الدين الفيدرالي ومعضلة الإصلاح المالي

الدين الفيدرالي ومعضلة الإصلاح المالي

على الرغم من أن أوباما، والمترشحين «الجمهوريين» لانتخابات الرئاسة القادمة يؤكدون على أنهم ما زالوا مهتمين بموضوع الديْن العام، فذلك لا ينفي أن ذلك الاهتمام قد بات أقل كثيراً عما كان عليه الحال من قبل، وهو ما يتبين من التقلص الملحوظ في تناول الموضوع بالجدية الواجبة، وفي التركيز الإعلامي عليه.

وأسهل طريقة لاستجلاء ذلك الاهتمام المتناقص بموضوع الديْن، هو إجراء مقارنة بين آخر خطابين لـ»حالة الاتحاد».

ففي عام 2011، وفي أعقاب انتخابات التجديد النصفي، التي هيمن عليها حزب «الشاي» قال أوباما:»ما أود قوله الآن إن الخطوة الأخيرة لكسب المستقبل هي التأكد من أننا لن نكون مدفونين تحت جبل من الديون». 

ولكن الحديث عن الديْن هذا العام يوحي، وكأن هذا الجبل من الديون قد تحول إلى مجرد كومة صغيرة، وهو ما يستشفه المرء مما قاله الرئيس في الجزء الأخير من خطابه، والذي خصصه للدفاع عن حجته الداعية لفرض المزيد من الضرائب على الأثرياء:»بالنسبة للعجز، أود أن أوضح أننا قد وافقنا بالفعل على اعتماد ما يزيد عن تريليوني دولار، سيتم توفيرها من الاستقطاعات والإدخارات، ولكننا في حاجة على رغم ذلك لعمل المزيد».

والفارق بين أوباما وبين كل من «رومني» و»جنجريتش» بشأن دور الحكومة، وبشأن مزايا قانون الضرائب التصاعدية، يمكن أن يكون مؤشراً على أننا سنشهد المزيد من السجال بشأن توضيح هذه الحجة في الخريف المقبل.

ولكن ذلك السجال لن يوفر زخماً لعملية تقليص الديون عام 2013 ، طالما أن كل مرشح غير أمين في توضيح ما الذي يعنيه هذا التقليص. فأوباما يعطى الانطباع بأن المشكلة يمكن أن تحل من خلال ممارسة الضغط على «وارين بافيت» وغيره من المليارديرات المتنفذين.

تساءل أوباما الأسبوع الماضي:»هل نريد المحافظة على تلك الإعفاءات الضريبية لهؤلاء الأميركيين الأكثر ثراء، أم أننا نريد المحافظة على استثماراتنا في كل شيء آخر؟ لأننا إذا لم نكن جادين بشأن سداد الديون المستحقة علينا أن لا نعجز عن تحقيق الاثنين».

ما قاله أوباما صحيح، ولكن إذا كنا جادين حقاً في سداد الديْن، فإننا سنضطر لإنجاز ما هو أكثر كثيراً مما ننجزه حالياً. فإنهاء الإعفاءات الضريبية التي منحها بوش الإبن للأميركيين الأكثر ثراء، سيوفر ما يقدر بتريليون دولار شاملًا تكاليف الإقراض المدخرة، خلال السنوات العشر القادمة. وهذا المبلغ أقل من مبلغ العجز في ميزانية أوباما المالية لعام 2011 فقط.

وعندما يقول أوباما إنه»على استعداد لعمل المزيد من الإصلاح لكبح جماح النفقات طويلة الأجل لبرنامجي «ميدي كير» - الرعاية الطبية - و»ميديك آيد»- المساعدة الطبية- وتعزيز الأمن الاجتماعي طالما بقيت تلك البرامج كضمانة لتأمين حياة كبار السن، فإنه يرسل في الواقع إشارة لصقور العجز بأنه على استعداد لإصلاح نظام الاستحقاقات الاجتماعية.

أما «مت رومني» فقد كان أكثر صراحة بشأن الحاجة لإصلاح نظامي « ميدي كير» والأمن الاجتماعي، وإن كان سواء هو، أو جينجريتش، يخدعان الأميركيين عندما يقولان إنهما قادران على الحصول على الحكومة التي يريدان، وعلى تقليص الدين، ودفع أقل مبلغ من الضرائب مثلما يقترح المترشحون لانتخابات الرئاسة. أفضل دليل على ذلك هو أن الميزانية «الجمهورية» في مجلس النواب، والمُعدّة من قبل النائب بول رايان(جمهوري- ويسكونسون)، والتي تقلص منافع نظام»ميدي كير» و»ميديك آيد»، تستقطع الإنفاق غير الاستحقاقي إلى ربع نصيبه الحالي من الدخل المحلي الإجمالي قبل حلول عام 2050 -وإن كانت ستستمر في مراكمة العجز مع ذلك حتى عام 2063.

وفي صياغة جافة جاء في تقرير مكتب الميزانية التابع للكونجرس ما يلي:»هذا المقترح لا يحدد بدقة التغييرات في برامج الحكومة والذي يمكن إجراؤها من أجل إتاحة هذا الخيار». على نفس المنوال نجد أن خطة «رومني» الاقتصادية، تعِد بوضع حد أعلى على أنفاق الحكومة، ولكنها لا تقول ما هي الطريقة التي سيتم بها ذلك، بخلاف ربما ما ذكرته عن تحويل عبء برنامج»ميديك آيد» للولايات حيث تعهد رومني بشجاعة يحسد عليها بأن:»كل برنامج حكومي وكل ميزانية يجب إخضاعها لمراجعة من أعلى لأسفل».

وثمة حقيقة لم يتطرق إليها رومني، تكمن في أن الضرائب التي يرغب «الجمهوريون» في جمعها، لا تكفي لتغطية نفقات الدفاع والخدمات العامة التي يعرف أن الجمهور يتوقعها.

إذا لم تتمكن أميركا من معالجة مشكلة الديْن، فإن جميع الأشياء الأخرى ستغدو معرضة للخطر: النمو الاقتصادي، شبكة الأمان للفقراء، والاستثمار في الأبحاث والطرق.

وعلى مدار العامين الماضيين أهدر أوباما و»الجمهوريون» في الكونجرس الفرصة تلو الأخرى كي يتناولوا موضوع الإصلاح المالي بالجدية الواجبة، ولكن دائماً ما تكون هناك لحظة سياسية أفضل تلوح في الأفق.

وهذا الأفق الآن، هو الانتخابات القادمة في شهر نوفمبر، واللحظة الملائمة هي جلسة البطة العرجاء للكونجرس بعد ذلك، أو مع بداية الإدارة القادمة.

ولكن إذا لم يتمكن المرشحون من تسوية الأمر معنا الآن، فلن يكون لديهم تفويض حينئذ. وحينها سيستمر ذلك الأفق في التراجع.

 فريد حياة

«واشنطن بوست الاميركية»