«إسعاد» الناس له منحىً آخر!

«إسعاد» الناس له منحىً آخر!

رُبَّ يوم بكيتُ منه فلما صِرتُ في غيره بكيتُ عليه «يونس بن ميسرة»عصرنا الذي نعيشه اليوم لم يعد معنياً بالسعادة الإنسانية، لم يعد يعير اهتماماً لتقليص الفوارق بين الأغنياء والفقراء، أو للرأفة بمن يتضورون جوعاً وتوفير لقمة العيش لهم بكرامة!.في رسائله التي حملت عنوان «إلى ولدي» يقول صاحب العلم الغزير المرحوم د. احمد أمين في إحدى هذه الرسائل «.. فالمدنية الحقة إنما تقاس بإسعاد الناس لا بكثرة الاختراع ولا بكثرة التجارب». («إلى ولدي»، ص 90، دار الكتاب العربي- بيروت).أتساءل هنا بعد هذه المفردات الممتلئة التي أوجز بها أحمد أمين «رسالة المدنية»: هل قدمت «كثرة الاختراع» و»كثرة التجارب» ما يشبع الطموحات الإنسانية ويقيها من الصراعات والنزاعات، أم أنها ضاعفت من شقائها؟ مع الأسف، فإن الرسالة الحقيقية لِ»المدنية» قد تم ابتذالها ففقدت نُبلها الروحي، مما ضاعف من شقاء الإنسان. لم ينظر «الأقوياء» في هذا العالم إلى القيم الإنسانية فيُضمنوها سلوكهم، بل نظروا إلى مصالحهم الفردية والطبقية فجروا وراءها بجشع وانتهازية. حتى «العِلم» حادوا به في كثير من الأحيان عن مساره الإنساني. أدخلوه - مع الأسف- في الحروب والصراعات الدموية. في هذا الصدد نقرأ في رسائل أحمد أمين إلى ولده هذه العبارة: «.. هذه القنبلة الذرية ينقصها النظر إلى خير الإنسانية لا إلى استعمالها في الغلبة. ولو استكشفت وصحبها النظر إلى خير الإنسانية لاكتشف تحطيم الذرة لا القنبلة الذرية، ولاستخدمت في خير الإنسان، من إزالة سدود وقيود قبل أن تستخدم في القنابل». المرجع السابق، ص 88.«إسعاد» الناس لم يدخله «الأقوياء» في حسابهم. أدخلوا فقط «الربح والخسارة». ومن أجل مراكمة هذا الربح تجاوزوا المباديء الأخلاقية والفضائل. عصرنا بات شعاره «أنا» فقط وبعدي فليكن «الطوفان»!يتحدثون عن «الرفاهية الاجتماعية»، بينما لا نرى لها أي أثر على أرض الواقع. يتحدثون - وأعني هؤلاء الذين يمسكون بزمام العالم- عن «الحداثة» التي ستنقل «العالم» نقلة نوعية واسعة إلى الأمام تجلب لأبنائه «السعادة». وكأن «السعادة» تتم بِ «الوعظ» والكلام الجميل لا بالتخطيط الإنساني!. عن أية «سعادة» يتحدثون ونحن نرى «الرأسمالي» يتبختر بخطاه وخلفه صاحب قوة العمل يتبعه بذلّة وخضوع!. عن أية «رفاهية اجتماعية» يتحدثون ونحن نرى التوزيع غير المتكافيء في الثروة والدخل. ونحن نرى «السوق» يسبق «الاخلاق»!. تغيب «الأخلاق» اليوم عن عالمنا إلى حد كبير. وحين تغيب، لا مجال للحديث عن «السعادة الإنسانية». لا يمكن أن تُنال هذه «السعادة» ما دام الحس الإنساني غائباً أو منعدماً لدى الكثيرين من قادة هذا العالم.لم يكن أحمد أمين مغالياً حين قال «المدنية الحقة إنما تقاس بإسعاد الناس لا بكثرة الاختراع ولا بكثرة التجارب». لقد كثرت «الاختراعات» وكثرت «التجارب» ومع ذلك زاد شقاء الإنسان!. حدث ذلك لأن هذه الاختراعات والتجارب لم تمس الجانب الروحي للمدنية، بل أولت اهتمامها للجانب المادي فقط!. تحضرني هنا عبارة دالة فيها من المرارة ما فيها قالها ذات مرة الزعيم الإفريقي الراحل جومو كنياتا. قال موجهاً كلامه للمستعمرين: «يريدوننا أن نصلي وعيوننا مغمضة»!.يبقى أن أقول: إن عالماً مسكوناً بالرعب لا يمكن أن ينعم بالسعادة وان عالماً ينخر «الفساد» كيانه لا يمكن أن يوفر للبشر نعمة الأمن الاجتماعي والنفسي. «الاختراعات» جميعها لن تجلب السعادة لهم ما دام «الحس الإنساني» غير مُلتفت إليه لدى من يتحكمون في مصير هذا العالم! ومثل هذا «الحس» لا يكون بِ «الوعظ» بل بوضع حد للتغول الرأسمالي والاهتمام بالشرط الإنساني للحياة! yousefmahmoud37@yahoo.com