-1-
يرى ماري.م.كولم- ان الادب الذي يتصف به عصرنا، بدأ على وجه التقريب في العقد الثاني من القرن العشرين عندما ادرك كاتب يدعى مارسيل بروست ان اثر الزمن في الناس لم يحظ بعد بتعبير حقيقي في الادب، فكتب رواية طويلة جعل الزمن بطلها او شخصيتها الاولى، تلك هي رواية «البحث عن الزمن الضائع»، وقال «والادب الذي يتصف به عصرنا كانت له بداية اخرى عندما ادرك جيمس جويس بتأثير من مكتشفات «فرويد» و«يونغ» بصدد اللاوعي، ان بوسعه ان يكشف عن ماضي رجل ما بكامله، بان يرينا كل ما يفعله وكل ما يدور بخاطره في بضع ساعات من الزمن. ففي «عوليس» تناول ثماني عشرة ساعة من حياة حفنة من الناس في مدينة «دبلن» وبتصويره كل ما فعلوه في هذه الساعات والمشاهد التي رآها في الشوارع والبيوت ومشارف الخمر.. استطاع ان يستحضر ماضي شخصياته ويوحي بمستقبلهم . وقد حطم الشكل النموذجي القديم بما فيه من بداية ووسط ونهاية».
-2-
وفي الوقت الذي يقول بعضهم ان زمن الرواية هو زمن الحدث، يذهب آخر الى انه زمن الكتابة، وثالث يراه زمن القراءة، ورابع يقول ان زمن الرواية: ازمنة ثلاثة: هي زمن الحدث، وزمن الكتابة، وزمن القراءة. لكن «آدم مندلاو» في بحثه «نظرية الزمن في الرواية» وانماطها المختلفة وعلاقته باللغة، يرى ان مشاهير الروائيين كانوا دائما منشغلين بالزمن في قيمه وانواعه. وهي:
1- الزمن الاصطلاحي: ويمثل العلاقة الزمنية بين الاشياء ولا يتأثر بالادراك الحسي للمرء.
2- الزمن الكرونولوجي للقراءة: وهو الزمن الذي يستغرقه القارئ في قراءة الرواية محددة بالساعة، وهذا ذو صلة بطول الرواية الذي تتحكم فيه عوامل او اعتبارات فنية عدة خالصة ككثافة الحبكة مثلا.
3- الزمن الكرونولوجي للكتابة: وهو ذو علاقة بالناحية التجارية. فمعظم الروائيين المحترفين يعيشون على الدخل الذي يجنونه من كتاباتهم.
وقال: ان قراءة رواية تاريخية تقتضي من القارئ اجهاد خياله ليضع نفسه في اطار الفترة التي تدور فيها الاحداث. اما الكاتب فهو غائب او شاهد. اما الكاتب الوهمي فهو ضمير المتكلم ويكون الزمن في عمله ثلاثي الابعاد: زمن القارئ، والمؤلف، والاحداث.
-3-
وعن «ايقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة» كما يراه د.احمد حمد النعيمي في الرواية الجيدة التي تنتظمها ايقاعات جيدة: ايقاع للمكان، وآخر للشخصيات وآخر للاحداث.. الخ، يكون للزمن اهميته الخاصة في ايقاع الرواية، اذ من عبره ومن خلاله يقدم لنا الروائي مصائر شخوصه، ويمكن حصر اشكال الزمن هذه في الرواية في اربعة اشكال رئيسة هي: الزمن الكرنولوجي. الزمن السايكولوجي. الاسترجاع. الاستباق.
وقد تحدث الشكلانيون الروس عن طريقتين لعرض الاحداث او سردها: فاما ان يخضع السرد لمبدأ السببية فتأتي الوقائع مسلسلة وفق منطق خاص او ان يتخلى عن الاعتبارات الزمنية بحيث تتابع الاحداث دون منطق داخلي.
هذا وقد أكد «بارت» على ان المنطق السردي هو الذي يوضع الزمن السردي. وان الزمنية ليست سوى قسم بنيوي في الخطاب، مثلما هو الشأن في اللغة، حيث لا يوجد الزمن الا في شكل نسق او نظام، والزمن السردي في رأيه ليس سوى زمن دلالي، اما الزمن الحقيقي فهو وهم مرجعي واقعي حسب تعبير «يروب».
اما تودورف، فقال بثلاثة اصناف من الازمنة في الرواية هي: زمن القصة اي الزمن الخاص بالعالم التخيلي، وزمن الكتابة او السرد وهو مرتبط بعملية التلفظ، ثم زمن القراءة. اي ذاك الزمن الضروري لقراءة النص.
وقال التفكيكيون انه لا يمكن لدارس النص ان يتغافل عن زمنية النص وظرفه التاريخي، ومن هنا تكون مشروعية وضرورة التأويل. فالقارئ يأتي الى النص وفي ذاكرته وعي بالتاريخ الادبي، وبمخزون من نصوص سابقة حيث يتمازج الماضي بالحاضر. مما يعني ان احساس المتلقي بالزمن في الرواية تحدده ثقافة المتلقي وتعليمه وقراءاته السابقة او تربيته الادبية والفنية.
-4-
ويذهب د.جابر عصفور الى انه بسبب الطبيعة البوليفونية التي ينطوي عليها النسيج الروائي الذي يولف بين العناصر المختلفة والخاصية الحوارية التي تجمع الاضداد. وتصل بينها وصل الجدل في نسيج معقد يتضافر فيه السرد والوصف والاحداث والشخصيات وافعال الكلام وتراكيب الزمان والمكان.. امتلكت الرواية القدرة على التقاط الانغام المتباعدة، المتنافرة، المركبة، المتغايرة الخواص لايقاع عصرنا. والتقاط ايضا تفاصيل المشهد العدائي، القمعي لعالمنا، والسؤال: هل زمن الرواية، بهذا المعنى، هو الذي جعل لوكاش يصف الرواية بانها ملحمة الطبقة الوسطى «البرجوازية» في بحثها عن المعنى والقيمة في عالم تضطرب فيه علاقات المعنى والقيمة؟ الجواب ان الامر كذلك بالتأكيد، فالرواية فن المدينة القادر على اقتناص تحولات الطبقة الوسطى في المدينة التي تزداد تعقدا وازدحاما وكوزموبوليتانية!
هذا وقد عد باختين: التغير الجذري الذي احدثته الرواية في التناسق الزمني للصورة الادبية وتكامل بنائها، احد الخصائص الاساسية الثلاث التي تميز الرواية عن غيرها من الاجناس الادبية.
ومن هذا التغير الجذري في النسق الزمني على سبيل المثال:
1- ما يمكن ان ندعوه بالزمن الدائري تبعا للبنية الحكائية التي تتخذ منحى دائريا اذ تبدأ من النهاية وترتد الى البداية.. وهكذا. كما لاحظنا ذلك في «قامات الزبد» لالياس فركوح: «كان ثمة حكاية/ تأتي نهايتها/ قبل بدايتها/ وتأتي بدايتها/ بعد نهايتها/.. الخ».
2- التلاعب بالزمن: فتارة يدخل الروائي المستقبل في الماضي. وطورا يدخل الماضي في المستقبل، وثالثة يدخل الازمنة بعضها ببعض.
وهكذا النسق الزمني هبوطا وصعودا: فالنسق الزمني الهابط في رواية «الانهار» لعبدالرحمن الربيعي، نسق متطور تقنيا. بمعنى ان هبوطه الى الماضي يوازيه صعود الى المستقبل، ام النسق الزمني الصاعد فنجد توازيا بين زمن الكتابة وزمن الاحداث. فالاحداث تتتابع كما تتتابع الجمل على الورق بشكل خطوط.
-5-
والحقيقة التي يقول بها معظم النقاد والروائيين والباحثين، ان الرواية ا لجديدة ورواية الحداثة وما بعد الحداثة قد دمرت الازمنة ومزقتها، بعد ان كانت الرواية التقليدية تخضع للتسلسل الزمني المحافظ باطار متين من الزمان، وقد ابقت روايات الحداثة وما بعدها، التسلسل الزمني كاطار خارجي لها، وبهذا اخفت الترتيب الزمني للاحداث باستبدال علاقات التتابع بعلاقات التداخل، وتفكيك الحديث وتهشيم الازمنة بانتقال الراوي في سرده بين الماضي والحاضر حسب ما تقتضيه الحاجة، هذا ويلعب الاستباق والتنبؤ دورا مهما في الروائية العجائبية. فهو سرد ما سيحدث لاحقا، او بمعنى آخر هو «عملية سردية تتمثل في ايراد حدث آت او الاشارة اليه مسبقا»، ومثال ذلك: يتم تحطيم الزمن في رواية «مولدغراب» لوارد بدر السالم، بعد ان يرجع الزمن ثلاثين سنة بامر الله ويرى ما لا تراه العيون. وفي رواية «وقائع حارة الزعفراني» لجمال الغيطاني نجد الزمن الطلسمي. اذ يؤمن اهالي الزعفراني بان «زمن الطلسم قد بدأ ليغير العالم».
وفي الرواية الجديدة -ومثال ذلك رواية «المماحي» لآلان روب غرييه لا تعنى بالزمن الروائي قدر ما تعنى بالزمن الذهني، اي الزمن القائم على التصور والاستذكار ومرجعيات الاشياء في ذهن القارئ او الشخصية الروائية. فمن وصف طراز الاشياء: الملابس، الاثاث، مثلا يمكن تحديد العصر «الزمن» الذي تنتمي اليه «واقعية» الرواية -حيث لكل عصر «زمن»- طرزه «موديلاته».
وهكذا في رواية «رغوة السحاب» لمحمود عبدالوهاب: حيث لا وحدة زمان، ولا وحدة مكان تجمع بين «حكايات ارقام الهواتف». هناك ازمنة وامكنة مختلفة ومتباعدة ولكل حكاية زمنها ومكانها -لكن الزمن- في الوقت نفسه- ينتمي الى الماضي وكأن الحاضر قد احترق. والمكان مهما تباعد واتسع، فكأنه متشظ عن مكان واحد وهو البصرة.
ويرجع هذا كما يقول تودورف الى عدم التشابه بين زمانية القصة وزمانية الخطاب، فزمن الخطاب هو بمعنى من المعاني، زمن خطي في حين ان زمن القصة هو زمن متعدد الابعاد، وينسب الى الشكلانيين الروس انهم اول من رأى في التحريف الزماني، سمة الخطاب الوحيدة المميزة له عن القصة. ولذلك جعلوا هذه السمة في مركز ابحاثهم. حيث الشيء الوحيد الذي يكتسي اهمية كبرى هو العلاقات القائمة بين الاحداث. وحيث تتمثل هذه العلاقات في صورة التتابع الزمني. يضاف الى هذه الازمنة الخاصة بالاحداث والشخصيات، زمنان من مستوى مختلف، هما: زمن التلفظ «الكتابة» وزمن الادراك «القراءة» وبالنسبة للاول: يصبح عنصرا ادبيا منذ اللحظة التي يتم فيها ادخاله في القصة: اي في الحالة التي يبدأ فيها السارد سرده. اي ان هذا النوع من الزمانية «زمن التلفظ- الكتابة» يتجلى في «سرد يعلن عن نفسه من حيث هو سرد»، اما زمن القراءة، فقد يكون عنصرا ادبيا عندما يأخذه المؤلف في حسبانه داخل القصة.
* كاتب عراقي