دبين.. تحت ظلال «الهدأة»

دبين.. تحت ظلال «الهدأة»

كتابة وتصوير مفلح العدوان - بساط من الخضرة.. وهدوء يلف المساحات التي تتنامى فيها الأشجار، وتغرد فيها الطيور، ويواطنها أناس أقاموا فيها ذات مرحلة من حياتهم، فبنوا بيوتهم في «دبين»، ومضى بعضهم للعمل خارج القرية، وارتحل جزء آخر الى قرى ومدن ثانية، لكنهم يبقون يحنون اليها كأنها تشدهم نحوها بخيوط غير مرئية تجلبهم اليها نهاية الأسبوع أو عند كل عيد..
دبين.. القرية التي تعتبر احدى ضواحي جرش وهي القريبة من عجلون أيضا، عرفت عند كثير من الأردنيين بأنها مصيف، وموقع غابات، وملاذ لمن يريد نقاء الهواء، والسكينة، وهدوء الروح.
لكن هذه القرية ليست مكانا للسياحة فقط، ففيها مع اللزاب والقيقب، والملول، والبلوط، والبطم، بشر يعيشون ويواطنون المكان، ولهم هناك ذاكرة وتاريخ يسكن معهم، ويطل عليهم معلنا عن نفسه في بيوتهم التي بنوها قرية، وما تزال تعج بالذاكرة والعائلات التي تنتمي لهذا المكان.

أراضي القرية

موغلة في القدم هي دبين..
يصفها أهلها بأنها مبنية على تل طبيعي، وأنها منطقة ردم، بنيت على آثار قرية قديمة، كما أن خريطتها المكانية يمكن رصد بعض أحواضها ضمن التسميات التالية: (منطقة الميسر وهي من حوض العارضة، وحوض البلد، وحوض عين دبين، وحوض البراك).
ويتذكر الكبار في دبين بأن منطقة البلد(القرية القديمة)، كانت تشمل أيضا المنطقة الحرجية التي فوق البلد حتى جبل الأقرع، ولكن في سنة 1927م، عندما صارت التسوية، وكان علي الكايد آنذاك مأمور أراض، فقام بتقسيم المنطقة، وعمل الإفراز، وسجل هذه الأراضي بأسماء الناس الموجودين فيها، إلا أنه اقتطع مساحات كبيرة من البلد وسجلها ضمن المناطق الحرجية للحكومة.
دفتر مفصل 185

ودبين مرتبطة بالزراعة والماء ومعاصر الزيتون والنبيذ لذلك فالناس يذكرون عين دبين وعين الزقيقة، وهناك ذكر لعيون الماء في دبين تم رصد بعض منها في الفترة العثمانية، ذكرها الباحث عليان عبد الفتاح الجالودي ضمن منشورات لجنة تاريخ بلاد الشام في الفترة ما بين 1864م و 1918م حيث أشار الى أن دبين تابعة الى عجلون وفيها عينا ماء هما «البلد، والجدلا»، كما أن قيمة الرسوم المستحقة على معاصر «دبين النصارى» كما هو مدون في دفتر مفصل رقم 185 هي 80 آقجة(وحدة نقد عثمانية).

من حوران الى دبين

يتحدث عن ذاكرة دبين القرية، والبنية المجتمعية فيها عبر تتالي العصور، المهندس وهدان عويس أحد كبار القرية، ومن أبنائها المخلصين لها حيث يقول:«أنا من مواليد عام 1931م وأعي دبين منذ صغري، وكانت قرية عامرة وفيها حوالي 15 بيتا، وعرفت كثيرا من تاريخها مما سمعته من الآباء والأجداد، والمباني الموجودة في القرية الآن بعضها يعيش فيه ناس، والبعض الآخر مهجور، هي نفس المباني ايام زمان، مثل أي قرية أردنية، معروفة ببيوت الطين، والحوش، والزرع حولها، وكان أهل دبين وهم مسيحيون متعايشين بشكل أخوي، ومثل أهل مع القرى المجاورة، وعلاقتهم طيبة بالفرح والعزاء، بالمواساة والمعايدة».
أما عن البدايات الأولى كما تتشكل قصة القرية في ذاكرة العويس، فيعود به ربط الأحداث كما سمعها، كابرا عن كابر، الى القرن التاسع عشر:«هذا الكلام تقريبا بعد الألف وثمانمية(1800م) وكان بيت عويس معيشتهم في المناطق بين حوران وعجلون، وجاء في تلك الفترة الأجداد الذين في حوران واشتروا دبين من رجل سوري اسمه «سليمان المارديني»، وهؤلاء العويسات عندما اشتروا دبين لم يتخلوا عن أراضيهم في حوران، وصاروا يتنقلون بين المكانين، حيث أنهم يبقون في فصل الشتاء في حوران، أما في الصيف فكانوا يأتون الى دبين من أجل كرومهم فيها.
ويمر على ذكر العويسات فريدريك بيك في كتابه تاريخ شرقي الأردن وقبائلها قائلا ان «العويسات:حمولة مسيحية(روم أرثوذكس) من حمايل قرية دبين، وهم بطن من حمولة العويسات بجبل عجلون».
والآن ذرية العويسات موجودون في القرية، ومعهم أيضا أنسباؤهم بيت مشعل، اضافةالى عائلة من بيت الحموي، كلهم يشكلون مجتمع قرية دبين».

الدبابنة

لكن، هناك تاريخ سابق على هذه الحكاية تربط بين المكان، وعائلة أخرى كانت تواطنه، غير أن ظروفا اجتماعية اضطرتها للرحيل من دبين..
يروي أهل القرية أنه كان فيها عدة عائلات مسيحية منها الناصر والفاخوري وغيرهما من عائلات أخرى، كل هؤلاء كانوا في دبين.
يتحدث العويس مكملا تفاصيل الرحيل الأول من القرية قائلا: «حسب قول أجدادنا صار في هوشة «نزاع» بين أهل القرية وناس آخرين من قرى مجاورة، ونتيجة هذا النزاع قتل رجل من قرية ساكب، فقام الموجودين في القرية، وجلوا (رحلوا) الى السلط، فضا للنزاع كما هو العرف في المنطقة، ولما صاروا في السلط صاروا يسموهم الدبابنه، رحل جميعهم من دبين إلا رجلا كبيرا هو الخوري ناصر، الذي رفض الخروج وبقي فيها.
بعد ذلك صارت القرية فارغة إلا من الخوري ..
لكن الدبابنه باعوا القرية للسوري سليمان المارديني، وظلت معه حوالي عشرين سنة قبل ما يشتريها العويسات اللي اجو من حوران».

الخوري ناصر

عندما بقي الخوري ناصر وحيدا في دبين، كان يقيم في مغارة يؤدي فيها الصلاة، ويتعبد في هدوء وسكينة وسط الغابات التي تحيط به.
لكن هذا الخوري(الذي يقول وهدان عويس أنه يعتقد بأنه جد الوزير حازم الناصر)، صار أهل القرى المجاورة يعتبرونه وليا صالحا، بعد قصة حدثت له في المغارة.
يروي العويس الحكاية بأنها تتلخص بأن هناك جماعة من الرجال دخلوا المغارة ليلا، وفي نيتهم أن يسرقوا الخوري، لكنهم ما ان دخلوا المكان حتى أحسوا وكأنهم مكتفون، وشعروا مثل أيد تضغط على أجسادهم فلا يستطيعون الحركة، فأخذوا بالصراخ استنجادا بالخوري: «يا ابونا الخوري أنجدنا..يا أبونا الخوري خلصنا».
تقول القصة انه عندما أفاق الخوري من نومه، أضاء الفانوس، وأشار بيده اليهم أن يقتربوا منه، فذهبت القوة التي كانت تضغط عليهم وتكتفهم.
وعندما خرج هؤلاء الرجال من عند الخوري، أشاعوا القصة في القرى المجاورة، وقالوا عنه أنه ولي صالح، فصار الناس هناك يعتبرونه رجلا مباركا، ووليا مقدسا.
المغارة صارت قبلة للذين يريدون أن يتباركوا بالخوري ناصر..
ويقال انه عندما مات دفنوه فوق المغارة، فصار قبره مزارا يأتيه الناس من القرى المجاورة، يجلسون على الصخور المحيطة به، ويوقدون الشموع له، بينما بعضهم يعلق «الشرايط» الخضراء على القبر، كما أن بطريركية القدس اهتمت بسيرة الخوري ناصر، وجددت بناء القبر، لأن اسمه انتشر وذاع صيته كولي صالح.
لكن القبر والمغارة تم قصفهما عام 1971م وبقيت ذاكرة الخوري وحكايته في الأذهان حتى بعد أن تلاشى قبره وردمت مغارته.

شجرة الهدأة

تعرف دبين بهذه الشجرة.. وكأن القرية تتفيأ ظلالها..
صارت معلما حقيقيا لها، وهي من اللزاب الذي يعرف بأنه هو الصنوبر الحلبي، ويقال ان عمر شجرة الهدأة هذه أكثر من 400 عام.
يروي أهل دبين، أن الملك عبد الله المؤسس، أيام كان أميرا في بداية تأسيس امارة شرق الأردن، جاء وجلس تحت هذه الشجرة، وللتسمية قصة يرويها المهندس وهدان عويس قائلا:جاء المرحوم الملك المؤسس عبد الله، وكان أميرا في تلك المرحلة، بينما كان يعقوب السلطي مديرا للحراج، وعملوا للأمير غداء تحت هذه الشجرة، وعزموا كل أهل دبين على هذا الغداء، فرحبوا بالأمير أهل دبين الذين حضروا جميعا، وكنت في تلك الأيام قادما جديدا من بغداد بعد أن تخرجت من كلية الهندسة فيها.
أتذكر أن الأمير سأل عن اسم هذه المنطقة، فلم يعطه أحد جوابا، فتحدث الأمير قائلا هذه هي الهدأة لأنها تمتاز بالهدوء والسكينة.فسميت الشجرة بشجرة الهدأة»..
ويضيف العويس بأنه بعد سنين عديدة من تلك المناسبة عاد الى القرية وبنى بيتا مقابل هذه الشجرة، وأسماه تيمنا بها، واستذكارا لتلك المناسبة، «بيت الهدأة».

الكويكرز

كان هناك مؤسسة خيرية دينية تقدم المساعدات للناس في دبين وكان اسمها «الكويكرز»، يتذكرها أهل القرية، ويعوا أنها كان لها بيتين تم بناؤهما للإدارة ولتسهيل تقديم المساعدات للناس..
مرت سنوات على ذاكرة الكويكرز..وعندما كانت الاضطرابات في السبعين ووصلت الى دبين وغاباتها، يقال أن «أبو عمار» و«أبو اياد» سكنا في هذين البيتين، وكانا مقرين لهما، ولما انسحبا من دبين تركاهما وتحركا الى جرش.
لكن هذا الحضور لهؤلاء في القرية، أثر على تواجد سكانها فيها، اذ يقول وهدان عويس أن «أبو عمار جاء عند عمي، وقال انه خايف يصير اساءة من الرجال عند عين دبين لحدا من اهل القرية خاصة وانه فيه نساء هناك، فقال له عم وهدان ان اهل القرية قرروا ان يرحلوا في هذه الفترة من دبين الى جرش، وحصل هذا بالفعل».
يضيف العويس: «وما زالت بعض العائلات موجودة في جرش، وآخرون رحلوا الى عمان وأماكن أخرى، ومنذ تلك الفترة والبلد فارغة، يأتونها في المناسبات، لكنهم لم يبيعوا أرضهم فيها، وهناك حركة عودة قوية لها في الفترة الأخيرة».
مدرسة للصلاة

يتحدث أهل القرية عن التدريس فيها، مشيرين الى عدم وجود مدرسة في دبين الآن بينما في الأيام التي كانت القرية زاخرة بالسكان كان فيها مدرسة ابتدائية، عملت على انشائها والإشراف عليها الكنيسة المعمدانية في عجلون، وكان يدرس فيها طلاب دبين وطلبة آخرون من القرى المجاورة مثل نحلة وريمون وغيرهما.
يشير كبار القرية الى أن المعمدانيين عندما أسسوا هذه المدرسة كانوا يستعملون مبنى المدرسة نفسه للصلاة، فصار بعض الطلاب وجزء من أهل القرية يصلون مع المعمدانيين، فصار بعض هؤلاء انجيليين.

ينبوع الحياة

يمكن اعتبار الموجودين في دبين كلهم من طائفة الأرثوذكس، ولعل ذاكرة المدرسة هي التي فتحت البوابة لتسليط الضوء على طائفة أخرى في القرية، وهذا يعيدنا الى تتبع سيرة الدين في دبين التي فيها كنيستان واحدة للانجيليين، وأخرى هي الكبرى، وهي كنيسة الدير التابعة للأرثوذكس، وتسمى دير السيدة العذراء(ينبوع الحياة)، ويعتبر هذا الدير هو أول دير في شرق الأردن للرهبنة ولتعليم اللاهوت ورجال الدين.
أما عن أرض الدير فقد كانت تعتبر منطقة بيادر لدبين، وتبرع بها العويسات الى بطركية القدس في البداية لبناء دار للأيتام فيه أيام البطرك الأسبق، وبقيت أكثر من 35 سنة فارغة، ولم يتم البناء عليها، الى أن جاءت الإدارة الحالية، وقامت ببناء الدير من تبرعات الخيرين من أهل البلد.

مستشفى المعمدانيين

لم يكن في دبين عيادة ولا مركز للطبابة..
وتشير ذاكرة القرية الى أن أهل دبين كانوا في الأزمنة الماضية إما يذهبون الى عجلون أو جرش للمعالجة، فقد كان في عجلون مستشفى المعمدانيين، وكان الوحيد في عجلون وجرش، وقد باعه هؤلاء الى الحكومة وصار اسمه مستشفى الإيمان، أما جرش فقد كان فيها عيادة فقط، وكان هذان الخياران هما المتاحان لأهل دبين عند أي طارى أو طلب للعلاج.



سيرة قرية


تقع دبين ضمن أراضي جرش، ويحدها من الشمال قرية نحلة التي تبعد عنها 3كم، ومن الجنوب الجزازة على بعد 6كم، ومن الغرب جبل الأقرع (يرتفع 1100م عن سطح البحر، بينما ترتقع دبين 800م عن سطح البحر)، ومن الجنوب الغربي الحسينيات، أما من جهة الشمال الغربي فتحدها قرية ساكب، ومن الشرق جملة(عين جملة).

وتتبع دبين الى قضاء برما من محافظة جرش.

الديموغرافيا:
يبلغ عدد السكان المقيمين في دبين 39 نسمة(26ذكورا و 13 اناثا)، يشكلون 14 أسرة، وهناك فيها 64 مسكنا و 69 مبنى. ومعظم أهل دبين يقيمون، ويعملون خارج القرية، إلا أن قسما كبيرا منهم يحضرون الى مساكنهم في نهاية الأسبوع.

* تعتمد دبين في الخدمات على جرش والقرى المجاورة لها.
* يوجد في دبين مسجد في المخيم الكشفي، إضافة الى كنيستين.
* القرية محاطة بغابة نادرة على مستوى الكثافة والنوع النباتي والحيواني، وتعاني من الزحف العمراني، والمشاريع الاسكانية والسياحية التي تهدد البيئة وتشكل خطرا على الغطاء النباتي والحيواني في الغابة.