نساء البشتون يعبرن عن أوجاعهن شعرا شعبيا .. بقلم : د.أماني سليمان

نساء البشتون يعبرن عن أوجاعهن شعرا شعبيا .. بقلم : د.أماني سليمان

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 3-11-2006
No Image
نساء البشتون يعبرن عن أوجاعهن شعرا شعبيا .. بقلم : د.أماني سليمان

يقدم كتاب اللانداي: الشعر الشعبي للنساء البشتون الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت العام 2002، فرصة نادرة للإطلالة على هموم المرأة الأفغانية وبالذات نساء البشتون الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان الأفغان، وقد اشتهر أمرهم بعد تشكل جماعة طالبان التي يكون رجال البشتون عمادها ومعظم أفرادها ومقاتليها. والكتاب الذي نتحدث عنه من ترجمة جميل صلاح اعتمادا على كتاب المؤلف والأديب الأفغاني سعيد بهو الدين مجروح الذي قام بجمع قطع من شعر اللانداي بهدف توثيقها ونقلها إلى العالم الذي لا يعرف عن إفغانستان سوى القتل والحروب، وقام الشاعر الفرنسي أندريه فيلتير بترجمة مختارات بهو الدين مجروح إلى الفرنسية. ثم أضاف لها المترجم العربي فصلا كاملا غير موجود في الكتاب الأساسي -الذي حذف منه نص الشاعر الفرنسي- يشتمل على قصائد مختلفة من اللانداي النسائي والرجالي أيضا.
أما سعيد بهو الدين مجروح فكان قد ولد في العام 1928، واغتيل في بيشاور العام 1988، وهو حاصل على دكتوراة في الفلسفة من جامعة مونبلليه، وعمل عميدا في كلية الآداب في جامعة كابول، وحاكما لمقاطعة كابيشا بعد الاحتلال السوفياتي لإفغانستان. نفي إلى بيشاور، حيث أسس مركز المعلومات الأفغاني الذي نشر في العالم تقارير كاملة وتحاليل حول المقاومة. له ملحمة صغيرة بعنوان الوحش الأناني جمع فيها الأعمال الشعرية الأفغانية الرئيسة في القرن العشرين.
وعندما ننتهي من صفحات هذا الكتاب، فسندرك صورة أخرى مغايرة لما ألفناه من فكرة احتجاب المرأة الأفغانية خلف جدران العادات والقيم والدين، وعدم ملامستنا لدورها الفاعل في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية..؛ تظهر المرأة في قصائد اللانداي بوصفها مبدعة لهذه القصائد وموضوعا فيها، حيث يتجلى وجه آخر لها أو لنقل وجهها الحقيقي بوصفها إنسانة لها انفعالاتها ومشاعرها وأحلامها وهواجسها وقلقها ورغباتها وشكاواها.
واللانداي نوع من أنواع الأدب البشتوني الشفهي يذيع وينتشر دون معرفة قائله على نحو ما هو مألوف في الآداب الشعبية التي ينسب تأليفها للذاكرة الجمعية وليس لمؤلف فرد. ويقوم اللانداي على مبدأ الشعر المرتجل في مناسبة ما، ثم يحفظ، وسرعان ما يغدو جزءا من الذاكرة الجماعية، يساعد في ذلك اتسامه بما يتسم به الأدب الشفهي عادة من سهولة التركيب والابتعاد عن التعقيد النحوي والبلاغي، إضافة إلى الكثافة الدلالية والقيمة الثقافية المعبرة عن أحوال جماعية متوارية.
واللانداي في معناه الحرفي هو الموجز، وبذا يغدو حجمه ذريعة لتسميته، فهو قصيدة قصيرة جدا، تتألف في الغالب من بيتين أو سطرين من الشعر الحر، يتكون الأول منهما من تسعة مقاطع، ويتكون الثاني من ثلاثة عشر مقطعا (والمقطع هنا ليس بمعنى المقطع الشعري، بل بمعنى المقطع الحروفي)، ولا يلتزم هذان السطران الشعريان بقافية محددة، غير أن ثمة موسيقى داخلية تتخلق عبر الإيجاز والتكثيف اللغوي والإيحاء الدلالي.
وينتمي اللانداي من ناحية أخرى إلى الشعر الغنائي الذي ينطق وفق مقتضيات الصوت الأول في الشعر، أي أنه يتعلق بالذات وضمير المتكلم، فيصف شعورا أورغبة أو شكوى، ويميل إلى التعبير عن مشهد حياة بكر ومجتمع بسيط، فيه بوح واعتراف بالمشاعر المسكوت عنها عادة خصوصا ما يتصل بالبعد المادي، تظهر فيها المرأة البشتونية جريئة متمردة أنوفة مقابل الرجل المرغوب والمحلوم به في هذه الحالة.
وتبدو هذه المضامين الشعرية كرد فعل طبيعي من المرأة تجاه الرجل، حيث إن وضع المرأة في مجتمع البشتون ليس بالوضع السهل، فلمجتمع البشتون تركيبة قبلية ودينية خاصة، وهو يتألف من مجموعات من المحاربين، ولا ينال حقوقه كاملة إلا الرجل البالغ الموالي للقبيلة والمؤتمر بأمرها. ويدار هذا المجتمع كليا وفق القيم البطريركية/ الذكورية، التي ترتكز على قانون الشرف. وفي ظل هذه البيئة المتعصبة اجتماعيا تعاني المرأة البشتونية من اضطهاد على مستويين، أحدهما جسدي، والآخر معنوي. يتبدى المستوى الأول في الأعباء والأعمال الملقاة على كاهلها في البيت وفي الحقل بوجود الزوج أو في غيابه للقتال. أما المستوى الثاني فيتبدى في النظرة الدونية التي ينظر بها إليها بوصفها أنثى، أي كائنا من الدرجة الثانية، مما يجعل دورها قائما على البعد العبودي الذي لا تملك التذمر عليه في الظاهر، لكنها تكن له السخط والاحتجاج، اللذين يحيلان اللانداي إلى وسيلة جمالية لتفريغ كل هذه الشحنات، فلا نجد في اللانداي على سبيل المثال حديثا عن حب عذري، أو رومانسي، أو مشاعر تتخللها الطمأنينة والرضا والوفاء، بل نجد معاني الاعتداد والتحدي والسخرية واستفزاز الرجل وإعلان الرغبة، بما يقف على الخط الموازي لصورة المرأة التي تشف عن الماديات وتذهب باتجاه التمنع والتدلل. ويمكن اعتبار: الحب والشرف والموت هي الحقل الدلالي الرئيس الذي تمتح منه نساء اللانداي ويعبرن عنه. وهو في مضمونه هذا يغاير شعر الداري (الفارسي) الذي يمجد الحب الصوفي وينشغل بالمديح الإلهي مغايرة واسعة. فهذا شعر يرنو إلى التجلي والعلو والسماوي، والأول اللانداي- يرنو إلى الأرضي وانشغالاته المادية.
والأبيات المتفرقة التالية تمنحنا صورة قريبة عن ذلك، ونشير هنا إلى أن كل سطرين يشكلان معا ما يسمى اللانداي:
غدا المتعطشون لحبي سيرتوون
ذلك أني أريد أن أعبر القرية، وجهي مكشوف وشعري محلول.
***
تعال بقربي يا حبيبي
إذا كان خجلك يمنعك من لمسي، سأجرك بين ذراعي.
***
إذا كنت تبحث عن دفء ذراعي، ينبغي أن تخاطر بحياتك،
لكن إذا كنت تحرص على سلامتك، قبل الغبار عوض الحب.
***
تعال قبلني دون تفكير بالمجازفة، إذا قتلوك ليس هذا مهما
يستشهد الرجال الحقيقيون دوما في سبيل حب الجميلة.
***
هل يمكنك أن تموت في ساحة الشرف، يا حبيبي!
كي تتغنى الفتيات بنصرك كلما ذهبن لجلب الماء من النبع.
*
إذا أعرضت عن العدو، يا حبيبي، لا ترجع إلي!
اذهب وابحث لك عن مأوى في بلد بعيد.
***
أيها اللحد الخراب، أيها القرميد المشتت، لم يعد حبيبي سوى رماد
وريح السهل تذروه بعيدا عني.
***
خفية أكتوي، خفية أبكي
أنا امرأة الباشتون التي لا تقدر الإفصاح عن حبها.
***
أيها الربيع! شجر الرمان مزهر
من حديقتي، سأحتفظ لحبيبي البعيد، برمان صدري.
***
ضمني برغبة تحت ضوء القمر الوضاء
في تقاليدنا، نهب شفاهنا في النور الساطع.
***
حذار، تماسك، لا تفقد رباطة جأشك
مثل فنن مزهر مائل فوق الرأس، أنا بقربك.
***
في لحظة ستصبح حفنة رماد
إذا رمقتك بنظرة ثملة.
***
غير أن هذا النمط من اللانداي لم يسر بمفرده مدة طويلة، إذ وازاه نمط يطرح موضوع المنفى والقتال ليسير جنبا إلى جنب مع موضوعة الحب والزوج المرفوض. فما تقدم من أمثلة يمثل وجه المرأة البشتونية قبل نيسان 1978، أي قبل الخراب والدمار الذي أحدثه الانقلاب الشيوعي، ثم الغزو السوفياتي؛ حيث التعذيب والاعتقال والإعدام بلا محاكمة، وتدمير البلاد، ومن ثم ولوج أفغانستان في سنوات طويلة من الحرب تكبدت فيها خسائر ومجازر جمة، وأحدثت فيها تحولات عديدة على المستويات كافة.
الترحل والتهجير والحرب كان لها تأثيرها الواضح في شعر البشتون الذين كانوا من أكثر المتأثرين بحركة التنقل الإجبارية بسبب موقع أراضيهم الحدودية، حيث رحلوا إلى باكستان، وأقاموا في مخيمات كان لها أثرها في اللانداي، فقد ازداد بينهم عدد من يقرضون الشعر بشكل عام واللانداي بوجه خاص، وهيمنت عليه موضوعة الحماسة الدينية والتحريض على الحرب المقدسة والحنين إلى الأوطان وتمجيد البطولة، فتراجع موضوع الحب والشبق والتوصيف الحسي لهما نسبيا لتركز نساء اللانداي على بعد الحبيب عن المعركة والبعد عن أرض الوطن والمنفى والمعاناة المتراكمة بفعل التعصب والتحجب الإلزامي، ومنه:
يا حبيبي، يا شمسي، قم في الأفق، اطمس ليالي منفاي
غياهب ظلمات الوحدة تغطي كل أجزاء جسمي.
***
أصدقائي، من سأختار من الاثنين؟
الحداد والمنفى يأتيان إلى بيتي معا.
***
يا أخواتي، اعقدن حجابكن مثل الأحزمة،
احملن البنادق واذهبن إلى ساحة الوغى.
***
إن كنت تحبني حقا، يا حبيبي، غادر وحرر أرضنا
ستصبح شفتاي ملكك بمثل هذه الرقة واللذة إلى الأبد.
* أكاديمية أردنية

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }