تعتبر نصوص «السرير الحكاء» للكاتب النابه نادر الرنتيسي نموذجا حيا للانهماك في مشاغل اللغة والبحث عن الاسلبة الظافرة، والتداعي المطلق المتحرر من الاحساس بالعالم الموضوعي تحت هيمنة ذات طاغية لا تلتفت الى مبدأ الترابط والاندغام، الذي يتحول في قبضتها الى لا تناغم .. الى تعارض مفارق غير مستجمع لذاته، الذات هنا هادرة تأسرك بما تقول .. تشد .. تهز .. تهيج، لكن ما ان تغلق عينيك وتغلق الكتاب حتى تتوارى الاطياف كلها التي قد تكون انتابت مشاعرك اثناء القراءة، والكتاب ما يزال يقبع بين يديك.
في هذه الكلمة سأقف وراء السر في هذه المفارقة، وفي ضياع الموهبة المتحفزة في خضم الشغف باللغة وطرح اصالة الشكل كغاية وحيدة، وازاحة المضمون الانساني العامر بالمحمولات الدلالية جانبا، والاستعانة على ذلك بالارتكاز الى وهم المعيار اللغوي، بدلا من شرعية تطابق البنية الوظيفية للنص مع البنية الوظيفية للنشاط الانساني برمته، ذلك لأن الفن بطبيعته متعدد الوظائف، وطاقته التدشينية متعالية ولا حدود لها.
مهمة اللغة في الادب تخليق الصورة الفنية، واجتراح الوسائل التعبيرية والتشكيلية الملائمة لذلك، واللغة في هذه الحالة يتعين ان تخضع لوظيفتها الرئيسية في نسج الصورة وبلورتها، وموقف الكاتب يتحدد في نطاق هذه المهمة وخصوصيتها في جميع انماط عمله المخصوص، من انتقاء المفردات والكلمات الى بلوغ الهدف والغاية عبر التراكيب والدلالة وما شابه ذلك.
ومن يخالف ذلك وينزاح عن هذه المهمة، لا يمكن ان يحيط احاطة دقيقة بتفاصيل الصورة وعيانيتها وشفافية فحواها ونصاعة مقصدها، وهذا يعني ان اللغة وسيلة تعبيرية / تشكيلية فاعلة ذات وجوه تصنيفية وتوصيفية لها ملامح معيارية مجردة بأناة من التجسيدات الملموسة، وعند دخولها ميدان الاستخدام العملي، تكون ذات شكل معين يخضع لتراتبية محددة وانتظام محدد، تشي بعض محمولاته بمضمونية صورية وروحية، وتميل بعض مستوياتها الاخرى الى التشيء المادي / الفيزيائي للانتاج الابداعي والفني.
ومن هنا، فان التحليق في الاعالي والمخيال الفسيح غير المتعانق مع الواقع الفظ، والتأثيرات الجانبية المنداحة من البيئة المحيطة لا تخدم بناء الصورة الفنية بكامل قامتها وانتصابها، ويحتاج الامر الى المزج ما بين عالم الفنان الواعي وما بين الاستغراق في فانتازيا الجموح اللغوي، لتشييد منظومة صورية متسقة ومغرية وقابلة للحياة، بما تمتلكه من مواصفات بينة ذات موضوع معين نقف عليه عبر سيرورة التلقي الجمالي وعملية التقييم الفني، مما يبقي الصورة حية غامرة وعالقة في الذهن مدة طويلة.
تضم مجموعة «السرير الحكاء» تسع قصص تستمد نسغها من مدرسة التحليل النفسي، المبني على المبالغة الصارخة بدور العامل الجنسي في نفسية الفرد وفي حياة المجتمع، والقارىء لا يستطيع ادراك المغزى الفكري لهذه القصص بعيدا عن استقصاء المزاج الذي بعث فيها الروح وحاول بلورتها في عمل فني .. اي نقل الثقافة الى لغة الطبيعة الباطنية، من هنا نبعت الاشارات الجنسية الفاضحة لتخدم هذا الغرض، وجاءت المغامرة اللغوية ضرورة ملحة في هذا السبيل، حتى ولو بدا تطعيم القصص بالجنس كخلط الموهبة الوارفة بالخل، وخير مثال على اللفتات الايروسية العابثة وبناء اللغة الجنسية المطابقة لقصد المؤلف نجده في قصة «صور» التي تقوم على رموز افتراضية عبر منظومة من الاشارات اللغوية لتنظيم المجال الانفعالي للشخوص وتهييج عواطفها، وذلك لتلبية رغبة الكاتب في الاحاطة بسلوك الفرد من خلال الاثارة الجنسية، ومقابلة الحالات المتباينة لابراز دور المكابدات الجنسية في ابتناء العمل الفني واقتصاره على المداواة النفسية للرغبات غير المتحققة، واضعاف الدور الاجتماعي في الفن بشكل عام، فالمرأة التي تتصيد الرجال في «منطقة موبوءة بالخطيئة» تسعى بكل السبل ان تستفز فحولة رجل عنين، لكن محاولاتها باءت بالاخفاق.
في هذا الوقت بالذات كان هناك رجل آخر، يصر على الفوز برجولته، حتى ولو ادى ذلك الى هلاكه وهلاك اهله، ولأنه يقايض حياته برجولته.
والقصة بمجملها تعتاش على الشهوة الايروسية، وتنعشها لغة جنسية فاضحة دون مناورة او دوران، مما يفقد اللغة النشاط التواصلي الذي شيدت على اساسه، وتحولت الى لعبة لا تدرك من حياة الشعب شيئا سوى الميل الجنسي، ولا تحمل من الهم العام سوى فبركة الاحلام الجنسية، مما اضعف من عبقرية اللغة، ووأد ذكاءها، وخذلها في معرفة المسائل الحيوية التي تؤرق الناس، وفي القدرة على استكناه الجوانح الداخلية كتراكب للجوانب النفسية والاجتماعية في آن واحد، وفي قصة «فطام» تسوح اللغة وتتناثر وتفيض بطائفة من المفردات والصور البلاغية الجريئة، لاستباحة عنة الذكورة، والتعويض عن ذلك بلعق صدر المرأة حتى النعاس، والتلهي ساعات به دون شهوة، لأن الرجل انفصمت عنه الذكورة.
جموح اللغة في التعبير عن الغريزة الجنسية، تبدى جليا في قصة «السرير الحكاء» التي انشحنت بوهجها وتوقدها.
توق عامر وموصول الى تخليق لغة اشارية تومىء الى ترميز غارق بالكشف الجنسي الفاضح بقصدية فائقة، يتفلت من تكوين بناء متسق تستطيع ان تركن اليه وتعاينه بموضوعية تامة، لأن المؤلف احس ان هذه الركيزة غير كافية لابتناء عمل فني يصمد امام عصف الفكر والادراك الراجع، فانتابه شيء من القلق برز جليا في هشاشة المعمار الكلي والاحساس باضطراب البنيان الداخلي وتواشج نسيجه.
قصة «السرير الحكاء» موزعة في اربعة اجزاء، الا ان ما يجمع بينها هو السرير، او الاصح ما يجري في السرير، حيث تتكشف الحالات الجنسية، التي بدورها تجلي السلوك الانساني وتهتك استاره، ففي السرير وكيفية التعامل معه استطاع الرجل المزواج ان يتعرف على الانثى من المرأة، وعلى الذكر من الرجل، وفي النجمة الثانية لم تنفع فتوحات الرجل في انجاب الذكر الموعود على الرغم من فحولته، وجلت النجمة الثانية الفارق ما بين المرأة والانثى، وما بين الرجل والذكر وفي الرابعة سعت الزوجة الى زوجها العنين لكن دون جدوى، فلقد «ناما وهما يرنوان الى شفاه بعضهما دون ان يحيدا عن تتبع حكاية، لا نهاية لها، مثل طفل يصدق كل ما يسمع ..» (ص 66).
عنوان القصة عند نادر رنتيسي لا يتوفر كعلامة بيانية حسب، وانما يندمج في نسيج القص، ويضحي مكونا من مكوناته، ويحدد درجة تلقي القصة بعد ان يكشف الكثير من عناصرها.
فكرة قصة «قاب ظل وجسد» ذات عبق خاص تستأثر بدلالة موحية ورمزية ملموسة، وصورة حية متبلورة تسري فيها روح دافقة، الا ان اشتباكها بالنزعة الايروسية اوهن بنيتها الداخلية، وافسد كثيرا من تماسكها ورصانتها، مما اضعف من حدة تأثيرها واستدراجها المتلقي، ان الاصرار على استدرار النزوة الجنسية واختراق الهوس الجنسي معظم قصص المجموعة لم يخدم المعمار الفني، ولم يثمر في انتاج اعمال راسخة وشديدة التكثيف والايجاز، ولم يمنحها الألق المطلوب.
لا شك ان الانفعالات الانسانية تلعب دورا في بعث السلوك الانساني وجلائه، الا ان الابداع الفني الحقيقي لا يقوم الا على وحدة الجانبين الذهني والانفعالي وامتزاجهما في نسيج موحد تتبدى فيه القوى الفيزيائية والذهنية معا، بحيث تظل الشخوص تحيا في وجدان الشخص المتلقي زمنا ممتدا، وتظل ملامحها وافعالها تشغل فكره وتنبض مذكرة اياه بأشياء عزيزة لديه، ويبقى سلوكها يهجس في مخيلته، ويثير افراحه واتراحه، وهذا ما سعى اليه نادر الرنتيسي في مجموعته «السرير الحكاء» الا انه ضل الطريق الى ذلك، لكن، تبقى هذه المجموعة علامة شاخصة في دربه الابداعي الطويل، لأنها ارهاصات موهبة ابداعية لافتة.
* ناقد اردني