تقول كلاراخانيس Clara Janes (وهي شاعرة من مواليد برشلونة، 1940)، إن جيل ال1977 من الشعراء، هم جيل ما بعد مرحلة الدكتاتور فرانكو، يربطون أنفسهم بشعراء جيل ال27، ويرفضون حركات التجديد في الشعر الأجنبي. وهكذا انطلق شعراء جيل ال77 في إسبانيا في أرض محروثة وخصبة. كانت هناك الأشعار الأخيرة للشاعر خوان رامون خيمينيث في الستينيات، تنتشر إلى جانب شعراء الستينيات، مثل: بيري خيمفيرير، وكارنيرو، وليوبلدوماريا بانيرو، فهم نتاج مرحلة الدكتاتورية، لأن أعمالهم تفتقر إلى أية إيديولوجية سياسية، وبدأ بعضهم يقترب من ما اصطلح على تسميته البحث الصامت، كما فعل بانيرو، أوسيليس. وتوجه بعضهم الآخر إلى التعبير الثقافي بشكل داخلي، قليل التجسد. ومع الترجمة، بدأ يظهر تأثير شعراء أجانب: يتضح تأثير الألماني ريلكه في أعمال الشاعر كارلوس بارال، وأنطونيو مارتينيث ساربون، وماريا فيكتوريا أتنثيا. وكان تأثير اليوت، واضحا في كتابات بيري خيمفرير، وخوان كارلوس سوينين، أما تأثير اليوناني كافافيس، فقد كان سببا في ظهور تيار كامل في الشعر الإسباني، وأثره واضح في عدد من الشعراء، وعلى رأسهم: لويس أنطونيو دي بيينا.
حقق شعراء ال77، كما تقول كلارا خانيس، كل الإمكانات الفنية الممكنة في القصيدة الشعرية، وكانت إجادة تقنية اللغة، العلامة المشتركة بين الشعراء الجدد، رغم تعدد توجهاتهم: العودة إلى السوريالية. وأبرز مثال على ذلك، كتابات الشاعرة بلانكا أندريو في كتابها: من طفلة ريفية جاءت لتعيش في شاغال، 1980، وقصائد أنطونيو غامونيدا، في كتابه: كتابة على ألواح حجرية، 1986، وفي أشعار أنخيل كامبو، في المدينة البيضاء، 1980، وخوليا كاستيو في قصائد مستوحاة من الباروكو، 1980. هذا مع الاختلاف الذي نراه في أعمال غارثيا مونتيرو، الذي يقول: القاعدة العامة التي تجمع هؤلاء الشعراء، هي الرغبة في كتابة قصيدة أقرب إلى الحياة، كما في قصيدة خوليا كاستيو: فتاة ترتدي الجينز.
وتؤكد كلارا خانيس، أن أهم الشعراء الجدد، ظهروا في مدينة بلد الوليد، العام 1985، ومن بينهم: ميغيل كاسادو، ميغيل سواريث، والشاعرة أولفيدو غارثيا فالديس، يمارسون الإبداع الشعري والكتابة النقدية، يكتبون شعرا يتميز بالثقة الكبيرة بالفكرة والمعاناة الإبداعية، وأهم نتاجاتهم الشعرية، هي: إبداع، 1987، حركة مزيفة، 1994، العروس الأوتوماتيكية، 1997 للشاعر ميغيل كاسادو. ومثابرة المختفي، 1994 للشاعر ميغيل سواريث. وهي والطيور، 1994، وصيد ليلي، 1997 للشاعرة أولفيديو غارثيا فالديس. ومن أقرب الشعراء إلى هذه المجموعة، الشاعر خوان كارلوس سوينين، الذي نشر في العام 1988، كتابة حتى لا يرى أبدا، ونشر في العام 1989، ملاك أقل، ونشر في العام 1994 السرعة، حيث نلاحظ اقتراب قصيدته من الفن التشكيلي والموسيقى والسينما. كذلك نجد في كتاب الحلم الآخر، 1987 للشاعر ألبيرتو كوينكا سينما الكوميديا السوداء. كذلك نجد صورا تشكيلية في أشعار مونتشو غوتيريث، تخترق العين، ونكشف مشاهد واقعية مقلقة، كما في كتابه اليد الميتة تحصي أموال الحياة، 1997. ونجد الأصوات النسوية: غنائية أثبرانثا لويث برادا، في كتبها: ثمرة حدود، 1984، والشريط الأحمر، وثلاثة أيام، 1994، وقد شكلت الأصوات النسوية، عنصرا مهما في الشعر الإسباني في شعر نهاية القرن: أذا سالاس، روث توليدانو ...الخ.
وترى الناقدة روسانفارو دوران، أن النقد نوعان: النقد المرتبط بالقراءة، أو المرتبط بتاريخ الأدب في المجلات المتخصصة، وهو موجه إلى جمهور أكاديمي. وهناك النقد الذي يقيم العمل الإبداعي، ويجد طريقه للنشر في ملاحق الصحف اليومية، والمجلات الأدبية المتخصصة، مثل: ماذا تقرأ، لاتيرال، تقترب من النشر الواسع. أما الملاحق الثقافية في الصحف، فأشهرها: ملحق بابيليا، الذي يصدر عن جريدة الباييس، التي تعبر عن يسار الوسط، وملحق جريدة أ.ب.ت، اليمينية. وتلعب قوة دور النشر دورا في مدى انتشار الكتاب، لأن مراجعة الكتب، تدخل في لعبة رأس المال، الناتج عن الإعلان في هذه الصحيفة أو تلك، لأن الكتاب، يشترى تحت تأثير ما يكتبه النقاد في تلك الصحف. أما الشعر، فإنه أكثر أنواع الأدب هامشية في عمليات النشر، رغم نجاح بعض الكتب، رخيصة الثمن، كما حدث مع كتاب كراسة نيويورك للشاعر خوسيه ييرو، لكن موضوعية النقد، مشكوك فيها في بعض الأحيان، أي أن الدعاية الإعلامية قد تجمل عملا متوسطا، وترفعه.
أدبية أميركا اللاتينية الهسبانية
يقول خوسيه لويس مارتينيث، إن الخصوصية الأولى لأميركا اللاتينية، هي وجودها بوصفها كذلك، أي بوصفها مجموعا من واحد وعشرين بلدا تضمها روابط تاريخية واجتماعية وثقافية بالغة العمق، وهي: الأرجنتين، بوليفيا، البرازيل، كولومبيا، كوستاريكا، كوبا، تشيلي، الدومنيكان، إكوادور، غواتيمالا، هاييتي، هندوراس، المكسيك، نيكاراجوا، بنما، باراغواي، بيرو، بورتريكو، السلفادور، أوروغواي، فنزويلا. أما بورتريكو، فهي ولاية تابعة للولايات المتحدة الأميركية. وبعد العام 1960، ظهرت أربعة بلدان جديدة، هي: جامايكا، باربادوس، غويانا، وترينيداد مع توباجو، وهي، ناطقة باللغة الإنجليزية، وجزء من الكومنولث البريطاني. أما، ال21 بلدا السابقة، فهي تتكلم الإسبانية، باستثناء البرازيل: تتكلم البرتغالية، وهاييتي التي تتكلم الفرنسية. وحيث يجري التحدث عن البلاد الناطقة بالإسبانية (19 بلدا)، يقال: هسبانو - أميركا، أو أميركا الهسبانية، وحين تضاف البرازيل يقال: إيبرو أميركا. وتدرج البلدان الأربعة المستقلة حديثا في إقليم فرعي، يسمى: الكاريبي أو جزر الأنتيل. وكان المستعمرون الإسبان، هم الأوائل الذين احتلوا مناطق أكثر اتساعا، وبعدهم قدم المستعمرون: الفرنسيون، الهولنديون، الإنجليز، الذين احتلوا مناطق متفرقة. وفي إحصاء العام 1968، ظهر أن 5ر64% يتكلمون الإسبانية، ويتكلم البرتغالية 4ر33% هم سكان البرازيل، أما الباقون فيتكلمون الفرنسية والإنجليزية.
ويقول سيزار فرناندث مورينو، إن أميركا اللاتينية، تشغل ما مساحته 21 مليونا من الكيلومترات المربعة، وأن فكرة اللاتينية، تتجاوز تلك الفكرة ذاتها، فإذا رجعنا إلى الوضع الأصلي، فإن الصفة في تعبير أميركا اللاتينية، تذوب في السياق التاريخي، حيث الجوهر البشري، أسبق مما هو أوروبي، وبذلك نجد أنفسنا في مواجهة الثقافات الأصلية العظيمة: ثقافة أميركا الوسطى، وثقافة الأنديز، التي قضى عليها الاستعمار الأوروبي في القرن السادس عشر. وهناك في أميركا اللاتينية، عالم آخر غير لاتيني، بصورة جذرية، هو: الإفريقي، وهي السمة المشتركة التي تربط أميركا اللاتينية مع أميركا الأنجلوسكسونية. ففي أميركا اللاتينية، تمتزج الدماء: الهندية الأصلية، والإسبانية، والإفريقية. ويضيف مورينو، أن أهم نقاد أدب أميركا اللاتينية، في نهاية الستينات (1968)، هم: خورخي أنريكي آدوم من الإكوادور، وفرناندو اليجريا من تشيلي، وسيرجيو بواركي دي هولندا من البرازيل، ونوح خيتريك، ولويس إميليوسوتو من الأرجنتين، وخوسيه لويس مارتينيث من المكسيك، وخوليو أورتيغا، وأوغستو تامايو فارغاس من البيرو، وخوسيه أنطونيو بورتووندو، وآنخل راما، وإمير رودريغث مونيجال من الأوروغواي.
ويقول خوسيه لويس مارتينث، إن روبين داريو (1867-1916)، نشر في العام 1888، مجموعة قصائد وقصصا بعنوان أزرق، وفي تلك السنوات، ظهرت في هافانا وبوغوتا، قصائد الشعراء: خوليان ديل كاسال (1863-1893)، وخوسيه سيلفا (1865-1896)، وهي تتميز بالحساسية الراقية التراجيدية. ثم أصبح داريو، زعيما لكوكبة من الشعراء، هم، شعراء ذروة الحداثة: سلفادور ميرون (1853-1928)، وأمادو نرلآو (1870-1919)، وخوسيه تابلادا، وإنريكي مارتينيث، من المكسيك. وجييرمو لآالنثيا (1871-1943) من كولومبيا. ومانويل رودريغث من فنزويلا. وخوسيه تشوكانو من البيرو. وريكاردو فريري (1868-1933) من بوليلآيا. وليوبولد لوجونس وإنريكي لاريتا من الأرجنتين. وكارلوس بيثوا فيليت من تشيلي... الخ. كانت الحداثة بالنسبة لشعراء نهاية القرن التاسع عشر، بمثابة امتلاك العالم والوعي بالعصر، إذ أن هؤلاء الشعراء تجاوزوا الرومانتيكية الإسبانية المستهلكة، وقرروا دخول موجة التجديد الشكلي.
ويعتبر خوسيه مارتينث، أن العام 1905، وهو عام ذروة الحداثة، بظهور أناشيد الحياة والأمل لروبين داريو، وهو من أهم دعاة الهسبانية، لأنه كان يطمح أن يكون شاعر أميركا اللاتينية، فظهرت أعماله: تحية المتفائل، وفاصل استوائي، ومناجاة إلى الأرجنتين، لتؤكد اتجاهه الهسباني. وحقق الشعراء المحدثون تجديدا في النظم في عدة اتجاهات: إعادة الاعتبار لأشكال شعرية قديمة غير مستخدمة، كذلك بحث الشعراء عن مؤثرات انطباعية، مثل: حيل التزامن، والتبديلات البصرية للألوان، أو تدريبات التنويعات ذات اللون الواحد.
ومنذ العام 1920 والكلام لخوسيه مارتينث بدأ تيار الشعر الطليعي المعاصر: ظهر اتجاهان: اتجاه أولئك الشعراء الذين يقومون برد فعل ضد جوانب معينة من الحداثة من أجل تصحيح عيوب الحداثة، وهو اتجاه ما بعد الحداثة. واتجاه آخر أكثر جرأة، حيث أراد الشعراء أن يطوروا، اتجاهات الحداثة نحو الإبداع الفردي وحرية الفنان، ويسمى اتجاه ما وراء الحداثة، أو الحداثة المتطرفة، الذين التقوا مع اتجاهات الطليعة الأوروبية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى. ونذكر من الاتجاهين: بورفيريو خاكوب، ولويس لوبث من كولومبيا. وبالدوميرو مورينو، وإنريكي بانش، وماستروناردي من الأرجنتين. وخوسيه ماريا إيجورين من البيرو. ولويس توريس من بروتريكو. وفيثنتي هويدوبرو من تشيلي. وسيزار فاييخو من البيرو. وخورخي لويس بورخيس (1899-1987) من الأرجنتين. وتأسست في البرازيل حركة تجديدية، بدأها الشاعران ماريو دي أندرادي، ومانويل بانديرا، أثناء أسبوع الفن الحديث في سان باولو العام 1922، حيث أطلق البرازيليون اسم الحداثة، فقد نشر أندرادي، ديوانا، تميز بالشعر الحر، والنزعة النثرية، واللغة الدارجة، والبحث عما هو هندي أصلي. ثم تبعهما كوكبة من الشعراء: خورخي دي ليما، وروي كوتو، وسيسيليا ميريليس، وكارلوس أندرادي، موريلو منديس، وأوغستو شميث... وذلك من أجل تشكيل واحدة من ألمع فترات الشعر البرازيلي. ثم سرعان ما تخبو عدوانية وصخب المذاهب الأدبية في أميركا اللاتينية، وستبقى المنجزات الشعرية الواسعة: الشعر الحر، إلغاء القافية، استخدام تكوينات طباعية، حرية الابتكار المجازي، اللغة الدارجة، وإثراء التجربة الشعرية الذي تطرحه السوريالية. وسوف يظهر تيار الحداثة الشعرية الوطنية: بابلو نيرودا من تشيلي، ونيكولاس غيين من كوبا، ورامون لوبث فيلاردي من المكسيك، وجورج دي ليما من البرازيل، ولويس ماتوس من بورتريكو، وخورخي أندرادي من الإكوادور، وسيزار فاييخو من البيرو. وهؤلاء أضفوا قيمة شعرية على الإيقاعات الزنجية وعلى سر العالم الهندي، والخصوصية الشعرية، ويعتبر نيرودا أعظم شعراء أميركا اللاتينية، بسبب عمليه: إقامة في الأرض (1931-1935)، والنشيد الشامل (1950). ثم، واعتبارا من العام 1940، بدأت حركة شعرية متنوعة متعددة: الأرجنتيني إنريكي مولينا، والأرجنتيني سيزار مورينو، والمكسيكي أوكاتافيو باث، والتشيلي، نيكانور بارا، والكولمبي الفاروموتيس، والبيرواني سباستيان بوندي، والنيكاراغوي، إرنستو كاردينال... حيث تبرز الغنائية المكثفة والعميقة لأوكتافيو باث.
أما إمير رودريغث مونيغال في بحثه التقاليد والتجديد، فينبه إلى الشعر المحسوس التكنولوجي، الذي يرى أنه ظاهرة عالمية شعر القارات الخمس، وأن البرازيل، هي أحد مراكز الشعر المحسوس ومصادره. ففي البرازيل: الأخوان دي كامبوس، والشاعر ديسيو بيجناتاري، حيث يستحضرون في قصائدهم، سينما آيزنشتاين، وموسيقا فيبر، ويلجأون إلى اللون، كما في هجائية بيجناتاري، لشعار اشرب كوكاكولا، حيث يستخدم اللون الأحمر الداكن للشركة المنتجة نفسها، والخط نفسه يظهر في إعلاناتها، أو يبحثون في الاسطوانات والتسجيلات عن طرق جديدة للشعر. فالشعر المحسوس يطرح على نفسه، استكشاف كل الإمكانات اللفظية للقصيدة، وكذلك إمكاناتها الصوتية والبصرية إلى حدود لم يحلم بها المصممون الحرفيون للقصيدة الموضوع.
وهناك موروث شعري معاصر للشعر التكنولوجي، هو قصيدة التاثور، 1931 لشاعر التشيلي فيثنتي هويدوبرو 1893-1948. وما تجاسر عليه هذا الشاعر، هو إمكانية عمل قصائد موضوع، تتخطى الحدود التكنولوجية للشعر السابق. وهذا ما فعله المكسيكي أوكتافيو باث، حيث نجد في قصيدته العظيمة بياض، 1967، أن هناك صفحات تقسم فيها القصيدة إلى قطاعات بصرية، بوساطة حيلة طباعية بسيطة: كل سطر مكتوب ببنطين مختلفين للحروف، مما يقسم البيت إلى شطرتين طباعيتين. والتجربة الأحدث عند باث، هي تجربة الاسطوانات البصرية، وهي قصائد مكتوبة على اسطوانتين، تدوران فوق بعضهما بآلية يدوية بسيطة. يرى أوكتافيو باث، وهو أحد مؤسسي النقد الحديث في أميركا اللاتينية: أن ما كان ينقصنا، هو فكر أو نسق من المذاهب. فالنقد هو ما يكون ذلك الذي نسميه أدبا، والذي هو ليس مجموع الأعمال الأدبية، بقدر ما هو نسق علاقاتها: هو مجال التماثلات والتعارضات.
ويعلق جييرمو سوكري (مواليد فنزويلا 1933)، على هذا القول بالقول: من الواضح أن النقد الهسبانو أميركي، لم يتمتع بكفاية حقيقية: فقد اتجه النقد إلى مجرد جمع المعلومات، أو الوصف الخارجي. فالنقد الأميركي اللاتيني، لم يتغذ على فكر خاص به. ويعتبر الفونسو رييس، أحد مؤسسي النقد الحديث في أميركا اللاتينية في كتابيه: التجربة الأدبية (1941)، ورسم الحدود (1944). وربما كان التشيلي بولاندو سافيدرا، بكتابه شعر خوليو إيريرا رايسيج، 1932، أول ناقد أسلوبي، لكن مركز الإعداد والإشعاع لهذا المنظور، كان في بونيوس آيرس، حول الأستاذ الإسباني أمادو ألونسو في كتابه شعر وأسلوب بابلو نيرودا، 1940، بعدهما واصل نقاد آخرون هذا الخط، منهم ألبرتو أسكولآار، وخايمي الأزرقي، كذلك البرازيلي، كوتنهو، مجدد مفاهيم النقد الجديد في البرازيل.
أما أوكتافيو باث، وليثاما، فهما يمارسات نوعا من النقد، يمكننا وصفه بأنه نقد التماثلات الكبرى، إذ تتم إضاءة العمل في نصه ذاته فقط، بل كذلك في سياق أوسع، هو الحوار مع الأعمال الأخرى. لهذا، فإن العمل الأدبي هو حزمة حقيقية من العلاقات. ونقد باث وليثاما ليما، في كتابه: منتخبات الساعة، 1953، يتميز بأنه، يضع ما هو أميركي لاتيني في إطار بعد عالمي. ويميل بعض النقاد إلى السياق الاجتماعي: آنخل راما، وكارابايو، ولويس هارس، ونوح خيتريك، بينما يفضل آخرون التحليل الجمالي، مثل ألفريدو ليفيفر، وخايكي كونتشا، وخوسيه أوفييدو، ومانويل دوران.
أما الاتجاه البنيوي، فإن كتاب كتابة على جسد، 1969 للناقد سيفيزو ساردوي، هو أفضل ممثل لهذا الاتجاه، كذلك كتاب التأمل والعيد، 1968 للناقد خوليو أورتيغا، كذلك الناقد خوسيه بالزا.
بابلو نيرودا: طحين الحقيقة والبلاغة
يصنع خبز الشعر
ولد شاعر التشيلي، بابلو نيرودا، واسمه الحقيقي هو نيفتالي رييس باسوالتو، في قرية العريشة عام 1904، وأخذ اسم نيرودا من اسم الشاعر والقاص التشيكي جان نيرودا (1834-1891)، حيث كان في شبابه معجبا به. درس اللغة الفرنسية في سنتياغو. وظهر ديوانه الأول الشفقيات، 1923، ثم ظهرت دوواينه على التوالي: عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة، 1924، محاولة الإنسان اللانهائي، 1925، إقامة في الأرض، 1933، حامل المقلاع المتحمس، 1933، إسبانيا في القلب، 1937، نشيد حب إلى ستالينينغراد، 1942، مرتفعات ماكتشو بيكتشو، 1945، النشيد العام، 1950، أشعار القبطان، 1952، أناشيد بدائية، 1954، الأعناب والريح، 1954، أناشيد بدائية جديدة، 1956، كتاب ثالث للأناشيد، 1957، شاذ، 1958، إبحارات وعودات، 1959، مائة أرجوزة غزلية، 1959، أغنية مفخرة، 1960، أحجار تشيلي، 1961، أناشيد شعائرية، 1961، صلاحيات كاملة، 1962، فن العصافير، 1966، الدار في الرمال، 1966، أغنية للبحارة، 1967، أيادي النهار، 1968، نهاية العالم، 1969، أحجار السماء، والسيف المتوقد، 1970، ما زال، 1971، جغرافيا باطلة، 1972.
انتسب نيرودا للحزب الشيوعي التشيلي في العام 1945، عمل قنصلا لبلاده في رانغون، وكولومبو، باتابيا، برشلونة، مدريد، المكسيك، وينتخب في برلمان التشيلي العام .1945 واختير رئيسا لجمعية الكتاب في التشيلي العام .1957 فاز بجائزة نوبل عام .1971 وتوفي في سنتياغو، بالسرطان، في 23/9/1973، بعد أن شهد الانقلاب العسكري الدكتاتوري على نظام سلفادور آييندي الاشتراكي الذي كان نيرودا حليفا له.
وفيما يلي، نقدم مختارات مونتاجية، قمنا بتجميعها من مذكراته، حول الشعر:
أولا: لقد سئلت مرات عديدة، متى كتبت أولى قصائدي، متى ولد في الشعر: كانت قصيدة كتبتها في طفولتي، موجهة إلى أمي، أي إلى المرأة التي كنت أدعوها أمي، أي خالتي زوجة أبي الملائكية التي حمى ظلها الخفيف اللطيف طفولتي ورعاها. تناول أبي القصيدة، وهو ساه، فقرأها هو ساه، أعادها لي، وهو ساه، ثم قال: من أين استنسختها، وتابع حديثه مع أمي، بصوت خفيض عن شؤونهما العاجلة والآجلة.. هكذا كان والدي هو أول ناقد لشعري.
ثانيا: أقول إن الجنون، يمضي أحيانا كثيرة في أحضان الشعر. فكما أن ذوي الحكمة والعقل يكلفهم جهدا كبيرا أن يصبحوا شعراء، كذلك، فإن الشعراء يكلفهم طاقة عظيمة من العناء أن يغدو عقلانيين، بيد أن العقل دائما يربح الجولة، ويكسب الشوط، فالعقل أساس العدل الذي يجب أن يسود في العالم ويسوده: في بونوس ايريس، تعرفت إلى كاتب أرجنتيني غريب الأطوار، يدعى عمر بيغنوله، كان مهندسا زراعيا، أحضر معه بقرة إلى شوارع بونوس أيريس، وحين انعقد مؤتمر نادي القلم الدولي، وهو جمعية أدبية دولية، لها طابع إمبريالي صهيوني، كان الكتاب المؤتمرون يرتجفون فزعا بعد أن أبلغهم البعض أن بيغنوله وبقرته، سوف يحضران للمشاركة في جلسات المؤتمر ومداولاته، فأبلغوا السلطات الأمنية. حضر رجال الأمن، وطوفوا الشوارع المؤدية إلى فندق بلاثا، لمنع بيغنوله وبقرته، لكن بيغنوله وبقرته اقتحما المؤتمر، رغم كل الاحتياطات. كان قد أحضرها إلى الفندق داخل عربة شحن مغلقة. وبدأت البقرة تخور في المؤتمر، كما لو كانت تطلب المشاركة في المداولات!!. لقد قال أبولينير: الرحمة لنا نحن الذين نستنبط حدود اللاواقع.
ثالثا: كان يصل إلى سنتياغو، آلاف العمال المطرودين من أعمالهم في مناجم ملح البارود والنحاس. منذ تلك الفترة، امتزجت السياسة في شعري وفي حياتي. لم يكن ممكنا أن أغلق الباب عن الشارع، وأقبع داخل قصائدي، كما لم يكن ممكنا إغلاق الباب عن الحياة، عن الفرح، أو عن الحزن في قلبي، قلب شاعر شاب.
رابعا: كل كلمة مباغتة، أنتظرها بنهم، أرصدها بشغف، إلى أن تحط فجأة لفظة حبيبة، تقفز كالسمكة الفضية. أقتنص كلمة وأنظفها، أنتف شعرها، أجسها، أجدها شفافة، رجراجة، عاجية، لزجة دبقة كالثمرة، كالطحلب، كحبة الزيتون، أقلبها، أهزها، ألتهمها، أزخرفها، أعتقها... تتدلى من القصيدة، كما تتدلى عناقيد الرواسب من سقف مغارة، تترسب في شعري كالماس... كل شيء يكمن في الكلمة.
خامسا: طحين الحقيقية والبلاغة، يصنع خبز الشعر. ليس الأسلوب هو الإنسان، حسب، بل هو أيضا ما يحيط به، فإذا لم ينفذ الجو إلى داخل القصيدة، فإن القصيدة تكون ميتة، ميتة لأنها لم تستطع التنفس. لوركا وأنا، كنا نبجل روبين داريو، باعتباره واحدا من عظماء مبدعي اللغة الشعرية في اللغة الإسبانية. كان اسبانيو جيلي أكثر مودة وتضامنا، مما هم عليه زملائي في أميركا اللاتينية. أما نحن، فقد كنا أكثر عالمية، أكثر تمثلا ومعرفة للغات أخرى وثقافات أخرى. كان إسبانيو جيلي قليلا ما يعرفون اللغات الأجنبية، وما كانوا يتكلمون سوى اللغة القشتالية. كان خوان رامون خيمينيث، شاعرا ذا لمعان كبير. كان يعيش مثل ناسك مزيف، يجرح وهو في مخبئه كل من يعتقد أنه يقلل من شهرته. كان الشعراء الإسبان: غارثيا لوركا، روفائيل إلبرتي، خورخه غيين، بيدرو ساليناس، مطاردين مضطهدين من قبل هذا خوان رامون خيمينيث الشيطان الملتحي، الذي كان كل يوم يرسل سهمه وسمه، ضد هذا أو ذاك من الشعراء. فيديركو غارثيا لوركا، أبدا لم أر مثله، اجتمعت فيه اللطافة والعبقرية، القلب المجنح، والشلال الشفاف. كان عبقريا ونابغة وفكها، كونيا وريفيا، موسيقيا فذا، ممثلا رائعا، فزعا ومعتقدا بالخرافات، لامعا ونبيلا. كان خلاصة إسبانيا، نتاجا عربيا أندلسيا، ينير ويفوح مثل أيكة ياسمين على مسرح إسبانيا.
لقد كان يفتنني لوركا، بقدرته العظيمة على الاستعارات والمجازات. ليس الشعر بمادة ساكنة، بل هو تيار متدفق إلى حد أنه أحيانا يفلت من يدي خالق هذا الشعر ذاته. إن مادة الشعر الخام، مصنوعة من عناصر هي هي، وفي الوقت نفسه ليست إياها، من أشياء موجودة وغير موجودة. عملت مع أراغون على تنظيم مؤتمر الكتاب المعادين للفاشية في مدريد عام 1937. وصل من المكسيك الشاعر أوكتابيو باث إلى مؤتمر مدريد. كان قد نشر ديوانا واحدا، يمتلك نواة حقيقية من الشعر. لم يكن يعرفه في ذلك الوقت أحد غيري.
سادسا: الشعر قطة بسبعة أرواح: قد يزعجونه، قد يجرجرونه، قد ينفونه، قد يفرغون فيه أربع طلقات، لكن الشعر يخرج من هذه الحوادث العابرة، بوجه نقي: كان الشاعر الإسباني رفائيل إلبرتي، هو بريق الشعر في اللغة القشتالية. ليس هو بشاعر فطري مطبوع، فحسب، بل هو كذلك عالم بالصيغ الشعرية. لقد علم العالم، كيف يكون الشعر، نفعا عاما في لحظة حاسمة وحرجة، وهو يشبه ماياكوفسكي في هذه المزية. وهذا الشعر يعتمد على القوة والحنان والفرح، وعلى الجوهر الحقيقي. إن الشعر بدون هذه المزية، يرن، ولكنه لا يغني.
إن الشاعر الروسي ماياكوفسكي، هو الشاعر الجماهيري ذو الصوت الرعدي، والمظهر البرونزي، والقلب العظيم النبيل الذي استطاع أن يطوع اللغة، ويواجه أكثر القضايا صعوبة في الشعر السياسي، وأكثر مشاكله البلاغية تعقيدا، بينما، كان باسترناك، شاعرا شفقيا كبيرا، شاعر الذاتية الميتافيزيقية. وهو أي باسترناك، أيضا شاعر سياسي رجعي متواضع، ما استطاع أن يرى في تحول وطنه وتغييره، أبعد مما كان يرى، سادن كنيسة مثقف.
سابعا: لم يعد العالم ليسع هذه الأعمال الفنية، لابد من تعليقها خارج الغرف... لقد اختنق العالم في دوامة الكتب. إنكم جميعا تعرفون إليوت، قبل أن يغدو كاتب مقالات في النقد، كان يقرأ أشعاري، فكنت أشعر بالغبطة، لا أحد كان يفهم شعري كما يفهمه إليوت. إلى أن بدا ذات يوم ينشدني أشعاره، وأنا بشكل أناني انطلقت مستنكرا. لا تقرأ لي أشعارك، فأنا لا أريد أن أخسر أحسن قرائي... لقد فقد الشعر صلته بالقارئ البعيد، فعليه أن يستردها. إن كان لشعري من معنى، فهو هذا النزوع الفضائي اللامحدود الذي لا يقبع داخل غرفة مسدودة. لقد كان علي أن أتجاوز حدودي، غير أني صممت حدودا داخل إطار ثقافة بعيدة.
لقد كان علي أن أكون أنا إياي، مجتهدا أن أمتد مثل أراضي وطني، مسقط رأسي. لقد ساعدني على هذا السبيل، شاعر آخر من القارة نفسها، هو والت ويتمان. إني لأهيب بالنقاد الذين يحسدون الشعراء أن يفتخروا بأن الدواوين الشعرية، تطبع وتباع، وتؤدي مهمتها بتوفير عمل للنقاد. ولأني شاعر فعال ونشيط، فقد حاربت تأملاتي الذاتية. لذا، فإن العراك بين ما هو واقعي، وبين ما هو ذاتي، قد انحسم أمره داخل وجودي نفسه. لقد جعلت الناس في وطني، يحترمون حرفة الشعر، مهنة الشعر. والشعراء أنواع: .1 شعراء سادة كبار يكسبون احترام الناس عن طريق أموالهم التي تساعدهم على اقتناء أهميتهم الشرعية أو اللاشرعية. .2 شعراء متشردون، سحرة، ساهرون، عمالقة، لكنهم معذبون، مربوطون إلى طاولات الدوائر العامة بسلاسل جبال من الأوراق المختومة، ومخاوف رهيبة تجاه السلطة والعار. .3 أما أنا، فقد قذفت بنفسي إلى الحياة، وأنا أكثر عريا من آدم، لكنني كنت مصمما على المحافظة على طهارة شعري. يقيس البعض سطور أشعاري، ليثبتوا أني أقسم هذه الأبيات إلى أقسام صغيرة أو أطيلها كثيرا. ليس لهذا من قيمة أو أهمية.
ثامنا: الشعر، هو النزعة العميقة في الإنسان، فمن الشعر خرجت الطقوس الدينية. لقد فسر الشاعر مظاهر الطبيعة وتجرأ عليها، ومن هنا فإن الشاعر الحديث، يرتدي الزي الذي تخلعه عليه الجماهير والشوارع. ولا يزال الشاعر المدني، هو أقدم كاهن، وريث الكهنوتية السحيقة في القدم. لقد تحالف مع دياجير الظلام، وعليه الآن أن يشرح النور. أنا لا أعتقد بالأصالة. إنها صنم آخر، مخلوق في عصرنا ذي الانهيار السريع.
إني أعتقد بالشخصية من خلال أية لغة، أي شكل، أي معنى للخلق الفني. أول ما يجب أن يزود الشاعر به، هو رصيده من الأشكال والمضامين والكلمات والأوزان والألحان والصور والأشياء. أحافظ على لحني الخاص، ولكني أصبحت أعتقد أن التأليف الشعري، يستطيع التوصل إلى سيطرة على العواطف أكثر جذرية. أؤمن بالارتجالية الموجهة أو التلقائية المقننة. يظن البعض أني شاعر سوريالي، وبعضهم الآخر يعتقد أني شاعر واقعي، وهناك من لا يؤمن بأنني شاعر. وأنا أرى أن لديهم جميعا قليلا من الحق، وقليلا من الباطل: ليس هناك ما يفرض على الشعر أن يكون فوق الواقعية أو تحت الواقعية، لكن يمكن أن يكون ضد الواقعية. الشعر عصيان، والحياة تتخطى البنى والصيغ. لقد قذفت بشعري إلى الرمل، ونزفت مع شعري دوما. البرجوازية تطلب شعرا يبتعد أكثر فأكثر عن الواقع، لأن مثل هذا الشعر المنعزل، لا يزعج الطبقات الحاكمة.
* شاعر وأكاديمي