صلاح الجورشي صلاح الجورشي

الجورشي: الإنسان حُرّ في إدارته لخلافته على الأرض

الجورشي: الإنسان حُرّ في إدارته لخلافته على الأرض

حاوره: محمد جميل خضر - مسيرة فكرية معرفية إعلامية ممتدة، تستند إليها طروحات المفكر التونسي صلاح الدين الجورشي، وتنهل من مراحلها، وتبحر فوق أمواجها. وفي حالة المفكر الإسلامي المستنير، فهي لم تكن مسيرة نظرية تنظيرية، بل توهجت في أتون التجربة، واختمر حصادها في الميدان، بوصف الجورشي واحداً من مؤسسي الجماعة الإسلامية سبعينيات القرن الماضي في تونس، مع راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وغيرهما، قبل أن يفترق فكرياً ومنهجياً عنها، متخذاً ما أصبح يعرف بعد ذلك ب»اليسار الإسلامي»، أو الإسلام وفق منظور ديمقراطي ليبيرالي، سبيلاً جديداً لإطاره السياسي، ووجهاته الفكرية التنظيرية.الصراحة المصانة بالوقار، الفكر الثاقب المحصن بالمثابرة والمراجعة المتواصلة، التواضع المزيّن بالثقة، الاستشراف المرتكز على فراسةِ المطل العميق، كلها، وغيرها صفات قارّة داخل وجدان الجورشي صاحب كتاب «قراءة في فكر سيد قطب/ الحركة الإسلامية في الدوامة» الصادر العام 1985، ومُشَكّلة بدلالاتها وتغذيتها الراجعة مزيج شخصيته الفذة وفكره الخلاق.الجورشي الذي منعه السجن من مواصلة دراسته الجامعية، استعاض عن مقاعد الدرس برفوف المكتبات، وتوّج معارفه بالانخراط في منظمات المجتمع المدني المنافحة عن حقوق الناس بالحرية والكرامة، فلم يتردد بعيد خروجه من السجن بالانضمام إلى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (أول منظمة لحقوق الإنسان في العالم العربي وإفريقيا) كما يبيّن الجورشي في حوار أجراه «الرأي الثقافي» معه على هامش محاضرته «الحركة الإسلامية في تونس- التاريخ والتحديات» التي زار من أجلها الأردن بدعوة من مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية. كما واصل الجورشي إضافة إلى هذا الجانب الحقوقي، تطوير رؤاه الإسلامية مستفيداً من فسحة الاجتهاد وآفاقه التي يرى أنها آفاق لا محدودة، ولا ينبغي تعطيلها، أو التعامل معها بوجل أو تردد أو في إطار ضيّق من إعمال العقل وسعة الأفق واتساع الصدر.في هذا الإطار يقول الجورشي: «علينا أن نميّز بين ما جاء به الإسلام وما جاء من أجله»، وهو ما يقود للبحث في مقاصدية الإسلام «أي المنهج المقاصدي الذي يجعلك عندما تريد أن تفهم نصاً ما أو حكماً شرعياً ما أن تطرح السؤال التالي: لأي غرض وُجد هذا النص؟ ولِمَ شُرِّعَ هذا الحكم. أي النظر إلى ما تشير إليه الإصبع، وليس الوقوف عند الإصبع نفسها كما قال الجاحظ».هنا، تصبح مسألة النجاح في فهم المقاصد أو الفشل فيها، «مسألة نسبية» بحسب الجورشي، لأن الجهد هنا ليس مرتبطاً بأداء مجموعة بعينها، بل هو «فعل متواصل يجب أن يقوم به بعض المسلمين بهدف الوصول إلى تراكم نوعي ينقل الثقافة الإسلامية من مستوى إلى آخر».يقول صاحب كتاب «تجربة الإسلاميين التقدميين/ التفكيك وإعادة البناء» الصادر العام 2007 في سياق «سؤال الغاية»: «نحن طرحنا السؤال: لماذا جاء الإسلام؟ وقبله طرحنا سؤال: لماذا الإسلام تحديداً؟ وكانت الإجابة أنّ الدين ضرورة معرفية وتاريخية وليس كما قال (إيمانويل كانْت) إنه مرحلة من مراحل الوعي الإنساني. ولكي نثبت أن الدين يحمل كل هذه الشرعية يجب أن نحرره من التأويلات التي حوّلته إلى أقوال فقهية وأحكام لتيارات وجماعات. أي علينا أن نذهب إلى جوهر الدين لاكتشاف فلسفته، وهو ما جعلنا نعتقد أن الدين في خدمة الناس وليس الناس في خدمة الدين، وشتّان ما بين السياقين». هي إذن، فكرة جوهرية، شغلت بال الجورشي ومن يتبنون أفكاره مفادها أن الإسلام «دين «كونيٌّ وليس ديناً عربياً أو فارسياً»، كما انشغلوا بكيفية إثبات ذلك، وأن الإسلام يمكن أن يكون في مصلحة الصينيين والأفارقة وأبناء أوروبا الشرقية. وهم لن ينجحوا في ذلك، يقول الجورشي، إلا «بإعادة بناء المنظومة الدينية كلها، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تفعيل فكرة المقاصد».الجورشي، وفي سياق إجابته عن سؤال حول مقولة «الإنسان الخليفة» في القرآن الكريم، وصف تلك المقولة بأنها إعادة اعتبار للإنسان «كممثل للإله في الأرض»، وأوضح: «مقولة (الإنسان خليفة) ينبغي أن نربطها بمقولة أخرى تتعلق بانقطاع الوحي بعد الرسول محمد. أي أنه بعد الرسول الكريم يوجد الإنسان الذي يتمتع بكامل صلاحيات الخلافة، فيحق له أن يجتهد ويواصل مهمة الأنبياء عبر حركة اجتهادية واسعة ومن دون سقف». من هنا فإن الجورشي يدعو إلى «اجتهاد مطلق يجعل من الفتاوى السابقة جميعها جزءاً من التاريخ ولا يمكن أن تكون متعالية عليه (أي على التاريخ). وفي سياق إيضاح ما تقدم، يقول الجورشي: «عندما أتحدث عن الاجتهاد المطلق فأنا لا أقصد بذلك تقليل عدد الصلوات في اليوم من خمس إلى صلاتين، أو أن نجيز إبطال شهر رمضان، ولكن نريد أن نبيّن أن العقيدة فكرة متحركة لا تستمد قيمتها من مجرد النصوص التي تحدد قواعدها، ولا من مجرد العبادات التي حُدِّد شكلها، وإنما تستمد هذه العقيدة قيمتها من مدى قدرتها على أن تجعل الإنسان المؤمن متصالحاً بينه وبين نفسه، ومتعايشاً مع غيره مهما كانت معتقدات هذا الغير أو قناعاته. ومن هنا علينا أن نؤسس العقيدة على مفهوم الحرية؛ أي حرية الفرد في أن يؤمن أو أن يغيّر دينه، أن يلتزم بالمحرمات أو أن يخالفها، دون أن يؤدي ذلك إلى المس من حريته. أي تحقيق التعايش ضمن التنوّع. هنا نخرج الإيمان من دائرة الوصاية إلى دائرة الاختيار والإبداع والدفاع عن المختلف، بوصفه كائناً إنسانياً يتمتع بمختلف مقومات الحرية». بعد تجربته القصيرة مع الجماعة الإسلامية التونسية التي جاءت لتعبّر عن نفسها كامتداد إقليمي عالمي لجماعة الإخوان المسلمين. قرر الجورشي، كما يوضح، أن ينعتق نهائياً من ضيق العمل السرّي: «رأينا في العمل السري أسلوباً عقيماً يخلو من ثنائية الفرد ويعمّق الفجوة بينه وبين مجتمعه، وبناء عليه حاربنا السرية ودعونا إلى العلنية بوصفها الخيار الأسلم». كما قرر مراجعة فكر سيد قطب الذي كان مهيمناً على أدبيات الحركة في بداياتها. و»بعد التخلص من فكر سيد قطب وجدنا أنفسنا نقيم قراءة نقدية لحركة الإخوان المسلمين بوصفها كبرى الحركات الإسلامية، ومن نقدنا ل(الإخوان) انتقلنا إلى نقد الجذور الفكرية للمدرسة السنيّة، خصوصاً في بعدها السلفي، وهو ما جعلنا أقرب إلى مدرسة الاعتزال وابن رشد».هي مراجعة، وراء مراجعة، قادته، ومن معه، بالتالي، لمراجعة التاريخ الإسلامي وصولاً إلى الفتنة الكبرى التي «قادتنا –والكلام له- إلى إشكالية العلاقة بين النص والعقل. في ضوء هذه التحولات طالبنا ب(تونسة) الحركة الإسلامية، أي إحداث مصالحة بيننا وبين الحركة الإسلامية التونسية التي تعود إلى أواسط القرن العشرين». عن تجربته مع مجلة (15 21) والفكرة من وراء تأسيسها، يوضح الجورشي مؤسس منتدى «الجاحظ» في العام 1989 ورئيسه منذ ذلك الوقت، أن المجلة تأتي في سياق الدعوة إلى مراجعة العلاقة مع الغرب، وتحديداً التمييز بين السياسات الدولية من جهة، وبين البعد الكوني للثقافة الغربية. وهو يرى أن المجلة، في هذا السياق لعبت دوراً يتمثل في «الصدمة» ليس فقط داخل الساحة الإسلامية التونسية، وإنما أيضاً بين أوساط النخب التونسية الحداثية، حتى إنها دفعت هذه النخب إلى مراجعة مواقفها من الإسلام وقضايا التراث، «بعد الغربة التي عاشتها هذه النخب نتيجة المراهنة على حداثة غير مؤصّلة في سياقها الثقافي العربي الإسلامي».التفاعل مع مجلة (15 21) كرّس، بحسب الجورشي، قطيعة معرفية مع الفكر الإسلامي الحركي، وأسهم في انطلاق مغامرة معرفية مفتوحة، وهي مغامرة «أثّرت في ما بعد على المسار الفكري للحركة الإسلامية التونسية التي تعد حركة النهضة فصيلها المركزي».وحول إشكالية مصطلح «إسلاميون تقدميون»، وكيفية تفكيك مركّباته، يقول الجورشي: «عرّفنا أنفسنا أننا إسلاميون لأننا تمسكنا باعتقاد أن للإسلام دوراً مهماً ومحورياً في إعادة صياغة الأوضاع الفكرية والاجتماعية والسياسية والمعرفية للواقع المحلي، وللواقع العربي والإسلامي. كما إن تمسكنا بصفة (إسلاميين) مردّه إصرارنا أنْ نبيّن أنّ الساحة الإسلامية ليست متجانسة بالضرورة، وأنها قد تكون متنوّعة ومتعددة في معالجتها لمختلف القضايا، ومتباينة زاويا النظر إليها». ويضيف: «ربطنا صفة (إسلاميين) بالتقدمية للتأكيد أن هناك قراءات داخل الساحة تستند إلى القياس على الماضي لتعيد إنتاجه بأي شكل من الأشكال. وأردنا أن نقول أيضاً إن الإسلام ليس صورة تجسّدت في الماضي، وإنما هو مقاصد تسمح ببناء نماذج للمستقبل، ولهذا كنا نؤكد أن المطلوب ليس استخدام مصطلح العودة إلى الإسلام، بل التقدم نحو الإسلام، وفي قلب المعادلة تغيير جوهري لفهم علاقتنا ونصوصه المرجعية».الجورشي يشير في هذا السياق إلى أنهم ركّزوا على الانتقال من الدائرة الغيبية إلى دائرة الحاضر والمستقبل، «بمعنى أننا عددنا الواقع بما يختزله من مشكلات هو الذي يجب أن يكون محور اهتمام المسلم من أجل تغييره نحو الأرقى، وبالتالي أصبح الواقع منطلقاً مساعداً لإعادة العلاقة بالعقيدة من جهة، وبالعالم الغيبي من جهة أخرى، وبالعبادات من جهة ثالثة».يوضح الجورشي: «عندما أنطلق من مقولة إن الواقع السياسي المحلي والعربي والإسلامي يعاني من وجود أنظمة مستبدة تطارد الحقوق والحريات، فهذا من شأنه أن يجعل قيمة الحرية هي المحدد الرئيسي في فهمي لمخزوني الإسلامي. وهو ما يدفعني، أيضاً، وأيضاً، إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الحرية الذي كاد يغيب في التراث الإسلامي، وبدل أن يرتبط بعملية التحرر الفكري والسياسي، جرى ربطه فقهياً بالمصطلح المعاكس لمفهوم العبودية، أي الرقيق».الإنسان، إذن، وبحسب ما يرى الجورشي، هو «خالق أفعاله، وليس منفذاً لإرادة تتجاوز إرادته كفرد». ويتابع: «استناداً إلى هذا، أعدنا تأسيس مفهوم الفرد في إطار السياق الثقافي والديني، لإحساسنا أنه ضاع أو ذاب داخل مفاهيم من قبيل الأمة أو الجماعة، وأصبح عاكساً لإرادة المحيطين به بدل أن يكون محوراً لمصيره وفاعلاً في محيطه».الجورشي، ومن معه، يسعون، كما يبيّن، إلى تحقيق فكرة أو إمكانية التعايش ضمن التنوّع، أي «إخراج الإيمان من دائرة الوصاية إلى دائرة الاختيار والإبداع والدفاع عن المختلف بوصفه كائناً إنسانياً يتمتع بمختلف مقومات الحرية».وهو يرى أن ما ترتب على الثورة التونسية، وما أفرزته نتائج الانتخابات التي أعقبت الثورة، إنما يأتي في سياق النتاج الطبيعي لنمط الحكم الذي ساد في العهد البورقيبي وعهد زين العابدين بن علي، وكنتيجة للفساد الذي تحوّل إلى منظومة في العهد السابق، «ما جعل التونسيين، أو على الأقل قطاعاً واسعاً منهم، يبحثون عن البعد القيمي والأخلاقي في الأطراف السياسية البديلة. أي أن جزءاً من التصويت لحركة النهضة يمكن تفسيره برغبة مجتمعية في إعادة الربط بين السياسة والأخلاق».الجورشي يضيف إلى ما تقدم أن حركة النهضة تملك «آلة» انتخابية قوية. كما إنهم، كما يورد، طوروا خطابهم وتبنوا كثيراً مما طرحه الإسلاميون التقدميون في مرحلة التأسيس، ما أضفى على خطابهم، «صفة الحركة المعتدلة والمطمئنة». يقول: «ما تقدم وغيره عوامل بلا شك ساعدت الحركة على تسويق خطاب (النهضة) السياسي، ولكن ما أخشاه أن تبدأ مؤشرات التراجع بالازدياد». وهو يتوقف عند موضوع إلغاء قانون منع تعدد الزوجات على أنه يُعدّ من الشواهد على هذا التراجع، وصولاً إلى تغيير المشروع المجتمعي الذي ميّز التونسيين منذ بناء الدولة الوطنية. وفي هذا السياق يقول: «أنا غير مقتنع أن تعدد الزوجات من شأنه أن يحدّ من الفساد الأخلاقي أو يقضي على ظاهرة العنوسة كما يذهب بعض المؤيدين للقرار. وإذا عدنا إلى التاريخ فإن تعدد الزوجات ومعهن الإماء والجواري لم يمنع من انتشار الفساد، بل وحتى ظاهرة اللواط في مراحل أساسية من التاريخ الإسلامي، خصوصاً أواخر الدولة العباسية. وعندما نتوقف عند مسألة تعدد الزوجات نجد النص القرآني يشترط لذلك تحقيق العدل بين النساء، ثم يردف ذلك ب(لن تعدلوا)، أي أن المقصد بهذا الحكم هو الزوجة الواحدة وليس التعدد. ولو كان التعدد مرغوباً به فلماذا رفض الرسول أن يتزوج عليٌّ على فاطمة، وقد غضب عندما سمع أن علِيّاً ينوي أن يفعل ذلك».ويذهب الجورشي في توضيح موقفه إلى أكثر من ذلك: «الذين يقولون إن هناك من يتزوج بسبب مرض زوجته أو عدم إنجابها، لماذا لا يجري التعامل عكسياً؟ أي لماذا يُطلب من الزوجة أن تصبر على زوجها إذا مرض أو كان لا ينجب، خصوصاً أن معظم حالات عدم الإنجاب سببها الرجال؟! ودائماً يُطلب من المرأة أن تضحّي وتقبل بزوجة ثانية». وهو بذلك يعود إلى المقاصد، بمعنى أن المقصد في موضوع تعدد الزوجات هو تحقيق العدل، و»في غياب المقصد يصبح الفعل -أيّ فعل- باطلاً».