تبدو قصص حسن حميد في مجموعته في البحث عنها، الصادرة عن دار نارة للنشر والتوزيع، بدعم من وزارة الثقافة الأردنية (2006)، تنويعات على ثيمة واحدة، هي البحث؛ بحث الإنسان، عموما، عن حريته، بحث الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، وبحث الذات عن ذاتها... فهناك دائما ما يعز لأنه مفقود، ويصعب -أو يستحيل- الوصول إليه، أو التواصل معه.
وبطل هذه القصص هو الإنسان/ الفرد/ الوحيد، الذي يعيش صراعات داخلية ومعاناة لا حدود لها.. إنه بطل محاصر من نفسه حينا، ومن المجتمع حينا آخر، ومن السلطة التي تطارده وتضطهده دونما جرم حقيقي اقترفه، أحيانا كثيرة.
ولأن السرد تركز على جوانية الإنسان وعوالمه الباطنية، فقد تكثف الاعتماد على المونولوج، الذي ساهم في بوح الشخصية بمكنوناتها، وفي إضاءة جوانبها المعتمة، عبر لغة تتسم بكثرة الاستعارات والتشبيهات والصور الفنية؛ لغة محملة بطاقة دلالية متجددة. ومثال ذلك ما نجده في قصة تجوال التي تتناول عبر لغة محفوفة بشعرية عالية- علاقة إنسانية/ وجدانية تنشأ بين رجل وامرأة.
وتلك العلاقة، وإن بدت أول الأمر عابرة، يتكشف عنها خيوط عميقة ومتينة تجمع الطرفين في أحد المساءات الماطرة، إذ يشعر كل منهما بمشاعر شفيفة تجاه الآخر، وتستبد بهما رغبة تقود روحيهما إلى التوحد التام: شعرا وهما في توحدهما النادر، بلحظة النشوة بعيدة المنال، وأن الهواء الشفيف الرائق يخصهما وحسب، وأن زهوة المساء فراشهما الدافئ الوسيع. ولم يطل بهما الوقت كثيرا حتى أحسا بأن غيبوبة ما أو لطافة آسرة أخذتهما بعيدا في الطمأنينة الوارفة فانقادا إليها تحت خدر أليف ناعم [ص 17]. وتستدعي الحالة الوجدانية التي يعيشها البطلان، ما حدث لآدم وحواء في بحثهما، بعد نزولهما إلى الأرض، عن بعضهما بعضا، ومن ثم التقائهما، ليكتشفا الرغبة.
ويظل بحث الرجل عن المرأة، وبحث المرأة عن الرجل، ولقاؤهما الذي يتم دون تخطيط مسبق، وكأنما يد خفية تقود كلا منهما باتجاه الآخر.. يظل هاجس معظم قصص المجموعة، كقصة رجل وامرأة، حيث يقف رجل وامرأة أمام كابينة هاتف عمومي، يشغلها رجل يجري اتصالا هاتفيا طويلا. تنتظر المرأة دورها لتهاتف رجلا، وكذلك الرجل الذي جاء لمهاتفة امرأة، لكن قصير القامة الرابض في الكابينة يحول دون تحقيقهما لما جاءا من أجله، بل ويبدو لكل منهما أنه جاء من أجل شيء مختلف يتبدى له عندما يجد القدر يسوق الآخر إليه: عرفت أنه وقف طويلا هنا من أجل أن يتحدث إليها. وعرف هو أنها تركت الحفلة لتتحدث إليه. وبينما هما يغمغمان.. خرج الرجل القصير الأجرد، وقد بدت استدارة بطنه، وبادرهما بالاعتذار والأسف لأنه لم ينته من حديثه بعد!! ورجاهما أن يصرفا له ليرة بأربعة أرباع.. فما زال لديه ما يقوله.
.. ولكم دهش حين رآهما يبتعدان عن (القمرة) من دون كلمة واحدة، متكاتفين فوق درب مغسول لامع مغطى ببخار أنفاسهما الدافئة [ص 86].
وبموازاة القدرية التي تسوق كلا من الرجل والمرأة إلى بعضهما بعضا، يبدو في قصص أخرى أن إمكانية التقائهما مستحيلة أو عصية على التحقق، في ظل وجود الحواجز التي تباعد فيما بينهما، ليظل الواحد بالنسبة للآخر، حلما وطيفا يهجس به دون أن يتاح له التواصل الحقيقي معه. ومثال ذلك القصة التي حملت المجموعة اسمها، حيث المرأة ما هي إلا كيان رمزي حلمي يحاول الرجل القبض عليه، لكن محاولاته تبوء بالفشل.
تتكون هذه القصة، على الصعيد البنائي، من عدة مقاطع ساعدت في عدم انسياح السرد، خصوصا وأن القصة تتسم بكثرة الاسترجاعات الزمنية، وإبراز الحالة الذهنية والنفسية للشخوص. حيث ينتظر الرجل المرأة التي أحب، وقد واعدها على اللقاء مساء. يظل في حيرة وطول انتظار أمام باب بيتها الخشبي حتى ينشق وتظهر منه. تشاطره همومها وتحدثه عنها وعن والدتها المريضة. ويبدو أن هذا اللقاء لم يتم إلا في خيال الرجل، وهو ما تكشف عنه ردة فعله حين يقدم بعدما طال انتظاره، على فتح الباب عنوة، لتأتي الخاتمة الفانتازية، إذ يكتشف أنه ليس هناك بيت خلف الباب الخشبي، وإنما بستان أشجار، فيظل ينادي على المرأة؛ بائعة الصبار (ولنلاحظ هنا دلالة ارتباط هذا العمل بسياق حياتها كما تصورها القصة: فتاة فقيرة تعيل والدتها المريضة وتعتني بها)، ولا يهدأ إلا حين يسمع صدى صوتها يتردد في جنبات البستان: أناديها بكل صوتي، لكنها لا تدنو، ولا تبين. ويظل الصوتان يتلاقيان ويتداخلان بترجيع شجي بعيد. أظل على عطشي، أطارد بجسدي ونداءاتي صوتها، وتظل هي بعيدة، ويظل البستان واسعا، ومظلما، وباردا على مخلوق وحيد.. صار بلا روح أو يكاد [ص 43].
ويتصف عدد من شخصيات المجموعة بالوحدة، والعزلة، والشعور بالقهر، والفشل في بناء علاقة طبيعية أو حقيقية مع الآخر. وهو ما يمكن التمثيل عليه بقصة الفنان، حيث يعاني البطل من انفضاض الحبيبة والأصحاب من حوله، فيتحايل على ذلك بالتواطؤ على نفسه أولا، وعلى العجوز التي يستأجر غرفة في منزلها ثانيا، حين يقنعها أن له أصدقاء يزورونه وحبيبة تهتم لأمره.. وذلك عبر ممارسته طقوس يومية/ إيهامية: يخفي نباتات الحبق والنعناع، ويغطي سريره بصفحات الجرائد، ويخرج الطاولة وزهرية الورد، ويواري صحون السكائر النحاسية والبللورية، ويعلق لوحاته على الجدران.. كل ذلك في انتظار الأصدقاء الذين سيزورونه مساء، ليطلعوه على آرائهم في ما أنجزه من رسومات!
وفي هذه اللعبة المبنية على الإيهام وخداع النفس، تفضل العجوز صاحبة المنزل عدم كسر خاطر الفنان أو مواجهته بالحقيقة التي يبدو أنها تعرفها. بل إنه ربما يعرف أنها تعرفها، ويجد نفسه مضطرا إلى ارتداء قناع من الوهم على الدوام، ما يشعره بتأنيب الضمير: يرتبك في حضرتها، وينطوي على نفسه، يحس أنها كشفته مرة أخرى، وأنه خذلها في هذا المساء أيضا لأن الآخرين الذي انتظرهم طويلا لم يأتوا؛ يود لو كان بمقدوره أن يصارحها الآن بأن لا أصدقاء له، ولا حبيبة، وأنه يخفي هذا عنها إلى أن يحين موعد الاعتراف الأخير، ويسمعها، بدل أن تقرعه أو تلومه، تهمس له كعادتها كل مساء: أريد أن أنام يا بني، جئت لأقول لك تصبح على خير، لكي تنام أنت أيضا [ ص 30-31].
وتحاك خيوط القصة جيدا، حتى أن القارئ يجد نفسه متورطا في هذه اللعبة. خصوصا وأن سياق السرد يظل على مدار القصة منطقيا ومقنعا ويبدو متمتعا بالصدقية، حتى ليظن القارئ أن الحبيبة التي تعاني بسبب مرض والدتها موجودة فعلا، وأن هناك أصدقاء يواصلون إبداء آرائهم بلوحات الفنان.. وقد ترسخت واقعية السرد ومنطقيته من خلال التركيز على الأوصاف الخارجية للمكان، والزمان، والأصدقاء، والحبيبة، والعجوز صاحبة المنزل.. بما يكشف المعاناة الداخلية لبطل القصة، خصوصا وأن القصة قامت على التقطيع الذي أبرز الصراع وجسد معاناة الشخوص.
من جهة أخرى، تتجه عدة قصص في البحث عنها نحو خلق موقف درامي جاذب حين تصور جو السجن، وما يدور فيه من صراع مستمر بين قوة يمثلها صاحب السلطة الجائرة، وسجين ليس بيده حيلة لمواجهة الظلم.
وفي هذا الصراع غير المتكافئ، يؤخذ بعضهم بجرائم لم يرتكبوها أو، أقله، يحاكموا عليها، كما نجد في قصة السجان التي تصف عذابات السجناء والمعتقلين: حين جئت إلى القاووش استيقظت حواسي كلها. كنت أبحث عن سبب دخولي إلى هذا المكان، وأنا أعرف جيدا أنني لم أؤذ أحدا أو أعتد على أحد [ص 98].
ويتجسد الصراع في ذروته من خلال تصوير الظلم الذي يقع على أيدي مدعي الالتزام بالقوانين، تلك القوانين التي لا تعرف لغة غير الملاحقة والمطاردة والبطش والتعذيب، بما يشوه الإنسان من الداخل، ويفقده الرغبة في مواصلة الحياة. وتتنوع أساليب التعذيب ما بين الجسدية والنفسية الأشد أثرا، كما في قصة القاووش، إذ وبعد أن يعتاد السجين (العم عباس) على سجنه الحجري الرطب المعتم، بكل ما فيه من ثقوب وحشرات وسجناء أصبحوا بمثابة الأهل له، يتم الإفراج عنه وعن جميع السجناء، وقبل ليلة أو ليلتين من تنفيذ حكم الإعدام بحقه.
وبهذا الإفراج يتدفق من جديد الإحساس بالحياة في عروق (العم عباس) الذي يخرج وكله أمل في أن يلتقي ب(هنومة). غير أنه ما يلبث أن يعود إلى سجنه مرة أخرى وقد تراكمت الخيبات وزادت وطأتها على نفسه؛ خرج السجناء الذين اعتاد عليهم؛ ولم يتمكن من رؤية هنومة؛ ولم يتم إعدامه؛ وسيستمر الجلاد بتعذيبه بعد أن اكتشفوا الأوراق التي خبأها تحت فراشه، تحت البلاطات الصغيرة، أوراقه التي كتب فيها مشاعره، وأفكاره بوضوح شديد، وبالأسماء الصريحة!! فقد باح بكل شيء، ووصف كل شيء، ولام أناسا كثيرين، ونعى مصير آخرين.. بعدما ظن أنه ميت لا محالة، وقد نسي أن يأخذها معه حين أفرجوا عنه بعدما أعمى قلبه فرح الخروج.. المفاجئ [ص76].
ولا يقتصر الأثر النفسي المدمر على السجين/ المعتقل فقط، وإنما قد يطال أقرب الناس إليه أيضا، كما في قصة في البحث عنك، حيث ينال الضابط المسؤول عن السجن من زوجة أحد السجناء، التي تضحي بأغلى ما تملكه ظنا منها أنها تستطيع الوصول عبر ذلك إلى زوجها السجين الذي تحب، غير أنها تكتشف، وبعد فوات الأوان، أنها خسرت نفسها، وخسرت زوجها أيضا حين اضطرت، تحت تهديد الضابط بنشر الصور التي كان قد صورها لها وهي معه في الفراش، إلى تسليم الضابط أوراقا وملفات وصفحات جرائد تدين زوجها.
وقد بنيت القصة وفق مستويين من الروي بضمير الأنا؛ الأول جاء على لسان الراوي / الزوج/ السجين الذي كان ينقل أحاسيسه تجاه ما أصاب زوجته من تغيير؛ والثاني على لسان الزوجة، عبر رسالة مكتوبة تركتها له تكشف فيها عن أسباب تغيرها نحوه وطلبها الطلاق منه.
وتواصل مجموعة في البحث عنها تصوير معاناة الإنسان في ظل حياة مزروعة بالقضبان والحواجز الحقيقية حينا: الباب، السجن، الجدران..، والوهمية حينا آخر: أسوار الذات، العزلة، التقاليد والأعراف... يؤطرها جميعها سجن كبير هو المدينة التي اتسم حضورها في القصص بالتعبير عن الوحشة والغربة، فهي سكين راعفة، وبرودة وسهر، وأولاد حرام، وعلقم [ص 22].
* كاتبة أردنية
قصص «في البحث عنها» لحسن حميد: المعاناة في ظل حياة مزروعة بالقضبان .. بقلم : هيا صالح
12:00 22-9-2006
آخر تعديل :
الجمعة