زهور ونيسي أديبة جزائرية مرموقة عملت في التدريس والاعلام والثقافة والسياسة، وهي أول امرأة شغلت منصب وزير في تاريخ الجزائر سنة 1982. وحاليا هي عضو في مجلس الامة الجزائري. عرفت زهور ونيسي باعمالها الابداعية في مجالات الرواية والقصة والدراسة والمقالة، ومنها: الرصيف النائم (مجموعة قصص صدرت في القاهرة سنة 1967). ، على الشاطىء الاخر((مجموعة قصص صدرت في الجزائر 1974) ، من يوميات مدرسة (رواية صدرت في الجزائر 1978) ، نقاط مضيئة (مجموعة مقالات صدرت في الجزائر 1999). اما «دعاء الحمام» فهي اول عمل مسرحي لهذه الكاتبة وقد صدر العام 2004.
تقول الكاتبة في مقدمة هذه المسرحية: «ان الحوار الذي دار بين شخوص هذه المسرحية هو حوار دار في نفسي وذهني مدة عشرية من الزمن عبر اصعب مرحلة مرت بها بلادي».
تقع هذه المسرحية في خمسة مشاهد توزعت على 79 صفحة من القطع الصغير. «دعاء الحمام» عمل ابداعي ينطلق من المبدأ القائل «الرائع هو الحياة» اما ما يشوه هذا العمل فشذوذ لعلاقة غير طبيعية مع الواقع الانساني.
شخصيات هذه المسرحية بعضها شخصيات واقعية وبعضها الاخر اسطورية كشخصية الكاهنة ملكة الاوراس الجزائرية، قبل الفتح الاسلامي لشمال افريقيا. وهي بحق شخصية متمسكة بتراث اسلافها العظماء الذين ورثوها مملكة «نوميديا» ولذا نراها وهي تستقبل الامير العربي القادم لنشر الاسلام في بلادها ترد على دعوته قائلة: «ايها الامير اعرف ان مبادىء دينكم تتطابق مع قيم شعبنا وتقاليدنا في الحرية والعدل والمساواة وكرامة الانسان ومعرفة ذلك تكفي».
ومع انها باركت اعتناق ولديها للاسلام الا انها رفضت التخلي عن تراث اسلافها: «لا تطلب مني ذلك ايها الفارس» (ص44) «حتى وان اقتنعت بما جئت به فلن استسلم واترك ديانة اسلافي» (ص45).
اما الشخصيات الاخرى فهي مسكونة بالتمرد والثورة جسدت الكاتبة انفعالاتها وردود فعلها تجاه الاحتلال الفرنسي للجزائر مبرزة دور المرأة الجزائرية في النضال الوطني.
وقارىء هذه المسرحية يكتشف ان الكاتبة حرصت على خدمة الفكر اكثر من حرصها على اثارة العواطف فالحوار المتبادل بين شخوص المسرحية يحاكم قضية وطنية فلا مجال للهروب او التردد والتخاذل. ثمة اصرر من المرأة على التحدي والمواجهة مهما كانت النتائج.
لنستمع الى هذه المحاورة:
وردة: لتعلق على الجرح ولو لوقت قصير.
فطومة بدهشة: تعلق على الجرح دون علاجه هكذا
انه يتعفن ويجعل التعفن يسري في الجسم كله!!
لغة المنطق تهيمن على مفردات هذا الحوار. من هنا همشت اية ثرثرة حول الهموم الفردية التي لا تتعلق بالوطن.
حبيبة بتأفف: رجعنا الى المحور الاول الذي بدأنا به حديثنا، مشاكلنا الخاصة، المشكلة العامة لن نتركها؟
نادية بتذمر: نتركها لاهلها، للمسؤولين، للقائمين على هذا الفضاء وهذا العمق الذي اسمه الجزائر.
وردة: هكذا، وهؤلاء الذين تذكرين اليسوا ابناد وبنات هذا الوطن، مثلي ومثلك يحتاجون للدعم والمساعدة والثقة والاختيار الصحيح للمواقف».
ومن حين لاخر يقطع صمت المتحاورات شخصيات متخيلة تلج فجأة، الرجل ذو الجلباب الاسود الذي يشيع التشاؤم و«الرجل ذو الجلباب الابيض» الذي يحرض على المقاومة الوطنية، منددا بتخاذل المتخاذلين وبالشعارات الزائفة التي يرفعها المحتل واعوانه.
- وطني.. هذه القطعة الهاربة من الجنة يريدون ان يشعلوها نارا متأججة.. تحت اسماء وشعارات مختلفة، مرة الدين.. ومرة اللغة.. ومرة الديمقراطية.. ومرة العرق والهوية..»(ص30).
وتمضي المسرحية بمشاهدها تؤكد البعد الانساني للحياة، البعد الذي «اغتاله قابيل حين قتل اخاه هابيل».
- قابيل لماذا قتلت اخاك هابيل؟ ما الذي استفدت بعد ذلك سوى انك احترت كيف تواري سوءته؟
الرجل الابيض يستطرد قائلا:
- اللعنة على كل شيء، اللعنة على اليوم الذي عرف فيه الانسان عملية القتل.. بدء عملية قتل الانسان لاخيه الانسان». (ص21).
ان استحضار هذا الموقف الدرامي الذي جسدته عملية القتل يؤكد ان الكاتبة اجادت التفكير بشخصيات المسرحية اكثر واعمق مما تستطيع هي نفسها ان تفكر بنفسها.
من ناحية اخرى فشخصيات المسرحية وهي تعيش بعض الصراعات النفسية التي يتعرض لها البشر، تنصرف عن الاستغراق في التأمل الى الفعل، فهي معنية بالتغيير، تغيير الواقع البائس الذي عانت منه الجزائر، من هنا كان الفعل الذي قفزت اليه الفتاة والمرأة الجزائرية متوافقا ومفرداتها الوطنية، ف«مريم» وهي احدى شخصيات المسرحية والتي طالما رددت امام رفيقاتها هذه المقولة: «أنا لا اريد ان اكون الا جزائرية(ص33) نراها حين جد الجد تدخل احد الازقة في قصبة قسنطينة الجزائرية ثم تضع رشاشا تحت ملاءتها وتنطلق مع احد الفدائيين الجزائريين، ويباغتهما العدو، وبعد صراع غير متكافىء تجرح مريم جرحا بليغا وساقها تقطع من جهة الفخذ وتستشهد لتكون الفدائية الاولى في ثورة التحرير الجزائرية».
اما استشهادها وكما اوضحه الراوي وهو شخص غير مرئي، فقد جاء بعد تعذيبها عقب الجرح البليغ الذي تعرضت له.
ولدى استشهادها «أتى احد المجاهدين الشباب ليفكك اسم مريم بوعتورة. موسيقيا قائلا: ملك رحيم يهز مشاعري».
وبهذه الجملة المؤثرة تنتهي مسرحية «دعاء الحمام» وكما لا يخفى فقد جسد العنوان معنى «التحليق في اجواء الحرية، مع الاستعداد لتحمل تبعات هذا التحليق واعني به «الاستشهاد».
مصدقا ما اشارت اليه زهور ونيسي من «انها وضعت نفسها بعقلها ووجدانها مقياسا لعقل ووجدان الشعب» شأن كل مبدع يستوعب دور الوعي في عملية الابداع وعلاقته بالقيم الانسانية.
بقي ان اقول ان هذه الاديبة بعملها الابداعي هذا قد جسدت وعي الشعب الجزائري في مرحلة نضاله ضد الاستعمار.
لقد استطاعت فعلا ان ترصد من حياة ابطالها المحوريين تلك اللحظة التي تتجمع بها كامل حياتهم: «معنى وجوهرا، بداية ونهاية، شخصياتها الفنية اعادت خلق الواقع من جديد، وحدت بينها علاقات متبادلة تحمل هما مشتركا واحدا.
تين هينان، وهي بطلة اسطورية من الاهقار بصحراء الجزائر تقول مخاطبة الفدائيين والفدائيات لحظة اقتراب المواجهة تجسده وحدة هذه العلاقات.
انكم فرسان شجعان دائما وابدا، ونحن النساء بدونكم لا نساوي شيئا، ولكنكم هذه المرة وفرتم لنا فرصة مشاركتكم في الدفاع عن القلعة، حتى لا تستأثروا بحب الوطن وحدكم»(ص56).
وقبل ان يسدل الستار نهائيا معلنا انتهاء المسرحية، وعقب تفكيك اسم الشهيدة مريم بوعتورة موسيقيا تخرج النساء جميعا على خشبة المسرح هاتفات بصوت واحد: «نحن الارض.. والشرف.. والعطاء نحن هنا ازلا وابدا.. حرائر في بلد الحرية انسانيات في ركب الحضارة».
* كاتب أردني