كتابة وتصوير مفلح العدوان - دائما في الصحراء متسع للترحال، والتنقل.. ولذا فلم تكن فكرة الإستقرار الكامل لتخطر على بال البدو الذين كانوا يتنقلون حول قصر الحلابات حيث هناك بعض مواضع مرابعهم ردحا من السنة، غير أنهم في القرن الماضي استقروا في المكان، وأقاموا فيه، وانسحبوا طواعية من حياة التنقل الى سكينة الاستقرار، وهم يشكلون الآن بنية المجتمع الذي يبث الحياة في قريتي قصر الحلابات الشرقي وقصر الحلابات الغربي.
ولما ارتحل بنا بساط البوح نحو البحث عن تلك الذاكرة المعتقة، هبط بنا في بيت شعر بني أمام بنيان من الحجر، على مرمى التفاتة من قصر الحلابات في قرية قصر الحلابات الغربي، وكان المتحدثان عن تلك المرحلة هما الحاج «معيان دليمان العثمان» «أبو محمد»، والحاج «مقبل زايد الغبين» «أبو عبد الله»، بينما كان رفيق التجوال في القصر والجامع وحمام السراح معنا أيضا وهو «فلاح العثمان» «أبو حمزة»، وكان بدء البوح حديثا عن البدايات الأولى للاستقرار والذي قال عنها الحاج «معيان العثمان» «أبو محمد» بأن: «هذه المناطق «الحلابات الشرقي» و«الحلابات الغربي» كلها من العثمان اللي يرجعوا للزبن من عشاير الصخور، وكلهم عيله واحده، وزمان أول كانت هذه المنطقة صحرا، بس فيها خير، ومن قبلنا كانوا يحبوها ويجوها عشان الهوا الطيب، وعشان المراعي والغزلان للصيد».
لكن هذه المنطقة، في مرحلة أخرى، كان الناس يخافون الإقامة فيها من كثرة الغزوات والحروب، ولهذا لم تكن مرغوبة لضعيفي القلوب، ولا يسكنها، ويستقر بها إلا الشجعان الأقويا، حتى أن هناك قولا يتناقله أهل المنطقة وينسبونه الى الشاعر الحجازي حيث يقول:
«ان جيتم الزيزا تراكم تخافون
بالليل سمع وبالنهار التفاتي»
ويعني بذلك أن هذه المنطقة بين الزرقاء والأزرق هي منطقة خوف، وحذر دائم، لأنه في النهار يكون خوف من أي شىء تسمعه، وفي الليل يبقى الواحد فيها مترقبا أية مفاجأة هناك.
قصور السهل
هذه المنطقة كان البدو يسمونها «قصور عبيدان»، وعبيدان هذا هو شيخ العثمان، وله قصة مع المكان، وتثبيت الأراضي للعائلات التي سكنت فيه، ويروي بعض تلك التفاصيل عن تداعيات التسمية، وتسجيل الأراضي، الحاج أبو محمد قائلا: «نزل عبيدان هان بهالمنطقة، وكان هو وجماعته بدو رحل، بس أيام الأمير عبد الله مع بدايات الامارة، بدا التسجيل للأراضي، وكان مستلمها هذيك الأيام كلوب باشا اللي كان قايد للجيش، ويوزع الأراضي ويسجلها من عنده، وصار يسجل بهالأراضي، ويوم من هالأيام مر عليه الشيخ عبيدان، فقال له: «يا عبيدان خذ أراضي وسجلها». فكان رد عبيدان للصاحب، واحنا كنا نقول عن كلوب بهذيك الأيام الصاحب.قال الشيخ عبيدان للصاحب: «أنا ودي منطقة قصور السهل». وهذه المنطقة هي كانت تتسمى «قصور السهل» والمقصود بيها منطقة قصر الحلابات.
وكان رد كلوب: «وانا معطيك قصور السهل، فتمسك بيهن يا عبيدان مثل غيرك من الشيوخ اللي بالمناطق الثانية».
ويكمل الحاج أبو محمد الحوار قائلا: «ولما انتهى الكلام بين الاثنين قال الشيخ عبيدان لكلوب: «لازم تتقهوى عندنا». وبالفعل اجا الصاحب، ونزل بالمراح عندنا، واتقهوى عند عمي عبيدان، واتسجلت الأرض النا».
تكملة التفاصيل بعد هذا اللقاء بين كلوب باشا والشيخ عبيدان تشير الى أن عبيدان واخوانه وأبناء العشيرة قاموا بترميم الآبار التي كانت في قصر الحلابات، واستصلحوا القنوات هناك، كما أنه كان «هناك بركة رومانية اشتغلوا بيها ورمموها، وكانت تتجمع المياه فيها، فكان يستفيد منها الناس حولها والماشية كمان، بس الإبل كانت ترد على نهر الزرقا والسخنه، كانت ترد وترجع، وتاخذ خمس ايام بالميه اللي تشربها من الزرقا، وكان العيال والعيلات تشرب من الآبار والبرك بقصور عبيدان».
صارت المنطقة معروفة بـ«قصور عبيدان»، وصارت مأهولة بالناس فيها، رغم أن حياتهم التي تعودوها بقيت مستمرة إلا أنه صار هناك نظام مضاف الى حياة التنقل يبقي البعض في المنطقة، إضافة الى أنهم صاروا يزرعون بغرض سد الحاجة، والمونة، وليس للبيع، يعني «لمونة العيال، وعليق الخيل».
الوحدات السكنية
يقول الكبار من أهل القريتين أن العثمان بقوا في بيوت الشعر حتى أول الستينات حيث بنيت أول البيوت في القرية، وكانا بيتين، ثم استقر أبناء العثمان حولهما، وصار وعيهم أكثر بقيمة الأرض، فطالبوا هؤلاء بأراضيهم، وحدث الاستقرار بشكل أكبر بعد ذلك، وتقلص ترحالهم، حتى انهم لم يعودوا يردوا باتجاه الزرقاء لسقاية ابلهم وأغنامهم.
ويضيف الحاج مقبل الغبين «ابو عبد الله» أن مشروع ري وادي الظليل عندما تمت اقامته في وادي الظليل، كانت الحلابات هي المستفيدة من الآبار التي حفرت هناك، حيث كانت معظم المزارع موجودة في الحلابات، كما أن سلطة المصادر الطبيعية قامت بعمل وحدات سكنية من أجل حثهم على الاستقرار، فاستفادوا منها، والبعض أسكن فيها من عملوا عند أهالي القريتين بالمزارعة، في أراضيهم
العثمان
يروي الحاج أبو محمد أن عمه الشيخ عبيدان عندما جاء الى منطقة الحلابات كان عنده 3000 رأس من الإبل، ولم يسكن زيزياء الموقع الثاني الذي تتواجد فيه عشيرة الزبن، لكنه، بحسب قول أبو محمد، آثر أن يستقر في هذه المنطقة من أجل سقاية الإبل وتوريدها بين الأزرق والزرقاء.
كان هذا مفتتح الحديث عن عشيرةالزبن التي يقول أبو محمد أن «العثمان من عيال الزبن، وكان عثمان هو ولد حمد الزبن، وكان صاحب ابل ورجل كريم وزعيم، وكل مرة يكون بمكان، يعني أبو عثمان اسمه حمد، وحمد كان له اخوان اثنين هما محمد ومحمود وكانوا الثلاثة عيال زبن».
يكمل تتبع العشيرة بعد زبن حيث يقول الحاج معيان العثمان «محمود مات وما خلف، لكن محمد ذريته الآن هم الزبن اللي في منطقة زيزيا، أما حمد فخلف عيال اثنين هما عثمان وكنعان..عيال كنعان هم ثلاثة اساميهم (دهيثم وراشد ورويشد)، أما عثمان فعقب سبع عيال هم «شهوان (الولد البكر، وشايع، وبركه، وتركي، ومحمد، وخلف، وفلاح)».
الانجليز
يقول أهل القريتين أن كبارهم يتذكرون بأن الإنجليز كانوا يعملون إنزال لقواتهم في هذه المنطقة، وإلهم مناورات في المساحة التي حول القصر، وكانوا يضعون قريبا من أبنية قصر الحلابات أهدافا عسكرية، وعندما يقصفونها كانت بعض القذائف تصيب القصر، فتهدم أجزاء منه..وبقيت هذه المناورات تحدث، وتؤثر على القصر والقرية حتى عام 1952م.
خربة خنا
قريبا من الحلابات..
وهي آثار قديمة تتبع لحوض مزرعة الحلابات، يتحدث عنها أهل القرية بأنها «خربة خنا»، وهي من كثرة ما يعتقدون بأنها موغلة في القدم، وأنها شهدت أحداثا كثيرة، يتكلم عنها بشكل اسطوري الحاج والشاعر «أبو عبد الله» بقوله أن فيها إشارات آثار قديمة، وتاريخها مرتبط بتاريخ بصرى الشام، ثم يورد شعرا شعبيا متوارث عنها، وهذا الشعر مرتبط بتغريبة بني هلال الشهيرة، حيث يقول:
«وين الوهيدي ووين ابن شداد
سليمان ابن داوود قديش بنا
من تونس الخضرا لدار بغداد
ولارض العجم وديار بصرى وخنا
يا ما هفا بينا مخاليف واجداد
يا ناس وين اسلافنا ووين اهلنا
جيل يروح، وجيل يجيك من غاد
ابقى سلفهم والمظاهير حنا
وهظاك مصدر وهظاك وراد
وهظاك حشولها الرحايل ودنا»
وبعد أن يكمل القصيدة يوضح أبو عبد الله أن المقصود بالسلف في القصيدة هو أنه عند رحيل البدو، هناك مجموعة من الخيل تسبق القوم، وهؤلاء يسموهم السلف.أما المظاهير فهي الجمال المحملة بالأمتعة والنساء والأطفال، وهي تمشي على مهلها.
اراضي الخزينة
يروي الحاج ابو محمد أنه في الستينات كان أبو هاشم (الشريف محمد هاشم) كان بالبادية وهو مسؤول الأراضي وتسجيلها، و«قام وطلع فرقة مساحة عالحلابات، ومسح الارض من حدود الحلابات الشرقية اقصى حدود الغربية، من طريق المفرق الزرقاء القديم حتى نهاية الحلابات بالجهة الشرقية، وفوضت الأراضي بحسب قسمته الى الأهالي، إلا أن الفرقة أبقت على أراض باسم خزينةالدولة، وبقيت هذه الحال حتى عام 1992م حيث نزلت فرقة مساحة ثانية وسجلت أراضي جديدة باسم أصحابها ومن أراضي الخزينة، واستثنوا اراضي اخرى من الخزينة ولم يسجلوها باسم أصحابها، والآن تقوم الدولة بتأجيرها لاصحاب المقالع والكسارات وبعضها يستثمر الآن بدون أجر، والقرية تعيش تحت زلازل دائمة واهتزازات من التفجيرات والحفر فيها»..
الشريف ناصر
ان ذاكرة المساجد في القرية مرتبطة بالمسجد الأموي القديم فيها حيث أن الزائر الى الحلابات الغربية سيرى بالقرب من القصر بناء يتم ترميمه، ويقع على بعد 14مترا من الزاوية الجنوبية الشرقية للقصر، حيث أنه مسجد مستطيل الشكل مساحته(7,11* 77,10م) يقسمه الى ثلاثة أروقة صفان من الأعمدة التي تعلوها تيجان تشبه التيجان النبطية، وفي منتصف الحائط الجنوبي محراب مجوف تحيط به دعامتان مربعتان، ويقع الباب الرئيسي في الجدار الشمالي، وهناك مدخلان فتحا في الجدارين الشرقي والغربي، ويشير لانكستر الى أنه قد «دلت الكسر الفخارية المتناثرة في الموقع، كذلك الكتابات الكوفية على بعض الحجارة، أن المسجد انشىء في العصر الأموي، وفي الغالب خلال فترة (709-743م)، (910125ه)».
لكن أهل المنطقة يضيفون الى تلك الذاكرة التاريخية القديمة سيرة أخرى لجوامعهم الحديثة حيث يتحدثون عن جامع بني بالثمانينات من القرن الماضي في الحلابات الغربي، إلا أنه يوجد أيضا قبله جامع كان قد تبرع ببنائه الشريف ناصر وذلك في عام 1976م وكان كل معماره على نفقة الشريف الخاصة.
«وروح أسعد»
يقول الكبار من أهل القريتين أن مقامات أجدادهم وقبورهم ليست هنا..
ويلتفتون شرقا باتجاه باير، حيث هناك قبر جديهما أسعد وفرج، ويتحدثون بأن آباءهم كانوا يزورون قبر (مقام) الجد أسعد وهو من «عيال زبن»، وهم يعتقدون أنه ولي صالح، ويروي بعض أهل الحلابات أن هناك أناسا حتى الآن يزورون ذلك القبر، خاصة وأنه بحسب رواية الحاج «أبو محمد» أن الشيخ سامي مثقال الزبن قام بترميم هذا المكان، وبنى عليه غرفتين، تكريما لأحد أجداد العائلة.
يتحدث أهل الحلابات بأن القدماء كانوا يحملون «ذبائحهم وبوابير الكاز وكانوا يبنوا الخيام ويطبخوا عند القبر، ويحلفوا ايمانهم (وروح أسعد) كما أنهم عندما يقطعوا وادي باير كانوا يصرون على أن يعشوا أسعد(أي يقدموا له تقدمة، أو يذبحوا عنده من حلالهم) قبل أن يتعدوا من الوادي».
المجلس والمدرسة
صار كل منطقة لها مختار..
هكذا بدأ الحاج «أبو محمد» حديثه عن سيرة المجلس القروي والتدريس في المنطقة، وأكمل قائلا، وصار عندنا مختار، وصرنا بحاجة للمدارس، وصار الناس يتبرعوا للمختار لتحسين القرية، وبنينا مدرسة بالحلابات الشرقي «حمام السراح» من هذه التبرعات وبعدين عملنا مدرسة بالحلابات الغربي بعد هيك، واتذكر انه بالخمسة وستين كان بالمدرسة شاب من الخليل وهو أول واحد كان معلم فيها.
في الثلاثة وسبعين (1973م) تشكل مجلس قروي الحلابات الشرقي والغربي لعشيرةالعثمان، وظل حتى عام 1977م، وصار شوية خلافات في المصالح، فانقسم الى مجلسين، مع انه ما في بين الحلابات الشرقي والحلابات الغربي إلا أقل من أربعه كيلو، ولكن ظل المجلسين قائمين ومتعاونين حتى الثمانينات، وفي عام 1993م انضمينا لبلدية واحدة بلجنة تعيين من الدولة، والآن احنا تابعين لبلدية الحلابات.
أما العيادة فيقول بأنها صارت في الـ«73» بحي الإسكان بالحلابات، والممرض كان اسمه فلاح العبادي من عيلة العويدي، وقعد فيها 15 سنة لحتى ما تزوج ورحل لعمان، وهو الآن مقيم في واي السير.
قصر الحلابات..قرية العثمان، وقلعة الحلبات (2-2)
12:00 4-11-2006
آخر تعديل :
السبت