أخذت بنصيحة كاتب «بؤس الفسفسة» احمد ابو خليل التي اوردها في مقدمة الكتاب فلم التزم قراءة الكتاب بشكل منتظم وانما اخذت بقراءة صفحات من الكتاب هنا وهناك دون نظام محدد.
لكن هذا لا يعني انني لم اقرأ الكتاب كله. فبطريقتي العشوائية التي شجعني عليها الكاتب اظن انني قرأت معظم ما جاء في الكتاب ولكن، وكما قلت، ليس بطريقة متسلسلة وانما بطريقة انتقائية تماما كمن يجد امامه سلة من مختلف انواع الفاكهة - تين وعنب وتفاح وجوافة مثلا.. فيأخذ (خصلة) عنب يتبعها بحبة تين واصلا الى قضمة من التفاحة (ومحليا) بحبة جوافة.
وخلال ذلك لم آخذ على محمل الجد محاولة احمد ابو خليل (تبخيس) كتابه والتقليل من شأنه عندما قال في مقدمة الكتاب ايضا بنوع من دهاء التواضع او تواضع الدهاء، والكتاب لا يتميز بترابط الافكار وليس به اي تسلسل منطقي او غير منطقي، ولا يدل على حصافة رأي ولا ثبات موقف ولا سداد رؤية..الخ.
لم يخدعني احمد ابو خليل بالزعم ان كتابه هو مجرد (طق حنك).. او انه خال من اي هدف او موقف.. على العكس تماما فرغم ان (ابو خليل) يدرجه في باب «تمارين في الكتابة الساخرة» الا انه ليس تمرينا، لانه كتاب كاتب محنك يعرف تماما ما يقول. وما يقوله ليس سخرية عابرة او مجانية، وانما سخرية ابو خليل ليست الا غطاء شفافا لقول اعمق واكمل ما قيل في المجتمع الاردني حيث، كما اتصور، وضع ابو خليل المجتمع الاردني على مشرحته الخاصة واخذ (يفصفص) لا في اعضاء هذا المجتمع، وانما في خلاياه الداخلية العقبة التي لم يلاحظها احد كما لاحظها ابو خليل.
هو كتاب جاد ومؤلفه صاحب حيلة واسعة ودهاء كبير.. هو كاتب متمرس لا يرفع شعارات ولا يدق في الحكومة مثلا بطريقة مباشرة وانما هو يذهب بهدوء وصبر يشبه هدوء الجراح المتمرس وصبره لوضع يده على جميع اوصاب المجتمع الاردني. شعب وحكومة وصحافة واقتصاد وعادات مستجدة.. حتى (الخلوي) لم ينسه ابو خليل عندما شرح بذكاء كبير ان هذا الجهاز حرم كثيرين الادعاء بأن احدهم (اغلق) سماعة التلفون في وجه فلان او علان متباهيا.. ذلك انه لم يعد ممكنا ان يتم هذا عبر جهاز الخلوي الذي لا توجد به سماعة لقفلها اصلا..
احمد ابو خليل خبير حقيقي في احوال مجتمعنا من (الساس الى الراس).. لا ينسى شيئا ولا يهمل امرا.. وهو قادر على ملاحظة ما لا يلاحظه احد.. فلا تفوته هبة ريح او حتى هبة نسيم.. فهو المثقف الواعي الساهر على احوال المجتمع وان حاول اشاعة العكس في مقدمته.
ابو خليل مثقف ملتزم ربما اكثر مما يجب لكن دون شعارات ودون ادعاءات، وبطريقته الساخرة الهادئة التي يفصح فيها عن اخطر المسائل لكن دون جلبة او ضجة.
ويكفيه نبلا انه صاحب مجلة «المستور» التي خصصها لالقاء الضوء على الاكثر حرمانا وفقرا في مجتمعنا.. فمن لهؤلاء الا احمد ابو خليل والقلة النادرة من أمثاله؟
rasmiabuali@hotmail.com
بؤس الفسفسة - بقلم رسمي ابو علي
12:00 5-12-2006
آخر تعديل :
الثلاثاء