بين الرواية والتاريخ علاقة نسب، تتصل بالواقعة والروي، كما تتصل بالأصل والصورة، دون أن يكون لأي من التوصيفين أفضلية أخلاقية.والعلاقة بين الرواية والتاريخ متينة وواهية في آن، وتمتاز بالاقتراب والابتعاد، والتضادّ والتقاطع، وبمقدار ما تحمل الرواية من تفاصيل لأحداث ووقائع وشخوص، فهي تحاول بصورة أو بأخرى أن تشاكسها وتتمرد عليها وتكشف عن المسكوت عنه.فالرواية نفسها تمثل نتاج السياق التاريخي للتحولات في المجتمع والكون، وتمثل نوعاً من الصراع الخفيّ لحيازة سلطة المتخيّل وفضاء الكلام، وامتلاك مفاتيح الذاكرة.في الرواية يبدأ الصراع عند عتبة الكلمة، وعندما يتم ضخّ الدم في شرايينها وكسوها باللحم، يغدو السرد منطقة قابلة للحياة والحركة، وجغرافيا صالحة للاستيطان، ونواة لتشكيل التاريخ، فالتاريخ يبدأ بالمتخيل.هذا الكلام يقودنا إلى عدد من الأسئلة التي تتصل بمفهوم الرواية، وتأصيل المصطلح، بعد أن قرَّ في أعماقنا، أن الروية بدأت مع بروز البورجوازية الأوروبية في مواجهتها للإقطاع وسيطرة الكنيسة بحسب لوكاش.ومع الاتفاق على وجاهة الرأي، إلا أن الأمر لا يعفي من التوقف عند ملامح تطور السرد في الحياة العربية، وتحديداً في عصر الدولة العباسية، بظهور عدد من أصحاب المهن التي لم تكن موجودة في البيئة الصحراوية، وفي المجتمعات الجديدة برزت المهن المتصلة بالتقنية، وفي هذه المجتمعات برز عدد من المعنيين بالكلام والفلسفة والسرد.وعكسَ انتقالُ الإنسان العربي من فضاء الصحراء إلى حيز المدينة، اختلافَ وسيلة المنبر بالانتقال من تردد الصوت الشعري إلى خفوت الحكاية، وهو ما رافقه أيضاً الانتقال من محيط الذات إلى بيئة الموضوع، بما ينجلي عنه من حوار بين الحضارات وتعدد في الثقافات التي تعد أرضاً خصبة لمتخيل السرد، وفي كل ذلك لم يخلُ الأمر من وعي بالهويات.هذه التحولات الاجتماعية والاقتصادية والانفتاح على العالم، تجلّت في المتخيل والنص والخطاب الذي أبرز نوعاً من الصراع بين الملحمي والسردي، أو الشعري والروائي، والذاتي والموضوعي.ويجد المتتبع أن ظاهرة القصيدة، أو الشعر، قد نمت في حضن الطبيعة، وعبّرت عن نفسها عمرانياً وهندسياً وفق حياة الصحراء، فجاءت غالبية مصطلحاتها الفنية مقرونة بالجانب الحسي، ومنها: البحر، الوتد، العامود، الصدر، بينما جاء تقنين الأوزان والإيقاع في مرحلة متأخرة على يد الفراهيدي.أما السرد، فقد نما ضمن شرط خلخلة المكان والهوية والنسيج الاجتماعي، واختلاط الثقافات وتعدد اللغات، وبروز عدد من المهن الجديدة التي تتصل بالتقنية ومنظومة القيم المدينية، فعكست التحولات نفسها على أداة التعبير بظهور الحكي والسرد والتطريز والقص التي استعيرت من قاموس المهن.المسألة لا تتصل بالافتراق المعجمي والقاموسي حسْب، إنما تتركز عند الخطاب الذي سعى إلى إعادة تشكيل سلطة المتخيَّل، وتشخيص الهوّة بين الأنا والعالم، وتعيين الكلام بتقنيات جديدة تعرب عن تحولات النسيج الاجتماعي وصراعاته، وانفتاحه على الثقافات وقبولها في المتن.الرواية تتشاكل مع التاريخ، لكنها لا تكونه، ذلك لأن الأخير لا يتعدى الإخبار، أما الرواية فهي تصنعه بمتخيل غائب أو مؤجل، أو كما وصفها نقاد تكون ضد التاريخ .
الرواية والتاريخ
12:00 3-2-2012
آخر تعديل :
الجمعة