السجالات المستمرة حول الليبرالية في العقدين الأخيرين ليس منشؤها التحول الخطير لهذه الليبرالية نحو الرأسمالية المطلقة وقيم السوق حسب، وإنما أيضا لأنها أصبحت تكتسي مفاهيم متناقضة وغريبة مع مرور الزمن، فبالرغم من تأكيد التزام الليبراليين أهمية الحرية فإنهم في الغالب يصرون على سلوك يشكل ضدا على الحريات الديمقراطية الاجتماعية، ويحولون دون تنفيذ قرارات جماعية أتت بصوره ديمقراطية بالنظر إلى ما يتمتع به الرأسماليون من هيمنة ونفوذ داخل الدولة.
ونظرا لاهتمامها الشديد بالحريات الفردية، أهملت الليبرالية مصلحة الجماعة، لا بل زعمت أن مصالح الأفراد تتطابق مع مصلحة الجماعة. ولكنها تدعي أن عدم المساواة الاجتماعية أمر طبيعي، بل وضروري، وأن القوانين الاقتصادية الطبيعية تقتضي إطلاق المبادرات الفردية إلى أقصى مدياتها سعيا وراء تحقيق النظام الطبيعي والتوازن العام في المجتمع. ولذلك فقد فسرت على أنها الدواء السحري النافع الذي يعيد إلى المجتمع التألق والحيوية ويضعه دائما على طريق التقدم.
ويحلو لجماعة المنظرين للفلسفة الليبرالية أن يحاولوا البرهنة دائما على أن الليبرالية لا تحتاج إلى أية تسويغات مسبقة كونها منبثقة من نظام طبيعي. بيد أن هذا الرأي الحاسم ينطوي على نزعتين خطيرتين من شأنهما أن تحيلا الليبرالية إلى عقيدة مثالية:
الأولى: تسامي الليبرالية فوق مستوى النقد مهما أصابها من انحرافات خطيرة.
الثانية: تحولها إلى عقيدة شمولية، متأثرة إلى حد كبير بداروينية اجتماعية واقتصادية تبلغ الليبرالية ذراها الوحيدة، لتنقطع بعد ذلك الحلقة الداروينية.
وبوصول الدولة القومية إلى الذرى الرأسمالية المتفقة حتما مع الفكرة الليبرالية، حصل شكل من التوافق مع الديمقراطية بما هي آلية لتسويق الفكرة الليبرالية بصورة قانونية ومنح الأفراد فرصة التعبير عن تطلعاتهم السياسية المشروعة، بيد أن التقدير الخاص بالليبرالي يقدم افتراضا مفاده أن الليبرالية تتصل أمشاجها بناحيتين أساسيتين هما: الليبرالية الاقتصادية والليبرالية السياسية، وأنهما يشكلان بالنسبة لليبرالي بداهة غير قابلة للنقاش، وذلك وفقا للتصور الخاص الذي يقدمه الليبرالي للعلاقة بين الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية.
ومن الناحية الواقعية، فإن هذا التقرير الذي يتبناه الليبرالي يتجاهل من ناحية حقيقة التفسير الخاص الذي يتبناه تجاه مفهوم الديمقراطية. ومن ناحية ثانية، فإنه يتجاهل حقيقة أن تجاهل الاستحقاقات الديمقراطية لبعض مصالح الليبرالي يعني أن العيوب كامنة في الناس وليس في الديمقراطية الليبرالية، ولذا فإنه يعتقد أن من حقه أن يتسلح بتشريعات خاصة تحد من هيمنة الجمهور الديمقراطي. أما الفكرة الليبرالية فهي من حيث المبدأ فكرة صافية، وبناء على ذلك فإن الديمقراطية الليبرالية لا تعوزها أية تسويغات قبلية، إذ إنها تمثل معطى قبليا بديهيا، فهي إذن مكتفية بذاتها. وطبيعي أن هذا الزعم لا يعد ذودا عن فكرة الديمقراطية الليبرالية أمام خصوم لا يكفون عن ازدراء نقائصها بقدر ما هو تعال بها عن النقد أو المناقشة لكونها تقع خارج دائرة المساءلة أو النقد. بيد أن هذا التصميم من شأنه أن يسقط في أمراض المركزية الغربية، ونزعة تسامي العقلانية في نسختها الغربية أيضا.
الافتراض الوجيه الآن هو أن الإصرار على عدم الرغبة في الإفصاح عن التاريخ المشاكس أو المضطرب بين ما هو ليبرالي وما هو ديمقراطي في تراث الدولة القومية الأوروبية الحديثة هو المسؤول عن التصميم السابق، بهدف تحاشي نقد الفكر الليبرالية وتجنب المس بطهارتها المزعومة، خصوصا عند محاولة مطابقتها مع فلسفتها الأصلية بإزاء امبريقيتها، بقصد إعلائها فوق التاريخ والواقع، ولا سيما مع الادعاء المفرط بمطابقتها مع العقلانية، وادعاء قدرتها بدينامياتها الخاصة على تقويم ذاتها بما يضمن نزاهتها على المدى. ولذا فإنه ليس مستغربا أن تتبرم الليبرالية الجديدة من الخطاب الذي يحيلها إلى الفلسفة، أي إلى الخطاب الذي يردها إلى أصولها، لأن هذا الأمر من شأنه أن يعري التناقض الفاضح بين النظرية والواقع، ففطريتها النظرية لا تنسجم مع توحشها الواقعي إن لم تكن بربريتها الصريحة.
ليبرالية الذروة والاقتصاد المختلط
الاعتقاد الصلب الذي يحمله الكثيرون بخصوص الفكرة الليبرالية هو أن التفاوت الصارخ بين مثل الحرية والمساواة والعدالة، وهي أس الديباجة الليبرالية، وبين واقع الحال الذي تعيشه هذه الليبرالية هو مجرد مشكلة امبريقية يمكن التغلب عليها بمزيج من العلوم الاجتماعية وبعض الإصلاحات الجزئية، وبالتالي فان هذا الأمر لا ينقص من الحقيقة التي تقول إن الإنسانية صائرة لا محالة إلى الليبرالية السياسية والاقتصادية.
وهذا التخريج الطوباوي الركيك للمسألة لا يمنع الجدل المحتدم بين أوساط المنظرين الليبراليين أنفسهم حول مسألة استقامة المسار الليبرالي في التوزيع المنصف للثروة مثلا. فهم ينقسمون هنا بين مؤيد للمبدأ الرأسمالي الإطلاقي غير المقيد بأية قيود، وذي التصور الخاص للدولة ووظائفها، بوصفها دولة الحد الأدنى، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه مبدأ ليبرالية الذروة، وبين مؤيد للاقتصاد المختلط ودولة الرفاء. وبالتالي يصبح لدينا نوعان من الليبرالية، الأولى الليبرالية المصممة على مبدأ العدالة والمساواة والشراكة السياسية والاقتصادية، وهي التي تتجسد فيها الحرية الحقيقية بوصفها قوة خلاقة، وهذه هي الرؤية الكلاسيكية لليبرالية والتي تمثلت في أفكار جون ستيوارت مل ومشروعه السياسي الاجتماعي، الذي يؤسس لمنطق من العلاقات الصحيحة.
فباقتران الحرية مع المسؤولية والاستقلالية مع المشاركة الواعية في الحركة التنموية الاجتماعية، وسعادة الفرد بسعادة المجتمع، يكون الفرد الحر في فلسفة «مل» فردا اجتماعيا، وليس فردا يتصرف وفق رغبته وشهوته الجامحة دون الأخذ بعين الاعتبار سعادة المجتمع. أما النوع الثاني من الليبرالية، فيتمثل في الليبرالية المؤسسة للعقيدة الرأسمالية والاقتصاد الحر، ومن دون قيود أو حدود، وهي تلقى تجلياتها الراهنة بانفلات قوى العولمة الرأسمالية من عقالها الاجتماعي والقانوني والأخلاقي.
«دعه يعمل دعه يمر»
وتعود الليبرالية من حيث أفكارها وأصولها إلى تشكيل واسع وغير متجانس في الحقيقة. من الحركات الفكرية والاشتغالات الفلسفية التي نشطت خلال الفترة الممتدة ما بين حركة الإصلاح الديني والثورة الفرنسية، انطلاقا من أسماء لها بصمات واضحة على الفكر الليبرالي من أمثال: جون لوك، وروسو، وجون ستيوارت مل، وديفيد هيوم، وفولتير، وجيمس ماديسون، وآدم سميث، وريكاردو، ومالتوس.
وقد كرس المفكرون الليبراليون نضالهم من اجل تأسيس مجتمع يصبح فيه (العقد) المبدأ القانوني لتنظيم العلاقات الاجتماعية، وتكون فيه الحرية والملكية المبدأ المقدس الطبيعي للفرد المستقل والمتحرر من القيود، والذي يسعى لتحقيق مصالحه وإشباع رغباته كما حددتها له نوازعه وعواطفه الطبيعية.
وتنهض الفكرة الليبرالية على مفهوم الحرية المحتفى بها تكريسا وتنظيرا عند جون لوك الذي انطلق في تأصيلها من فكرة القانون الطبيعي الذي يمحض الأفراد حقوقا طبيعية غير قابلة للتصرف فيها. وفي ميدان الملكية والاقتصاد تكرس الاحتفاء بمبدأ «المذهب الطبيعي» من اجل تسويغ الحرية الاقتصادية والحد من تدخل الدولة في نشاط الأفراد، أو ما يسمى بمبدأ حيادية الدولة تجاه الأهداف النهائية والمثل العليا الفردية. وهكذا أصبح الاقتصاد هو المحرك الأساسي للنشاط الإنساني انطلاقا من الضمانات الكافية لحرية الأفراد وسعيهم لتحقيق مصالحهم الشخصية، فظهر تبعا لذلك مبدأ دعه يعمل دعه يمر» على أساس الاحتجاج بوجود نظام طبيعي يضمن تحقيق رفاهية جميع الأفراد، وذلك عبر سعي كل فرد نحو تحقيق مصالحه الذاتية، فاعتبر آدم سمث أن تحفيز الأفراد وتمكينهم من تحقيق المصالح الخاصة بهم هو الشرط الضروري لنمو الحياة الاقتصادية وازدهارها. ولهذا فقد ارتبطت الأفكار الليبرالية دائما بحركة صعود وتطور النظام الرأسمالي في الغرب.
وعليه، فإن جوهر الليبرالية كفلسفة يرتبط بالفرد وحريته، ومسألة تحرره من كل أنواع السيطرة، وفي مجال التنظيم السياسي فإنه يركز على دولة الحد الأدنى أو ما يسميه بعضهم «الدولة الرخوة». وبمعنى آخر تحرر الفرد الليبرالي من تسلط الدولة وتدخلاتها الكبيرة في أنشطته وحرياته. ولذا فإنه من غير المستغرب أن الدولة الديمقراطية الحديثة ذات النزعة الليبرالية تنطلق في عقيدتها السياسية الاقتصادية من مبدأ الفردية، أي بحسبان الفرد الحر والمتساوي هدفا نهائيا، وقيمة بذاته، لكونه كائنا حرا ومستقلا يسعى لتحقيق مصالحه وأهدافه كما يحددها هو. وبالتالي فإن أنصار المدرسة الليبرالية ومؤيديها في الفكر السياسي المعاصر هم الأشد تصميما على محاصرة البعد الغائي للدولة، وحجتهم في ذلك أن الفرد هو الأساس، ولذا فلا مندوحة من توسيع المساحة المحمية للأفراد ونشاطاتهم عبر شبكة من الضمانات الحقوقية.
وعلى الرغم من حقيقة أن الليبرالية عند ظهورها كانت تشير إلى منظومة من الحقوق الفردية، إلا أن الطبقة البرجوازية الصاعدة آنذاك تمسكت بالمعيار الاقتصادي لليبرالية، ولم تكن لتعنى بالليبرالية السياسية إلا عندما ضمنت هيمنتها على هذا الجانب المهم، أو أنها على الأقل ضمنت جانبا كبيرا من مؤسسات الدولة لصالح إطلاق حرياتها وحقوقها التي تنادي بها. وطبيعي أن إصرارها على تطبيق الليبرالية الاقتصادية منشؤه كونها الفلسفة الوحيدة التي تقدم لها المبرر بأن ما تحققه من أرباح وثروات وهيمنة ما هو إلا نتيجة منطقية لمثابرتها الشخصية، وحسن تدبيرها، وتفضيلها روح المخاطرة والمغامرة. ولهذا وقفت هذه الليبرالية ضد أي حق من شأنه ان يمس حريتها ويعوق إرادتها في تعظيم أرباحها وثرواتها واحتكارها للسلطة.
الديمقراطية والليبرالية
إن الليبرالية بما هي فلسفة لصيقة بالطبقة البرجوازية، لم تكن ابتداء تشير إلى الديمقراطية، فهي نشأت وتمحورت حول فلسفة الفرد الحر ذي الضمانات القانونية الواسعة جدا، ثم، وفيما بعد حصلت عملية دمقرطتها فالفكرة الديمقراطية تستند في المقام الأول إلى مبدأ إطلاق الحريات، وذلك من دون أن تشير أدنى إشارة إلى هوية المستفيدين من تلك الحريات. والواقع أن الحقوق الليبرالية ارتبطت في بداياتها بالطبقات العليا في مجتمعات أوروبا الغربية، ولم تلبث أن اتسعت دائرة هذه الحقوق تدريجيا عبر نضال اجتماعي دائب شمل جميع فئات المواطنين. وقد كانت معضلة المفكرين الليبراليين في الغرب إبان القرن التاسع عشر تتمثل في كيفية التوفيق بين التقاليد الليبرالية الخاصة بالقرنين السابع عشر والثامن عشر من ناحية وازدياد المطالب الشعبية بالمساواة من ناحية أخرى.
وابتداء من منتصف القرن التاسع عشر حصل زواج تاريخي بين الأفكار الليبرالية والأفكار الديمقراطية وتوج هذا الزواج بإعلان انبثاق مفهوم الديمقراطية الليبرالية، الذي أخذ يشي شيئا فشيئا بدلالة مرتبطة بالسوق والاقتصاد الحر ورأس المال، وانحصرت فلسفته مع حركة صعود النظام الرأسمالي عند تعظيم قاعدة الضمانات والامتيازات لقوى السوق والنخب الاقتصادية.
وإذا كانت الديمقراطية قد فرضت نفسها لأجل حسم مسألة الشرعية في الدولة أو الحكم بعد أن ظهر زيف أسس ومسوغات الشرعية المستندة إلى الحق الإلهي للملوك في الحكم، فإن الفكرة الليبرالية جاءت نتيجة المخاوف التي رافقت ولادة الدولة القومية الرأسمالية، ديمقراطية كانت أو غير ديمقراطية، وعليه فإن هذا الزواج لم يخل منذ بدايته من جرثومة التوتر الذي ينذر في نظر الكثيرين بالطلاق بينهما في إطار الدولة الواحدة، كون العلاقة بينهما -وعلى العكس مما يشاع دائما- ليست علاقة منطقية أو مفهومية، وإنما هي بالأحرى علاقة إمكانية تاريخية، وذلك على غرار العلاقة بين الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية، فثمة ديمقراطيات من دون ليبرالية على غرار أثينا القديمة، وثمة بالمقابل ليبرالية من دون ديمقراطية، أي ليبرالية اقتصادية تعيش في أحضان نظام حكم سلطوي مستنير على غرار ماليزيا الحديثة.
وعلى الرغم من أن العلاقة بين الديمقراطية والليبرالية علاقة تاريخية تحتمل الإمكان وليست علاقة مفهومية ضرورية كما يزعم أولئك المتعصبون جدا للفكرة الليبرالية في نسختها الرأسمالية المجددة، فلا مجال لإنكار تزامن اللحظة الليبرالية مع لحظة ولادة الدولة الديمقراطية الحديثة، وقد تطلبت هذه المصاهرة تنازلات وتكيفات متبادلة.
وفي ضوء حقيقة التوتر الملازم لهذا الشكل من المصاهرة التاريخية، فإن الديمقراطية كآلية للتسويات الاجتماعية تعمل من أجل التوفيق بين جبهتي الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية، وقد حصلت نجاحات واضحة على الرغم من استمرار شقة الخلاف حول طبيعة الدولة ودورها ووظيفتها وفلسفتها الفردية والاجتماعية، وفي ضوء رغبة الليبراليين الرأسماليين ذوي النزعة الإطلاقية التقليل من النتائج أو الاستحقاقات الملزمة التي تفرضها الليبرالية السياسية.
وبالمقابل قد لا يكون من المبالغة القول إن الليبراليين الديمقراطيين هم ليبراليون أساسا فيما يتعلق بالنشاطات الاقتصادية الرأسمالية، بينما هم ديمقراطيون على مضض، أي أنهم يتشبثون بالديمقراطية طالما أنها تحقق لهم دائما ما يرغبون به. فالنظرية السياسية التي يؤمنون بها ينبغي -من وجهة نظرهم- أن تكون خادمة أمنية للحرية الليبرالية في ديباجتها الاقتصادية، وبالتالي فإنهم ليسوا ديمقراطيين نظريا وعمليا بالدرجة نفسها بالنسبة لإيمانهم الراسخ بالليبرالية الاقتصادية. وهذا التناقض في الأهداف النهائية لكل منهما والذي يبقى ملازما لمسيرتهما معا يهدد من وجهة نظر بعضهم ديمومة التعايش أو التوافق بينهما.
قوة الفرد وقوة الصوت
إنه من الصحيح القول إن الديمقراطية تمثل خيارا شعبيا طاغيا، وإنها تشكل آلية تمتلك أفضلية حاسمة لترجمة إرادة الأغلبية وتكريس مبدأ المشاركة وتداول السلطة، ولكن المفارقة هي أن الليبرالي يسعى جاهدا إلى تضييق مجال انطباق القرارات الجماعية الديمقراطية عند أدنى مستوياتها، كما يسعى جاهدا أيضا إلى الانتقاص من قيمة أو أهمية السياسة والخيار الديمقراطي الجماعي، بحجة حماية الأفراد والأقليات من خطر طغيان الجماعة الأكثر عددا في المجتمع. فإذا كانت القرارات الديمقراطية تقوم على مبدأ الأغلبية العددية، ولا مفر من التسليم بذلك في النظام الديمقراطي -للدولة الحديثة- فإن تدخل السلطة أو المجتمع في الشؤون الخاصة للفرد يصبح واردا جدا. ومن هنا فإن الليبرالي يسعى دائما إلى توسيع حدود الحياة الخاصة بالفرد عبر هيئات دستورية عليا تمتلك صلاحية إبطال إرادة الأغلبية، وقرارات مؤسسات التمثيل على حد سواء بحجة صيانة الحريات الفردية التي لا يكف الليبراليون عن تعداد فضائلها.
ويفضل الليبراليون الذين يضيقون ذرعا بالقرارات التمثيلية الجماعية قوة الفرد عوضا عن قوة الصوت. وقد يبدو للوهلة الأولى أنه لا وجود لفوارق بين الاثنين، ولكن التمحيص فيما وراء التضليل اللفظي يظهر الفرق بينهما، إذ إن قوة الصوت تشبه إلى حد كبير السلعة الثلجية التي يمتلكها العامل على سبيل المثال، فهو يمتلك قوة عمل ولكنها قوة تتضمن فائدة له إذا أنفقت في عمل ما، وفي وقت ما، ولا تكون كذلك إذا لم يتم استغلالها في هذا العمل، فهي قوة نافعة في وقت بذلها في جهد عملي، وبالنسبة لقوة الصوت فعلى الرغم من أهميته في المشاركة والتمثيل والصناعة غير المباشرة للقرارات، إلا أن ذلك يتبخر ويصبح غير ذات أهمية أمام قوة الفرد، وهي قوة تمتلك خاصتي الامتداد والاستمرارية، وتعتمد على القدرة والنفوذ الاقتصاديين اللذين يمتلكهما الفرد؛ بحيث يتمكن عبرهما من التمدد والانتقال من سلطة السوق التي تسيطر عليه إلى سلطة المجتمع والحكم ومؤسسات الدولة. وهنا يبدو أن نوعا من المصادرة تحصل على مستوى الليبرالية فكرة وتطبيقا، فهي على المستوى العملي عرفت دائما كيف تؤقلم مضامينها وأفكارها لكي تلبي مصالح الفئات الرأسمالية.
ووفقا لهذه المصادرة فقد تعرضت الليبرالية إلى نقد على المستويين النظري والعملي، طال العديد من فرضياتها، ومنها فرضية أن المجتمع الليبرالي قادر بآلياته الذاتية على تعظيم منافع الأفراد ككل على قدم المساواة، وهو افتراض يحتمل الشك بسبب أن نجاح هذا الأمر يتوقف أساسا على نمط توزيع الموارد في المجتمع، وهو نمط يعجز عن تحقيق تكافؤ الفرص بين الأفراد، فالسوق توزع المنافع حسب النفوذ الخاص بالفرد، وأيضا بحسب ما يمتلك من موارد، وبالتالي فإن قوى السوق هي وحدها القادرة على التحكم والاستفادة من مزايا الليبرالية ومكاسبها. إن الأساس الفلسفي لليبرالية الخالصة يشدد على المثل الأعلى انطلاقا من تنافس أفراد متساوين، بينما الواقع الإمبريقي يكرس ليبرالية الفرص التي تبقى دائما امتياز نخبتها.
ديمقراطيون على مضض!
تنطوي حجة الليبرالية الجديدة المشددة على مبدأ حيادية الدولة بخصوص نشاطات الأفراد وحريتهم في ممارسة حياتهم وفق ما يقدرون أنه خيرهم وخلاصهم على فساد جلي، ليس بسبب الخلاف الناشب بين أوساط المنظرين الليبراليين حول مسائل التوزيع العادل للمنافع الاقتصادية وبرامج إعادة تدوير الثروة، ولكن من جهة خرق مبدأ المساواة بين الأفراد في الدولة الذي يعتمد فيه على نزاهة المبدأ الديمقراطي الذي صمم ليكفل توفير الضمانات الناظمة لمساعي الأفراد المتساويين والمستقلين في آن معا، وذلك نحو تحقيق الأهداف والمصالح التي يسعون إليها بحرية تامة. فالديمقراطية التي تشكل آلية للتسويات أو التوافقات الاجتماعية تكفل حيادية الدولة إزاء التطلعات المشروعة لجميع الأفراد من دون استثناء، ولكنها لا تضمن غريرة الليبرالي الذي يمتلك القوة والنفوذ، ولا يحد طموحه حدود، كما أنها لا تضمن استقامته ونزاهته الأخلاقية لجهة التحايل على مبدأي الحرية والديمقراطية ذاتهما.
وإذا صدقت مقولة إن الليبراليين إنما هم ديمقراطيون على مضض، فإن هذا يعني أن فهمهم للديمقراطية والليبرالية تنطوي على هندسة خاصة لكل من الدولة والمجتمع على حد سواء. فهم من جانب إطلاقيون من حيث أنهم ليبراليون يصرون على حرية الأفراد، والسوق والملكية، وغيرها من المسائل التي تعزز حرية الفرد إلى ابعد حد ممكن، كما أنهم تقليديون بخصوص تفضيلهم المحسوم لدولة الحد الأدنى أو الدولة الرخوة، وأيضا بخصوص موقفهم من الديمقراطية التمثيلية، وسعيهم المستمر نحو الحد من طغيان رأي الأغلبية في المجتمع أو الدولة. وهنا بالذات تظهر نزعتهم المقاومة للدولة الغائية التي تتبنى مثلا عليا ومبادئ كلية نحو الشعب أو الأمة. وبالنتيجة فهم يفضلون ديمقراطية ضامنة لمساحة أقل من قدرة وفعالية سيطرة القرارات الجماعية الديمقراطية، ومساحة أكبر بالنسبة للأفراد خارج نطاق الدائرة السياسية أو نطاق المجتمع السياسي.
في توليفة الدولة الديمقراطية الليبرالية تعيش جرثومة توتر وسوء ظن تحصل من لدن الليبرالي الإطلاقي نحو الديمقراطية، فهو يتصور دولة محايدة تماما تقوم على الفردية، أي دولة منزوعة التوجهات الأخلاقية أو العقائدية، وأيضا منزوعة الوظائف الاجتماعية، أو القدرة على التدخل ورسم السياسات الخاصة بالعدالة الاجتماعية، وبضمان حرية غير مشروطة لليبرالي. ومن هنا فإن الليبرالي ينحاز كلية إلى السوق كحقل يتم من خلاله إنتاج وتوزيع الخيرات الاقتصادية، ويقبل بالديمقراطية التمثيلية باعتبارها آلية لاتخاذ القرارات الجماعية، غير أنه في الوقت نفسه يعمل على تقييد قرار الأغلبية والتقليل من فاعليته بشبكة متعاظمة من الحقوق المدنية، التي من شأنها أن تشكل قيودا كبيرة على القرارات الجماعية التي أتت من استحقاقات العملية الديمقراطية إلى حد إجهاض أو إلغاء قرارات تصدر عن الممثلين المنتخبين، أو عرقلتها والحيلولة دون تنفيذها.
والواقع أن الحقوق الليبرالية الواسعة في الدولة الرأسمالية الحديثة تضع قيودا هائلة على القرارات الديمقراطية، وهذا ما يثير حفيظة المنظرين الديمقراطيين الذين يرفضون تلك القيود على القرارات الديمقراطية الجماعية كونها تمنح لليبرالي حقوقا تتجاوز أسس اللعبة الديمقراطية القائمة على الأغلبية العددية. وعليه فإن الليبرالية الرأسمالية، وانسجاما مع عقيدة اقتصاد السوق، ترفض أية قوة شعبية تتشكل من خلال الديمقراطية الجماعية، كما أنها تسعى جاهدة لفصل السياسة عن المجتمع، أي أنها تتوتر من صيغة المجتمع السياسي الذي يقوم على مبدأ الأغلبية العددية، وتفضل بدلا منه صيغة المجتمع المدني، الذي يعد في نظر الليبرالي المسرح الحقيقي للنشاط الإنساني ذي القيمة أو المعنى.
يشكل هذا الفصل غير البريء بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي لصالح هيمنة الأول على المسرح الاجتماعي، انتقاصا وحطا من شأن السياسة والخيار الديمقراطي الجماعي، وتهميش فاعلية المؤسسات التمثيلية والحزبية والحد منها.
إنه من الممكن الاعتراف أن الديمقراطية الليبرالية الصاعدة تقترب اليوم من إحكام سيطرة اقتصاد السوق والشركات متعدية الجنسيات، مثلما تقترب من تهميش وإلغاء سلطة الدولة وتدخلها في المجال الاقتصادي وصولا إلى حالة دولة الحد الأدنى أو ما يسمى الدولة الرخوة، التي تصبح معها فاقدة لوظائفها الاجتماعية وأدوارها التقليدية التي قامت بها سابقا. فمع واقعة الزواج التاريخي الثاني الذي تعقده الليبرالية والمتمثل بارتباطها مع العولمة الرأسمالية، تكون الدولة قد امتثلت لوضعية مراقب، أو أنها اكتفت بدور الراعي الفخري لديمقراطية تكاد تنحصر فضائلها وخيراتها بنخبتها الممتازة، وتحولت من دولة ديمقراطية ملتزمة بحقوق الرفاء الاجتماعي إلى مجرد شاهد على حركة اقتصاد السوق المعولمة. وبطبيعة الحال فإن السوق ستكون قادرة على إفراز ممثلين للشعب يقتصر دورهم على حماية مصالح أرباب السوق وممثليها من رجال الشركات الكبرى والمؤسسات الرأسمالية الممتدة الذين لا يأبهون سوى بفضيلة تعظيم رؤوس أموالهم.
والواقع أن الليبرالية الديمقراطية المعاصرة تتخذ شكل لعبة سخيفة للمشاركة مع طغيان قوى العولمة، وسوف يقتصر دورها وخطابها الداخلي على محاولة خلق استيهام وطني في المشاركة بالقرارات، وفي وحدة وتكافؤ المصالح بين المواطنين، حتى وإن كانوا في الواقع غير متكافئين أو متساوين.
وبخصوص مرحلة الدولة القومية الديمقراطية التي بقيت حتى عهد قريب نموذجا يحتذي به في العالم، يلاحظ أن التصميم الذي يحمله منظرو الليبرالية الجديدة من شأنه أن يؤسس لمرحلة إعلان أفول هذه الدولة، كونها ظلت تشكل من وجهة نظرهم أعلى حلقات الطفولة البشرية، أو أنها كانت تناظر عقلانية القرنين التاسع عشر والعشرين. أما وقد نضجت البشرية واستقامت نزاهة الفرد الليبرالي، فإنه والحال كذلك لم تعد الإنسانية بحاجة إلى الدولة القومية التقليدية، ولكنها بالأحرى تحتاج إلى دولة شكلية لا تشكل ضرورة أخلاقية وقانونية لجهة التنظيم والعدالة الاجتماعية والقانون القوي، بيد أنها تشكل فقط ضرورة عاطفية، لكي لا تصاب الشعوب المنتمية إليها بأمراض الفقر العاطفي نتيجة فقدانها الكامل لدولتها، وإحساسها بأنها تخسر هذه الدولة التي ضحت بالكثير من أجلها. ولذا فإنها وبوحي من طفولتها قريبة العهد تبقى موصولة منه حبلها السري، أي دولتها، والحال هكذا فإن الإنشاء العولمي الليبرالي الجديد هو أن من حق الشعوب أن تحلم بالعيش في ظل هياكل دولة أثرية وتكون شاهدة على عبقرية الفرد وحريته اللامحدودة. ولكنها تبقى دولة منزوعة القوة والسيادة والوظيفة، لأنه لا سيادة في الحقيقة إلا للسوق واقتصاد الرأسمال الليبرالي، ولا قوانين سوى قوانين الفرد المتطلع إلى تجلية عبقريته في عالم المال والهيمنة، وعندئذ لا يكون بين الإنسانية وبين البربرية المتوحشة سوى خطوة واحدة.
* باحث أردني