأننا كنا نحاول الاقتصار في الانطباعات التي نختارها على تلك التي سنتمثلها، وهذا نفعله في الحياة من خلال عمليات لا شعورية. فإطار المرأة إذن يحول إلى حد ما المنظر المنعكس على صفحتها من منظر ينتمي إلى الحياة الواقعية إلى منظر ينتمي إلى الحياة التخيلية. وإطار المرآة يحول صفحتها إلى عمل فني بدائي للغاية مادام يساعدنا في الحصول على الرؤية الفنية. ولعلك تكون قد خمنت الآن ما الذي كنت أرمي إليه طوال الوقت، وهو أن العمل الفني يرتبط على نحو وثيق بالحياة التخيلية الثابتة التي يعيشها كل الناس إلى حد يزيد أو ينقص.
أما أن الفنون البصرية تعبير عن الحياة التخيلية أكثر من أن تكون نسخة من الحياة الواقعية، فهو أمر يمكن إدراكه من خلال ملاحظة الأطفال. فإذا ترك الصغار وشأنهم، فإنهم في حسباني لن ينسخوا ما يرونه أبدا، ولن يرسموا من الطبيعة أبدا، وإنما ستراهم يعبرون بحرية وإخلاص جميلين عن الصور العقلية التي تكون حياتهم التخيلية.
الفن إذن تعبير ومثير لهذه الحياة التخيلية المنفصلة عن الحياة الفعلية، من خلال غياب لفعل الاستجابة. يتضمن هذا الفعل الاستجابي في الحياة الفعلية مسؤولية أخلاقية. أما في الفن فليس هناك مثل هذه المسؤولية، فهو يقدم حياة منعتقة من أغلال ضرورات وجودنا الفعلي. ولكن ما هو مبرر حياة التخيل هذه التي يعيشها كل الناس إلى حد يزيد أو ينقص؟ إذا كان لهذا الضرب من الحياة أن يجد تبريرا له عند الأخلاقي الصرف الذي لا يقبل إلا القيم الأخلاقية، فلابد أن يتبين أن هذه الحياة لا تكتفي بمجرد عدم إعاقة الفعل الصائب وإنما عليها أن تشجعه وتدفعه قدما، وإلا فإنها لن تكون فقط غير ذات نفع، ولكنها ستلحق ضررا فعليا لأنها تستنزف الطاقة. وبالنسبة لمثل هذا الموقف الأخلاقي، فإن هناك نظرتين ممكنتين: الأولى هي النظرة البيوريتانية في أقل حدودها والتي تنظر إلى حياة المخيلة على أنها ليست أفضل أو أسوأ من حياة المتعة الحسية، ومن ثمة فهي مدانة تماما. أما النظرة الثانية فتذهب إلى أن الحياة التخيلية تخدم الأخلاق. وهذه النظرة هي التي يتبناها دون شك أخلاقيون مثل راسكين الذين تبدو لهم حياة المخيلة ضرورة مطلقة. إنها نظرة يتعذر الدفاع عنها، وتفضي إلى خداع للذات، وهو أمر غير أخلاقي بحد ذاته.
هنا، يطرح موضوع الدين، لأنه هو أيضا- قضية من قضايا حياة المخيلة، وعلى الرغم من أثره المباشر على السلوك فإني لا أفترض أن المتدين إذا كان حكيما سيبرر الدين كله بأثره على الأخلاق ما دام الدين لم يترك أثره الأخلاقي من الناحية التاريخية بصورة متسقة على جميع الناس. والأرجح أنه سيقول إن الخبرة الدينية هي تلك التي تنسجم مع قدرات روحية معينة في الطبيعة البشرية، وهي قدرات يجدر بنا بممارستها بحد ذاتها بغض النظر عن أثرها على الحياة الفعلية. وأعتقد أن الفنان سيذهب هذا المذهب إذا اختار أن يتخذ موقفا صوفيا، وقال أن امتلاء واكتمال حياة المخيلة التي يحياها يمكن أن تقابل وجودا أكثر واقعية وأهمية من أي وجود نعرفه في الحياة الأخلاقية.
وإذ يقول الفنان هذا، فإنه سيجد صدى متعاطفا لدى معظم العقول، لأن أغلب الناس في ما أعتقد يقولون أن المتعة الناجمة عن الفن أكثر أساسية من مجرد المتع الحسية وتختلف تماما عنها في طبيعتها، وأنهم مارسوا بعض الملكات التي نشعر إنها تنتمي إلى جانب فينا ليس عابرا أو ماديا.
بل إنه يمكن القول من وجهة النظر هذه- أن علينا بالأحرى أن نبرز الحياة الفعلية في علاقتها بحياة المخيلة، وأن نبرز الطبيعة بمشابهتها للفن. وما أعنيه هو أنه ما دامت حياة المخيلة تأتي في سياق الزمان كي تمثل إلى حد أكثر أو أقل- ما يشعر به النوع الإنساني بأنه أكثر التعبيرات اكتمالا عن طبيعته، وأكثر الاستخدامات حرية لقدراته الداخلية، فإن الحياة الفعلية يمكن أن تفسر وتبرر بمقاربتها في هذه النقطة أو تلك للحياة الأكثر حرية وامتلاء، مهما كان نجاحها في هذا جزئيا وغير تام.
قبل أن نترك مسألة تبرير الفن هذه، دعوني أصوغها على نحو آخر. ففي حياة الناس التخيلية مستويات مختلفة للغاية، في أوقات مختلفة، لا تتفق دوما مع المستوى العام لأخلاقية الحياة الفعلية. وهكذا، نقرأ في القرن الثالث عشر عن بربرية وقسوة تصدمنا. ويمكننا في ما أظن الإقرار بأن مستوانا الأخلاقي، وإنسانيتنا العامة اليوم، أكثر رقيا. لكن مستوى حياتنا التخيلية أقل بما لا يقارن؛ إذ رضينا هنا أي في عصرنا- بفظاظة وابتذال وبربرية خالصة يمكن أن تسبب صدمة عميقة للقرن الثالث عشر. فإذا قبلنا بسرور بتفوقنا الأخلاقي، ألا نشعر أيضا بخسارة؟ ألا نشعر بإعجاب واحترام أكبر من كل الوجوه لرجل الأعمال العادي إذا لم تكن حياته التخيلية فظة ومفتقرة إلى التماسك؟ فإذا أقررنا عندئذ بأي خسارة، فسوف تبقى هناك وظيفة ما في الطبيعة الإنسانية غير الوظيفة الأخلاقية الخالصة، وظيفة تستحق أن تمارس.
لحياة المخيلة تاريخها الخاص سواء ذلك عند العرق أو الفرد. وأحد الآثار الأولى في حياة الفرد لتحرير الخبرة من ضرورات الأفعال الاستجابية الملائمة هو الاستسلام -على نحو يعوزه التعقل لمشاعر تعظيم الذات. فأحلام اليقظة لدى طفل ما تمتلئ بحكايات رومانسية كبيرة يكون فيها دوما البطل الذي لا يقهر. والموسيقى، وهي التي تقدم أقوى المثيرات من بين كل الفنون للحياة التخيلية، في حين أنها من بين كل هذ الفنون أضعفها في ضبط اتجاه هذه الحياة، أقول: إن الموسيقى في مراحل معينة من حياة الناس ليس لها من أثر سوى إثارة فرح ذاتي عابث تقريبا. ويبدو أن تولستوي يعتقد أن هذا هو الأثر الممكن الوحيد لها. إلا أنه كلما تعمق أثر دروس الخبرة ونمو الشخصية فإن الحياة التخيلية تأخذ بالاستجابة لغرائز أخرى، وإشباع رغبات أخرى حتى تعكس حقا أعلى التطلعات وأعمق الأدراك التي يمكن للطبيعة البشرية الوصول إليها.
تخرج حياتنا التخيلية عن طوعنا في الأحلام أو إذا كلنا تحت تأثير عقاقير معينة، وفي مثل هذه الأحوال فإن خبراتها تكون منفرة للغاية، ولكنها دامت تحت سيطرتنا فلا بد أنها ستكون دوما بصورة عامة مرغوبة. ولا يعني هذا أنها ممتعة دوما لأنه من الواضح أن النوع الإنساني قد جبل على أن يرغب في أشياء كثيرة بالإضافة إلى المتعة. وسوف نجد من بين الفنانين الكبار، أي أولئك العارضين العظام للحياة التخيلية، من لا يشكل لهم مجرد المتعة جزءا مما هو مرغوب إلا نادرا. لكن هذه الجاذبية للحياة التخيلية تميزها بالفعل تمييزا حادا عن الحياة الفعلية، وتشكل النتيجة المباشرة لهذا الاختلاف الأساسي الأول وهو: تحررها من شروط الضرورة الخارجية. فالفن إذا كنت على صواب هو الجزء الرئيسي من الحياة التخيلية. وبالفن تستثار هذه الحياة وتضبط داخلنا. وكما رأينا، فهذه الحياة تتميز بالوضوح الكبير في إدراكها، وبنقاء انفعالها وتحررها الكبير.
دعونا ننظر أولا إلى الوضوح الكبير في الإدراك. إن حاجات حياتنا الفعلية آمرة إلى حد أنها تجعل من حاسة الإبصار متخصصة إلى حد كبير في خدمتها. ونحن نتعلم من خلال اقتصاد يثير الإعجاب- ألا نرى أكثر مما نحتاجه لتحقيق ما نريد. لكن ما نراه هذا قليل جدا في الواقع، ولا يكفي إلا بالكاد لإدراك كل موضوع أو شخص والتعرف عليهما. وما أن يتم ذلك فإنهما يحتلان موقعا في كاتالوجنا العقلي، ولا نعود نراهما ثانية في الواقع. والشخص العادي في الحياة الفعلية لا يقرأ في الحقيقة سوى اليافطات وكأنها ملصقة على الأشياء حوله، ولا يبالي بشيء آخر. ومعظم الأشياء النافعة على أي نحو تقريبا ترتدي طاقية الإخفاء هذه بدرجات متفاوتة. إننا لا ننظر إلى الشيء حقا إلا إذا لم يوجد في حياتنا سوى كموضوع للنظر، كما في حلية أو صينية أو حجر كريم. وإزاء أشياء كهذه فحتى أكثر الناس عادية يتبنى إلى حد ما الموقف الفني للرؤية الخالصة وقد تحررت من الضرورة.
يمضي هذا التخصص البصري شوطا بعيدا إلى درجة أنه لا يكون لدى الناس العاديين أي فكرة عن مظهر الأشياء حقا(2)، فلا يعودون قادرين خلال حياتهم وهذا أمر غريب- على تطبيق معيار النقد الشعبي الوحيد على لوحة ما، وهو ما إذا كانت تشبه الطبيعة أم لا. والشيء الوحيد الذي كانوا ينظرون إليه حقا هو صور أخرى. وفي اللحظة التي يقدم لهم فنان نظر إلى الطبيعة صورة واضحة رآها حقا، فإنهم يثورون غاضبين لأنها لا تطابق الطبيعة. ولقد حدث هذا دوما في عصرنا فلا حاجة لإثباته، وسيكفي مثال واحد عليه. إن مونيه هو فنان تكمن دعواه الرئيسة في حقيقة قدرته المدهشة على محاكاة جوانب معينة من الطبيعة بأمانة. إلا أن الجمهور أخذ براءته الساذجة وإخلاصه الحقيقيين على أنها أكثر ضروب الخداع جرأة. واقتضى الأمر دروسا من رجال مثل باستين ليباج الذي وفق ببراعة بين الحقيقة وبين ما درج الناس على اعتباره مظهر الأشياء، لتقريب العالم تدريجيا للقبول بحقائق سوف ترسيها على نحو لا يقبل الشك مجرد نزهة واحدة في الريف ونظرة خالصة غير متحيزة.
ولكن على الرغم من أن هذا الإدراك الحسي الواضح الذي نكتشفه في الحياة التخيلية هو ذو أهمية كبيرة، وعلى الرغم من أنه يلعب دورا كبيرا في الفنون البصرية أكثر من أي فن آخر، فقد يكون هناك شك في ما إذا كان هذا الجانب المثير والغريب والخلاب من الحياة المتخيلة سوف يسبغ بحد ذاته على الفن أهمية عميقة بالنسبة للإنسان. ولكني أعتقد أن الأمر يختلف بالنسبة للجانب الانفعالي. لقد قبلنا أن انفعالات المتخيل هي أضعف عموما من تلك التي تحدث في الحياة العادية. إن صورة قديس يسلخ جلده حيا ببطء على فظاعتها لن تحدث نفس الإحساسات المادية بالاشمئزاز الذي يثير الغثيان، والذي يمكن أن يحس به رجل حديث، إذا كان سيشارك بالفعل في هذه الحادثة. لكن هذه الإحساسات تتمتع بوضوح تعويضي إذ تمثل أمام الوعي. ومهما كانت الانفعالات الموجودة في الحياة العادية أكثر إيلاما فسيكون لها في ما أعتقد أثرا مخدرا يشبه تأثير الخوف الذي يشل بعض الحيوانات. ولكن حتى لو لم تقبل هذه الخبرة عموما، فإن الجميع سوف يوافقون على أن الحاجة للفعل الاستجابي تدفعنا قدما وتمنعنا من التأمل تماما في ماهية الانفعال الذي نشعر به، وفي تحقيق التآزر على نحو كامل بينه وبين حالات أخرى. وباختصار، فإن الدوافع التي نشعر بها فعليا قريبة جدا منا إلى حد أننا لا نتمكن من الشعور بها بوضوح. إنها بمعنى من المعاني غير مفهومة. وعلى النقيض من ذلك، فنحن نستطيع في الحالة التخيلية أن نشعر بالانفعال وأن نراقبه. فعندما تتحرك مشاعرنا في المسرح فنحن نكون دوما على خشبة المسرح وفي الصالة أيضا.
ثمة نقطة أخرى حول انفعالات الحياة التخيلية، إذ أن في وسعنا ما دامت لا تتطلب فعلا استجابيا أن نعطيها تقييما جديدا. ففي الحياة الواقعية علينا إلى حد ما أن ننمي هذه الانفعالات التي تفضي إلى فعل مفيد، وعلينا أن نقدر قيمة الانفعالات وفقا للفعل الناتج. وهكذا، فإن مشاعر التنافس والتفوق تتلقى تشجيعا نادرا ما تستحقه في حين أن مشاعر معينة يبدو أن لها قيمة ذاتية عالية لا تحصل تقريبا على أي مثير في الحياة الفعلية. وعلى سبيل المثال، فإن هذه المشاعر التي أطلق عليها لسوء الحظ إلى حد ما اسم الانفعال الكوني لا تجد لها مكانا في الحياة، ولكن ما دام يبدو أنها تنتمي إلى منابع معينة عميقة جدا في طبيعتنا، تغدو بالفعل ذات أهمية كبيرة في الفنون.
الأخلاق إذن تقدر الانفعال من حيث الفعل الناتج المعياري، أما الفن فإنه يقدر الانفعال بذاته ومن أجل ذاته.
إن هذه النظرة حول الأهمية الجوهرية في فن التعبير عن الانفعالات هي أساس كتاب تولستوي ما الفن؟ الذي تثير أصالته الإعجاب. ومع ذلك فهو منحرف بل واستفزازي، واعترف رغم اختلافي مع جل آرائه، بواسع فضله علي.
يضرب تولستوي مثالا عما يعنيه عندما يقول إن الفن هو مطية توصيل الانفعالات. يقول: دعونا نفترض أن دبا طارد صبيا في غابة، فإذا عاد الصبي إلى القرية واكتفى بالقول إن دبا طارده ولكنه أفلت منه، فإنه يكون قد نقل تجربته باللغة العادية، وهي وسيلة توصيل الوقائع أو الأفكار. أما إذا وصف حالة عدم انتباهه الأولى، ثم حالة الخطر والرعب المفاجئة عند ظهور الدب، وأخيرا حالة الراحة عندما أفلت بجلده، ووصف هذا بحيث يشاركه المستمعون انفعالاته، فإن وصفه يكون عندئذ عملا فنيا.
والآن، إذا كان ما سرده الصبي حتى لو كان يستخدم الطريقة الفنية يهدف إلى حث القرويين على الخروج لقتل الدب، فإن كلامه لن يكون عملا فنيا خالصا، ولكنه إذا سرد حكايته ليستمتع عن طريق التذكر- بمغامرته، أو إذا اختلق الحكاية كلها وهذا أفضل فنيا من أجل إثارة انفعالات متخيلة، فإن كلامه يغدو عملا فنيا خالصا. لكن تولستوي يتبنى وجهة النظر لمقابلة، ويثمن الانفعالات التي يثيرها الفن بقدر تأثيرها على الحياة العملية، وهو رأي يتمسك به بشجاعة حتى عندما يؤدي به إلى إدانة كل أعمال مايكل أنجلو، ورافاييل وتيتيان، ومعظم أعمال بتهوفن، هذا إذا لم نذكر كل ما كتبه هو نفسه تقريبا أقول: حتى عندما يؤدي به هذا الرأي إلى إدانة هذه الأعمال بوصفها أعمال فنية زائفة أو سيئة.
مثل هذا الرأي، في حسباني، سوف يجعل أي شخص لا يتمتع بروح تولستوي البطولية المجازفة هذه- يقف واجما متأملا ومتسائلا عما إذا كان يمكن أن تكون الإنسانية مخطئة إلى هذا الحد الكبير حول وظيفة ما منتشرة في الدنيا بأسرها تقريبا بغض النظر عن قيمتها. وسوف يكون على هذا الشخص في الواقع أن يجد كلمة أخرى يطلقها على ما نسميه الآن فنا. كما إن نظرية تولستوي لن تحمله بأمان -عبر كتابة ذاته- ما دامت الأمثلة التي يضربها عن الفن المرغوب أخلاقيا، وهو الفن الجيد في نظره، لا يجدها في معظم الأحوال إلا في أعمال ذات نوعية سيئة. هنا نجد على التو ذلك القبول الضمني بأن معيارا آخر غير الأخلاق يمكن تطبيقه. لذلك فإن علينا الكف عن محاولة الحكم على العمل الفني بأثره على الحياة، وأن ننظر إليه باعتباره تعبيرا عن الانفعالات بوصفها غايات في ذاتها. ويعيدنا هذا إلى الفكرة التي كنا قد توصلنا إليها بالفعل وهي أن الفن تعبير عن الحياة التخيلية.
الهوامش
(1)الجانب من الغريزة أو الدافع الذي يسعى لتحقيق غاية ما تشبع هذا الدافع (المترجم).
(2) يقصد فراي أنه ما دمنا لا نرى الأشياء عادة- بعناية، فإنه لن يعود بمقدورنا إذا رأينا صورها أن نخمن أنها مطابقة لها (المترجم).
* أكاديمي أردني