هناك بمحاذاة الدرب المؤدي من الزرقاء الى الأزرق،عرج أيها المتتبع درب التاريخ،وكن ضيفا عند القريتين اللتين تشكلان جسدا واحدا رغم أن تسمية الأولى «قصر الحلابات الشرقي» والثانية هي «قصر الحلابات الشرقي»..
لا تأخذك الحيرة من هذا التقسيم،فسرعان ما ستتبدد الأسئلة عندما تدرك أن التئام شملهما يتحقق باسم قصر الحلابات،ليكون هذا المعلم التاريخي نقطة التقاء لهما،ليكتمل بهذا تحقق تشابكهما في الجغرافيا،والتاريخ، والجد الأول للأهل القاطنين فيهما..
ها إن اللقاء يبدأ بهذا التعارف التاريخي،التوفيقي،وبعده تنفتح بوابة السرد،فأينما يممت وجهك حول القصر،وفي القريتين ستسمع قصصا، وحكايا، وستسلبك الذاكرة التي تتداخل فيها النقوش الأثرية ب«السواليف» الشعبية..
كل هذا يحدث شرقا،في المساحة التي تشغلها قريتا «قصر الحلابات الشرقي» و«قصر الحلابات الغربي»،على الحد مع البادية،حيث تتشكل فسيفساء المجتمع الذي يعكس الواقع حقيقة ملموسة، بينما تحمل ألسنة هؤلاء الناس القاطنين في تلك البيوت البسيطة كلاما كثيرا عن تداعيات الاستقرار الأول بعد عمر من الترحال طلبا للكلأ والماء،ومغامرات الفروسية التي يتباهى بها الرجال..
الحلبات
أول الدخول للمنطقة هنا،سيكون بنظرة الى التلة التي تنداح أمامها القريتان،والبيوت،والشوارع،والفضاءات البعيدة..
فوق تلك التلة يوجد القصر،هذا المعلم الذي أضفى غلالة من التاريخ والمهابة على المساحة المأهولة حوله،فصار الناس يعدونه مرجعا لهم،فتراوح تفسير اسمه بين ذاكرة الناس،وإسقاطاتهم الشعبية عليه،وبين ما هو مسطور في الكتب المطبوعة،والنشرات السياحية التي كرس فيها اسم القصر،والمكان على أنه «قصر الحلابات»،بينما هناك إصرار لدى أهل القريتين على تصحيح المعلومة بالنسبة للاسم قائلين ان الصحيح هو أنه «قصر الحلبات»، (مجموع حلبة التي معناها ساحة السباق)،ولأهل «الحلابات» مبررهم في ذلك حيث يشيرون إلى أنه في الفترتين الرومانية والأموية،كان هذا القصر يعود الى الأمراء والجنود،وكانت الساحات المنبسطة حوله، كأنها حلبات مهيأة للسباق والتدريب،ولعلها كانت تنقسم الى أكثر من ساحة لكثرة الجنود،والأنشطة الترفيهية والرياضية والتدريبية للأمراء في هذاالمكان، ولذلك أخذت الاسم في البدء ليكون «الحلبات»، وانتسب اليها القصر،فصار يدعى بقصر الحلبات».
تلك فرضية للاسم،تستمد زخمها من التعامل الشعبي مع اللفظ،كما أنه يتوافق مع الوظيفة التي بني من أجلها القصر،وطبيعة الجماعات التي استعملته على مدى العصور،وربما يكون هذا هو الاسم الحقيقي له،وهذا احتمال وارد،لكن عندما هجره الأمراء،وغاب عنه العساكر، في القرون المتأخرة، صارت قبائل البدو تواطن قريبا منه،وتبني بيوتها في محاذاته، وتضع مرابعها مجاورة لحجارة القصر، ولها شلايا الحلال، والإبل، المنتشرة حول الأطلال هناك ، وعليه فإنه ربما التصق به اسم «الحلابات» لوجود هذه الخيرات هناك، وما يتبعها من حلب الأغنام والنوق في ذات المكان، فجرى تحريف الاسم ليصير«الحلابات» بدلا من «الحلبات»، خاصة وأن أحرف الاسم القديم قريبة من التسمية الجديدة، وليس صعبا عملية النحت،أو الزيادة في اللغة ليتغير الاسم من «الحلبات» الى «الحلابات» التي يفسرها الشيخ حمزة العربي في الجزء الثاني من كتابه «جولة بين الآثار»، حيث يكتب عن «قصر الحلابات» هذا التعريف مضمنا اياه بفقرة تفسيرية وببيت شعر:
«الحلابات:جمع حلابة.والعرب الأقحاح كانوا لا يزالون يرون أن الحليب أفخر غذاء يتناوله المرء،ولذلك كانوا لا يزالون يرون أن أنفس ما يملكون هو حمر النعم، ويليها الغنم في الدرجة الثانية، وهي من النعم أيضا، فيعيشون من ألبانها التي قد تغنيهم عن الطعام والشراب:
يقول زدنا منه فهو يجزي
عن الطعام والشراب المجزي.
وأضيف هذا القصر الى الحلابات لكثرة ما يعرض عليهن من النعم كل ليلة فيحلبنها في ذلك المراح،ويقول بعضهم:انه حصن روماني قديم جدد بناءه الوليد بن عبد الملك واتخذه منزلا له».
كما أن هناك تسميات مرادفة عرفها أهل المنطقة للمكان في المرحلةالسابقة سترد أثناء تسليط الضوء على الحياة الإجتماعية للقريتين،وتداعيات الاستقرار هناك،ومن هذه التسميات «قصور السهل»، وبعدها صارت «قصور عبيدان»، ولهذه التسميات قصص وتداعيات تتجلى واضحة ضمن سياقاتها أثناء متابعة البنية المجتمعية للقريتين.
حوض مزرعة قصر الحلابات
هما قصر الحلابات الشرقي،وقصر الحلابات الغربي..
ومثلما تشتركان في الناس الذين ينتسبون الى عشيرة واحدة،هما أيضا تتقاسمان التاريخ الحجري والمعماري للمكان،حيث يوجد في الحلابات الغربي قصر الحلابات،والجامع الأموي القديم،بينما في الحلابات الشرقي هناك حمام الصرح،والبئر القديمة، لذلك فإنه حتى المتابعة التاريخية للآثار القديمة تجعل هناك ربطا وثيقا بين القريتين، كما ان الحاج «معيان دليمان العثمان» «أبو محمد»، وهو رئيس أول مجلس بلدي في قصر الحلابات،يقول ان جميع أحواض الأرض في منطقة الحلابات كانت تعطى أرقاما وتسجل تحت مسمى حوض مزرعة قصر الحلابات،وهو يعطي أمثلة على ذلك ان «حوض 8»، و«حوض 9» مزرعة قصر الحلابات ما زالت تقع عليهما قرية قصر الحلابات الشرقي وقصر الحلابات الغربي، غير أن أحوضا أخرى مثل «حوض 10» و«حوض 11» اسمهما حوض مزرعة قصر الحلابات ولكن هما الآن يتبعان لقرية الضليل المجاورة لقصر الحلابات،وكذلك الحال مع أحواض رقم «7 و 4 و 3 و2 و1و6» التي تحمل ذات الاسم «مزرعة قصر الحلابات» ولكنها صارت تتبع لقرى اخرى مثل بني خالد،ووادي الركبان،والضليل،وغيرها.
لكن «أبو محمد» يعود الى قصر الحلابات مؤكدا على هذا الارتباط العتيق بالقصر،وبالحمام، والجامع،تلك المعالم التي ما زالت شاهدا على عراقة المكان،ومرجعيةالإنسان هنا..
كراكللا
مكتوب في المخطوطات القديمة،وكتب التاريخ الحديثة أنه تتراكم في موقع القصر، الموجود على تلة تطل على القريتين، حضارات متعددة تشكلت منها حجارة وعمارة هذا البناء،وأقدمها هو الأثر النبطي العائد الى فترةالحضارة النبطية حيث كان حصنا في تلك المرحلة،ثم تم بناء القلعة الرومانية على ذات المكان،وبعد ذلك، وفي الفترة الإسلامية تم استخدامه كقصر وقلعة من ضمن القصور الأمويةالتي انتشرت في البادية الأردنية.
هذا القصر يعاد ترميمه وتشييده من جديد الآن من خلال بعثات أثرية منها بعثة اسبانية تعمل في الفترة الحالية على إقامة متحف في الوادي المقابل للتلة التي يقع عليها القصر،بالإضافة الى انشغالها ببعض أعمال الترميم هناك،التي تعتبر جزءا من سلسلة الترميمات التي تم برمجتها بالتعاون مع دائرة الآثار في السنوات الأخير،والتي أتت ثمارها باستعادة جزء من بنية القصر ومعماره بشكل قريب مما كان عليه في الأزمنة القديمة.
ولعلنا نشعر أكثر بجدوى تلك الترميمات،عندما نقرأ ما كان عليه حال هذا القصر في مرحلتي الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي كما يصوره لانكستر هاردنج في كتابه «آثار الأردن» حيث يقول عن قصر الحلابات:«توجد بضع كتل من الحجارة نحتت عليها رسوم أشكال للزهور، ويدلنا وجود هذه الحجارة في جوانب مختلفة من الخرائب، أن بناء نبطيا كان يقوم أصلا في ذلك الموضع، لأن طراز النحت شديد الشبه بما اكتشف في خربةالتنور،ولكن لم يبق أي دليل غير هذا من آثار تلك الفترةالأولى.
أما البناء الرئيسي والأسوار الخارجية التي نراها في أيامنا هذه،فتعود الى العصر الروماني.
ويتبين من كتابة تم العثور عليها قبل بضع سنوات أن البناء أنشىء في عهد الأمبراطور كراكللا(198-217م) وهناك كتل صغيرة عديدة من الحجر الناري الأسود،بعضها أدخل ضمن الجدران الداخلية في القرنة الجنوبية الشرقية،والبعض الآخر تراه ملقى بين الحجارة المتناثرة على الأرض».
وعن هذا القصر،يشير «فريدريك بيك» في كتابه «تاريخ شرقي الأردن» الى أنه «وجد الكروب كابتن ريز من قوة الطيران الملكية حجرا أثريا في الحلابات يبين تاريخ هذه القلعة من عهد كاراكللا،وقد نقله الى نادي ضباط الفرقة الرابعة عشرة في مطار عمان..
ويلقب كراكولا على هذا الحجر ببريتانيكوس،وقد جاء في هذا الحجر ما يلي:«لسلامة سلطاننا السيد والإمبراطور اغسطوس ماركوس أورليوس أنطونيوس الصالح السعيد،العربي،الأدرياني،البارثي،البريطاني. شيد هذه القلعة الجديدة جنود الفيلق السادس من الإسبانيين.الأول من التراقيين،والخامس من الأفريقيين.الثالث الملقب «سفيريان التراقيين» تحت فرنوس جوليانوس مندوب الأمبراطور ونائبه».
كما أنه قد وجد مكتوبا على حجارة من هذا القصر أجزاء من كتابة باللغة اليونانية هي مرسوم للأمبراطور انستازيوس الأول(491-518م) يتعلق بالتنظيم الإداري للولاية العربية،وبتحديد الضرائب على البضائع وبإدارةالجيش.
وقد عثر أيضا على كتابة أخرى في القصر تشير الى أن الامبراطور جوستنيان(527-567م) قد جدد القلعة.
لكن دور قلعة الحلابات العسكري تراجع في مرحلة ما بعد جوستنيان، حيث تحولت في القرن السابع الى دير للرهبان،كما تبين ذلك كتابة يونانية على احدى الحجارة.
الأمويون
إن منطقة الأردن،والبادية التي فيها كانت مرغوبة لدى الخلفاء الأمويين،وخاصة الوليد بن عبد الملك الذي كان مشهودا له ببنائه وترميمه للقصور في الصحراء الأردنية،وقصر الحلابات من القصور التي أعاد بناءها الأمويون،وكان يرغبها أمراؤهم، حيث غطوا الجدران بالجص الملون ورسومات الفريسكو،وفرشوا الأرضيات بالفسيفساء،وفي الإيوان الجنوبي الشرقي من القصر تم اكتشاف ارضية مزينة برسومات الحيوانات البرية كالغزال والذئب والأرنب،ورسوم الطيور والأسماك،وقد صورها الفنان بواقعية وحيوية كبيرتين.
حمام السراح
هذا الحمام يقع في قرية الحلابات الشرقية،ويطلقون على هذا الموقع أحيانا اسم «حمام السرح»..لقد جرى ترميمه،هو والبئر المجاورة له،وما زالت أعمال الترميم قائمة حتى الآن،لكن وضعه القديم،وكيف كان يصفه لانكستر بقوله:«خرائب مربع صغير أنشأه الأمويون كي ينطلقوا منه في رحلات الصيد والقنص،ويحتمل أنهم أنشأوا فيه بعض الحمامات كما يدل اسمه.
يشبه هذا المربع في مخططه العام وطراز بنائه الى حد بعيد-قصر عمرة قرب الأزرق،ولكنه في حالة محزنة من الخراب.ونستدل من بعض قطع الملاط أو بعض القطع الملونة أن الجدران كانت فيما مضى مغطاة بالصور الملونة،وهو ما نراه في قصرعمرة.أما أعظم ما يستلفت النظر في حمام السراح فهو القبة المضلعة التي تقوم فوق قاعةالمدخل.
كما يذكره محمود العابدي في كتابه «الآثار الإسلامية في فلسطين والأردن» قائلا: «يقع الى الشرق من قلعة الحلابات على مسافة ثلاثة أميال ويتألف البناء من غرفتين للاستراحة،ومن حمام، وحولهما بيوت الخدم، ومقر الحرس، وبئر للماء.
ويظهر أن الفرسان كانوا إذا تعبوا يلجأون اليه فيستريحون، ويستحمون».
سيرة قرية
تقع قريتا قصر الحلابات الشرقي وقصر الحلابات الغربي شرق الزرقاء، على جانب طريق الأزرق الزرقاء، ويحدهما من الشرق الأزرق، ومن الغرب الضليل، ومن الشمال الخالدية، ومن الجنوب المنطقة العسكرية في الزرقاء.
وتتبع القريتان الى بلدية الحلابات، وقضاء الضليل من محافظة الزرقاء.
الديموغرافيا:
يبلغ عدد سكان قصر الحلابات 4292 نسمة، موزعين بين قريتي قصر الحلابات الشرقي وقصر الحلابات الغربي على النحو التالي:
عدد سكان قصر الحلابات الشرقي 1840 نسمة (929ذكورا و 911 اناثا) يشكلون 308 أسر، وفيها 380 مسكنا.
عدد سكان قصر الحلابات الغربي 2452 نسمة(1206 ذكورا و 1246 اناثا)، يشكلون 390 أسرة، وفيها 501 مسكن.
ومعظم أهالي القريتين من عشيرة العثمان التي تنتمي الى عشيرةالزبن من بني صخر، ويعملون في تربية الإبل والحلال، والزراعة، والوظائف الحكومية والقوات المسلحة.
التربية والتعليم:
توجد في قصر الحلابات عدة مدارس موزعة بين القريتين، وهي مدرسة الحلابات الشرقي الثانوية للبنين، ومدرسة الحلابات الشرقي الثانوية للبنات، ومدرسة الحلابات الغربي الثانوية للبنين، ومدرسةالحلابات الغربي الثانوية للبنات، وهناك مدارس أساسية مختلطة، ومدرسة للبنات قيد الإنشاء.
الصحة:
يوجد في قصر الحلابات مركز صحي أولي.
*والجمعيات الخيرية غير مفعلة في القريتين.
*وهناك داخل حدود القريتين مصنع الاسمنت الأبيض، ومجموعة من المقالع والمحاجر.
دعوة للمشاركة
هذه الصفحة تؤسس لكتابة متكاملة حول القرى الأردنية، وتطمح لتأسيس موسوعة جادة شاملة. ولن يتأتى هذا بجهد من طرف واحد، فما يكتب قد يحتاج إلى معلومات للإكتمال، أو قصص أخرى لم يلتقطها الكاتب في زيارة واحدة، وهي مفتوحة للإضافة والتعديل قبل أن ترتسم بشكلها النهائي لتكون وثيقة لكل قرية، والأمل بأن تأتي أية إضافات أو تصويبات أو معلومات أخرى من أهل القرى والمهتمين مع اقتراحاتهم، وعلى هذا العنوان:
بوح القرى
ص. ب - 6710
عمان -11118
فاكس- 5600814
بريد الكتروني alqora@jpf.com.jo
كتابة وتصوير مفلح العدوان