كتابة وتصوير مفلح العدوان - كأنها متكأ.. أو ركن لا غنى عنه، حين يلتقيها الصاعد اليها من جهة البحر الميت، حيث يصل القرية التي تلوح من على المرتفع الذي سكنت عليه، فصارت ركنا منه، على مسافة 15 كيلومترا، شمال غرب الكرك، وصار اسمها ''راكين''.
ولعل ارتفاعها، وجغرافيتها هذه جعلت من الوديان حدودا طبيعية لها، كوادي العشب شرقا، ووادي الكرك جنوبا، إضافة الى وادي المغرة والمزاريب، وربما يكون هذا التصور الطوبغرافي هو الذي جعل كبار قرية راكين يفسرون اسمها بأنه مأخوذ من دلالة الموقع على أنه ركن حقيقي بعد صعود مرهق من جهات البحر الميت.
ولكن الدكتور سلطان المعاني في كتابه ''أسماء المواقع الجغرافية في محافظة الكرك'' يعطي تفسيرا اشتقاقيا دلاليا لاسم قرية راكين حيث يصف اسمها بأنه آرامي، ويورد هذا في الفقرة الخاصة باسم راكين حيث يقول:'' ذكر سيتزن المكان باسم راكين،وهو اسم آرامي rakin بمعنى ''المنحدر''، أو من الجذر rak «ضج» rawka «ضوضاء» ، وعليه فأن الاسم يعني مكان الضجيج ، الضوضاء».
كما أن راكين تذكر في بعض الكتب على أنها رقين القديمة، وهو ما اعتمده اللفتنانت كولونيل فريدريك ج. بيك في كتابه تاريخ شرقي الأردن وقبائلها.
آبار..ينابيع..مغاور
أدخل القرية..
أتهجى دروبها، وبرفقتي مناضل، وتربوي صديق هو الأستاذ عودة الجعافرة، الذي صار يتصفح لي ذاكرة راكين، ويتتبعها، وإياي، تارة سعيا في شوارعها، وبيوتها، وتارة جلوسا مع الطيبين من أهلها، وبين الفينة والأخرى يشرح لي ما غاب عن المكان، واللسان، من معرفته الحقيقية بأهله وبتاريخهم هناك.
غير أنني قبل رحلتي هذه نحو الجنوب، تصفحت ما كتب نايف النوايسة في سجله المصور للواجهات المعمارية التراثية في الأردن/الكرك، ومروره براكين وما بها من بنيان تراثي، وكان قد حدد مواقع لا بد من زيارتها أو السؤال عنها ما ان يكون الحضور في حضرة راكين، وهي: ''عين زبوبا، وعيون الشيح، وعيون الحفاير، وقعير خضرا، والهبجة، وخربة حبيش، وتلة الطويلة، والدير، ومزار السعيدات، وجبل الحباشنة المطل على البحر الميت''.
ولذلك فقد كنت حاضرا في المكان قبل أن أصله، وتتشكل في ذهني علامات استفهام حول التسميات، ومعها الذاكرة المختزنة حول المكان والإنسان في راكين.كما أنه قد عزز هذا الشعور أكثر، متابعتي لما أورده الدكتور محمد عدنان البخيت في المجلد الأول من دراسات في تاريخ بلاد الشام، من كشوفات بأسماء المرافق العامة في منطقة شرق الأردن بحسب سجلات دائرة أراضي الكرك، حيث يورد كشفا بآبار المياه في قرى الكرك، ومنها راكين التي يسجل فيها قطع الأراضي التي تحتوي على آبار في أحواض القرية''حوض1 ،3 ،4 ،5 ،6 ،7 ،9 ،13 ،14 ،15 ،16 ،17 ،18 ''، ويشير مثلا الى أنه في القطعة رقم 46 من حوض 6 والتي مساحتها 677 مترا، كان يوجد فيها بئران،وهي الوحيدة في القرية التي يورد هذه الملاحظة لها، كما أن البخيت يورد كشفا آخر حول عيون المياه، ويذكر أنه في راكين توجد ثلاث عيون واحدة في القطعة رقم 9 من حوض رقم 13 واثنتان في حوض رقم 2 في القطعتين رقم 8 و .12بينما توجد في راكين ثلاثون مغارة، موزعة على أحواض القرية، وفي بعض القطع توجد مغارتان، وبعض آخر فيها ثلاث أو أربع مغاور، بحسب الكشف الخاص بالمغاور الموجودة في قرية راكين.
«خانة.. وثلاثة دونمات»
إن التواجد الأول للحضور الإجتماعي في القرية كان في منطقة اسمها ''حبيش''..''واجو واتلايموا في هذه المنطقة من حوالي أكثر من مئة وعشرين سنة (120سنة)، وكانوا عدة عشاير هم الجعافرة، والحباشنة، والرماضين، والعرود، والعويسات، والرهايفة، والعساسفة''..
بهذا البوح عن الحياة الإجتماعية في راكين، يتحدث الحاج سالم يحيى الرماضين ''أبو محمد''، أحد كبار القرية، ويضيف قائلا: ''وكان الجعافرة مقسومين لجهتين، الشراقا وهم في راكين والكرك، والغرابا في بذان والكرك.
وفي الأول في منطقة راكين، كان هناك لهم بيوت شعر حوالين الخرابة، وبعدين بدو يبنوا، وأول من بنى حوالي ثمانية من أهلها، منهم ''محمد بن علاوي العساسفة، وناجي بن خلف الجعافرة، وابراهيم بن غنام الجعافرة، وأسعد الرهايفة، وبدر الرماضين (وهنا أشار الى أن بدر هو جده)، وسلمان العرود، وصالح العويسات (هاظ هو ابو عبد الغني)، ومن الجعافرة الغرابا مفلح بن رشيد، ومن العرود كمان الحاج خلف العرود، ومحمد الحباشنة..
بعد هيك لما اجو الانجليز وثبتوا الأراضي، وكان هذا عند محمد الحباشنة اللي سألوه عن الأراضي اللي حول القرية فقال الهم انه اللي شرق القرية للمسيحية، واللي من الجهة الثانية قال للمجالي، واللي من غرب شمال جاوبهم انها للقضاه والبشابشه والآغوات، واللي من جنوب غربها قال للمعايطة، وبعدين سأله وانتم وين يا الحباشنة ، فقال لينا خانه في القرية عند البركة، وثبتوا أول شي القرية الهم بعد هذي السولافة، وبعدين لما قويت الناس اتوسعت اشوية، واشترت حواليها، وانا مثلا اشتريت ألف دونم، وكان التثبيت في السبعة وأربعين(1947م)، وكان لهم خانة واحدة، ولكل عيلة 3 دونمات''.
صبيان قيس
في بطون الكتب إضافات متناثرة حول العائلة التي تسكن راكين، وهي متواجدة في عدة أماكن أخرى، حيث يفرد فريدريك بيك مساحة من كتابه لتوضيح بعض التفاصيل عن الحباشنة، ومن أين أتوا، وهو بذلك يضيف الى الذاكرة الشفوية، كلمة مكتوبة، نوردها في هذا المقام، حيث يقول: ''ويقولون أنهم من قيس عيلان، من العدنانية، ونخوتهم ''صبيان قيس''، وثمة رواية أخرى تقول أنهم قدموا الى الكرك من جبل قيس بفلسطين، أما إسمهم فإنه مأخوذ من قرية حبش (خربة حبيش كما يذكرها أهل القرية) الواقعة بجوار الكرك التي استقروا فيها مدة قبلما استوطنوا الكرك''.
القصر
أنتقل ومعي الأستاذ عودة الجعافرة الى مكان آخر من القرية، وأمر على القرية القديمة فيها، ببيوتها القديمة التي هي من حجر وتراب عتيق، وكأن أسقفها واحدة لا تتغير، ومن بينها بيت وكان بطابقين يعود الى شراري الجعافرة، هو مختلف قليلا عن بقيةالبيوت ذات الطابق الواحد رغم أنه تم بناؤه من ذات المواد الأولية، ولكن كل القريةالقديمة كانت مهملة، وبعض بيوتها تهدم، بينما قسم آخر صار للتخزين..
بقينا نتأمل هذا التراث القديم، وقد كان في هذا المكان كما يتذكر أهل القرية دروبا ودكاكين يتذكرون منها دكانين كانتا الأقدم وتعودان الى ''عبد الرزاق رجا الله الجعافرة''، و''كريم حماد العساسفة''، لكنني وأنا أبحث عن موقع هاتين الدكانين، كانت تدور في ذهني شوق لرؤية القصر الأثري القديم، الذي يقال بأنه موجود في منطقة القصر في القرية، ولم يتبق منه إلا بواقي آيلة للإندثار في هذه المرحلة.
المخاتير
يشارك في البوح عن القرية، وتاريخها المختار طايع سليمان العرود ''أبو محمد''، الذي ويعتبره أهل القرية أكبر مخاتيرها، حيث أنه يحمل لقب مختار منذ أكثر من 47سنة، ولم يتغير كل تلك الفترة، ويبدأ بسرد سيرة المخاتير القدماء كما يتذكر أسماءهم فيقول كان من المخاتير سالم محمود الرماضين، وعبد الكريم بن عوض الجعافرة، وطايع سليمان العرود، وجعفر محمد الحباشنة، وكامل عبد الغني العويسات، وسليمان الجعافرة، ومحمود مبارك العساسفة، وعبد ربه عطوة الرهايفة''.
هوشة البابور
يقول الحاج سالم الرماضين ''أبو محمد'' أنه أول من أدخل التراكتور الى راكين، هو والحاج شنوان حسين الحباشنة، والحاج سالم يحيى الرماضين، والحاج حمدو وبدر الرماضين، .
أما يوسف خليفة الحباشنة فهو من أدخل أول بابور الى البلد، وكان بابور ديزل جابه من عمان، من وادي الرمم من جماعة الجبالية هناك، وكان مختلفا عن طواحين سيل الكرك، اللي كانت تشتغل على المية، لكن كان الطحن هان يصير عالدور''.
وما ان انفتحت سيرة البابور والطحن حتى تواردت الى ذهن الحاج أبو محمد ذاكرة قصة يعرفها كل أهل الكرك، وهي ''هوشة البابور'' التي حدثت في احد بوابير الكرك وصاحبه كان من عائلة المدانات، وهذه الهوشة صارت بين رجل من الرهايفة ورجل آخر من عائلة ثانية في الكرك، ويسرد بعض التفاصيل الحاج أبو محمد قائلا: ''ويختلفوا على الدور، وتكبر السولافة، وتفزع من الكرك، ومن القرى القريبة، وظلت الهوشة يجي ثمن(8) ساعات، ووقفوا مع الحباشنة بهذيك الهوشة الهلسة، وكانن نسوان الهلسة يجيبن الحجارة بشليلهن للحباشنة، لكن اللي ثبت بهذي الهوشة، والله الحاج عودة العساسفه، وكان معه كمان عبد الرحيم محمد الرماضين، وعبد الكريم الجعافرة، وهو أخو لسليمان الجعافرة اللي انقتل بهذي الهوشة، ومحمود عودة الرماضين، وعبد النبي بن محمد الرماضين، وعبد المنعم الرماضين، وكان كل واحد منهم يسد شارع، واحد طخ طلق وانقتل رجل واتهم فيه سليمان بالقتل، وصارت على هذي السولافة وجوه وأيمان..''.
سيرة قرية
تقع قرية راكين في الشمال الغربي للكرك على تلة مطلة على البحر الميت، وتبعد عن مركز المحافظة 15 كم. تتبع راكين الى لواء راكين من محافظ الكرك.
الديموغرافيا:
يبلغ عدد سكان راكين 3178 نسمة( 1596 ذكرا و 1582 انثى) يشكلون 584 أسرة، تقطن في 716 مسكنا.
وتسكن القرية العشائر التالية: الجعافرة، الحباشنة، العساسفة، العويسات، الرماضين، العرود، الرهايفة، والطنشات.
التربية والتعليم:
توجد في راكين المدارس التالية:مدرسة راكين الثانوية للبنين،ومدرسة راكين الثانوية للبنات، ومدرسة الطبري الأساسية المختلطة.
الصحة:
يوجد في القرية مركز صحي أولي.
المجتمع المدني:
يوجد في القرية ناد تأسس عام 1991م هو نادي الزيتونة الرياضي، وهناك أيضا جمعية راكين التعاونية، وجمعية سيدات راكين، وجمعية تحفيظ القرآن.
راكين.. حبيش ورقين (1-2)
12:00 11-11-2006
آخر تعديل :
السبت