الفنان المصري د. حامد عويس: خمسون عاما من الفن والثورة .. بقلم : غازي انعيم

الفنان المصري د. حامد عويس: خمسون عاما من الفن والثورة .. بقلم : غازي انعيم

يعد الفنان المصري د. محمد حامد عويس، أحد رواد التعبيرية الاجتماعية في الوطن العربي والعالم، واحد أهم أقطاب الجيل الثالث في مصر الذي وقع عليه عبء تواصل الأجيال.. حيث تميز عن بقية أفراد جيله بثقافته الواسعة وبعدم وقوفه عند حدود البحث التشكيلي البحت، بل إنه تجاوز ذلك إلى التزام الفن بالواقع الاجتماعي وتغيراته.
ولد عويس في الثامن من آذار 1919، في قرية «كفر منصور» بوسط الصعيد، وعلى شاطئ ترعتها كان الصبي الصغير يشكل من الطين أشكالا على هيئة حمار أو جمل أو حيوانات خرافية أو طيور أو فلاحين أثناء عملهم كما شاهدته عيناه ووعته ذاكرته.
بعد ذلك تفجرت الرؤى الجمالية للصبي الصغير عندما شاهد للمرة الأولى في حياته الفنان الشعبي وهو يرسم ويلون واجهات وجدران بيوت قريته الصغيرة بالرسوم الشعبية وسواها... فتأثر بذلك ورسم على واجهات المنازل الكعبة ومسجد المدينة احتفاء بالحجاج العائدين من ديار الحجاز.
وفي العام 1939، التحق بمدرسة الفنون الجميلة، وفيها تتلمذ على يد الفنانين أحمد صبري ويوسف كامل، وفي داخل الكلية تفتحت عينا عويس على القضايا الاجتماعية والسياسية، فكان مشروع تخرجه تحت عنوان: «الكوليرا وملائكة الرحمة»، وقد عبر فيه عن الصراع البطولي ضد الموت.
بعد أن أنهى دراسته في كلية الفنون الجميلة في العام 1944، انتقل عويس من الأسلوب الأكاديمي المدرسي ليبدأ بالبحث الخاص عن شخصية متميزة يكون لها حضورها الفاعل، فحاول الاقتراب من عامة الشعب والتعبير عن مشاكلهم وقضاياهم، متأثرا بالفنان الإسباني «غويا» والفرنسي «دومييه» والتشيلي «ماتا» ورائد التصوير الشعبي المكسيكي «ريفيرا» و«خوسيه اوروزكو».
وما بين العامين 1944 و 1956، عمل عويس مدرسا للرسم في العديد من المدارس والمعاهد الفنية، وانضم إلى جماعة «صوت الفنان» التي كانت تحث على إبداع فن يدعو الناس إلى الاستيقاظ والثورة على الأوضاع السائدة... ورفض المدارس الفنية التي تدعو إلى التغريب كالسريالية والتجريدية..
في الفترة التي تمتد بين العامين 1956 و 1969، حاول عويس الاقتراب من عامة الشعب على اختلاف طبقاتهم وبخاصة العمال والفلاحون الكادحون، فعبر من خلال الواقعية الاجتماعية عن آمالهم وأمانيهم في غد مشرق.. وامتازت لوحاته في هذه المرحلة بصفات الفن الصرحي والتكوين الملحمي الذي يشغل سطح اللوحة بغير فراغات أو مساحات خالية، والإيحاء بشموخ وصلابة وقوة البناء وبثقل الأجسام واستدارتها وبالتركيز على الإنسان والمقاتل البطل الذي حقق نصر حزيران.
بعد ذلك ركز عويس على «الرمزية الاجتماعية»، فكثف فيها المعاني والأفكار والرموز المعبرة عن الواقع وبشكل خاص العمال والفلاحين والأحداث الكبرى، فرسم لوحة حرب 6 أكتوبر (حزيران) 1973 التي أبرز فيها عزم وشجاعة المقاتل العربي.. وفي العام 1974 رسم لوحة «الحصاد»، وفي العام 1975 رسم لوحة بناء السد العالي على هيئة جبل كبير يمنحنا الماء، في الوقت الذي يقف فيه طفل ذو بشرة فاتحة ومعه طفل ذو بشرة سمراء على هضبة يرويان وردة معا، وقد اتسمت اللوحة بصفات الفن الصرحي والتكوين الملحمي..
وخلال هذه الفترة لم ينقطع عويس عن متابعة هاجسه في رسم العمال والفلاحين.. لكنه لم يستمر في الرمزية الاجتماعية، وقل إنتاجه فيما بعد بسبب ندرة المواقف الايجابية في مجرى الأحداث القادرة على هز مشاعره ودفعه إلى تخليدها في لوحاته.
بعد العام 1980، عاد الفنان إلى «التعبيرية الاجتماعية» وإلى تنوع المواضيع التي تناولها مثل: الحقل والمصنع والسوق والشارع والحارة الشعبية والكورنيش والبحر والصيادين والمراكب...
وخلال رحلته الفنية التي تجاوزت الخمسين عاما من الفن والثورة، لم يترك عويس بقعة في مصر أو مكانا في الإسكندرية لم يرسمه.. لذلك استحق التقدير والتكريم، فمنح في العام 1982 وسام الجمهورية من الطبقة الثانية، وفي العام 1985 منح نوط الامتياز من الطبقة الأولى، وفي العام 2001 منح جائزة الدولة التقديرية، وأخيرا فاز في هذا العام بجائزة الرئيس حسني مبارك للفنون.
* ناقد وتشكيلي أردني