عمان - وليد سليمان - حياة حافلة بالعطاء الصحفي والكتابي السياسي ثم هذا الابداع الادبي برصيده الضخم من الروايات والقصص والمؤلفات السينمائية تركها احسان عبدالقدوس قبل ان يغادر الحياة منذ 15 عاما لارشيف الثقافة العربية ولذاكرتها السريعة النسيان، فهل يتم الرجوع الى فن هذا الكاتب بالنقد والتحليل وبنظرة عصرية متقدمة؟! اذ اصبحت الحدود والقيود العالمية اكثر انفتاحا وتعددا وقبولا عما مضى!!
هذا وتعد ابداعات ومؤلفات احسان عبدالقدوس ثروة هائلة من كنوز الثقافة الخاصة بالغوص في اعماق وعوالم المرأة العربية حيث كانت لديه الجرأة والحرية للدفاع عن واقع وحياة وعذابات المرأة لتحقيق ذاتها واكتشاف نفسها عبر ما ابدعه فكره وقلمه من قصص وروايات حولت اكثرها الى الفن السينمائي عبر افلام شهيرة في المرحلة الذهبية للثقافة العربية القومية في عقد الستينات من القرن الماضي.
وبسبب الابداع المتميز والبساطة الفنية والمغايرة التي كان يتميز بها احسان عبدالقدوس عن غيره في الكشف عن العالم الدفين لنفس وعقل وروح المرأة العربية فقد تلقف العديد من المخرجين المسرحيين والتلفزيونيين عدا الافلام السينمائية التي بلغت حوالي 50 فيلما جميعها مثلت احداثها وافكارها وشخصياتها بالاستناد الى قصصه ومن هذه الافلام الشهيرة مثلا: شيء في صدري، انا حرة، لا انام، النظارة السوداء، الوسادة الخالية، الرصاصة لا تزال في جيبي، بئر الحرمان ..الخ.
ومن اطرف الكتب التي قرأتها عن احسان عبدالقدوس قبل عدة سنوات ولها صلة بهذا الموضوع كان للمؤلف رفعت كمال في كتابه بعنوان «بنات احسان عبدالقدوس في العيادة النفسية» حيث عايش احسان عبدالقدوس ثم اعتمد كذلك على حوارات نفسية كان قد اجراها مع ثلاثة من الاطباء النفسانيين.
ويذكر رفعت كمال قائلا «وتمر سنوات واحترف مهنة الصحافة واسعد برئاسة احسان عبدالقدوس ثم اعرفه عن قرب من خلال التعامل اليومي، ثم يكمل قائلا: ثم جاء اهتمامي بالكتابة في الموضوعات النفسية وكانت المفاجأة ان اكتشفت الحقيقة المذهلة والتي لعبت دورا كبيرا في نجاح الكاتب احسان عبدالقدوس .. ولقد تأكدت بعد تحليل بعض ما كتب مع كبار اساتذة الطب النفسي في مصر انه يمكن اعتبار احسان عبدالقدوس نفسه طبيبا نفسيا بارعا!!
وفي كتابه يرصد رفعت كمال احدى عشرة حكاية حول ابطال وشخصيات وعوالم مؤلفات عبدالقدوس من ناحية نفسية ومنها مثلا:
لماذا تزوجتها
بنت تهدم عش العصفور ثم تبكي عليه
عندما يدفع الرجل زوجته الى الجنون
كيف نتذكر الماضي كله
لا اريد بنات في بيتي، ثم العديد من تلك الحكايات والقصص والمواقف.
اما عن بعض الحالات النفسية التي سلط الضوء عليها معد الكتاب حول ادب عبدالقدوس فقد كانت من المجموعة القصصية لعبدالقدوس التي تحمل عنوان «شفتاه» مثل قصة «الجحيم» التي تتحدث عن البنت القبيحة الخالية من الجمال والتي تستحق العطف والاهتمام ثم عن العذاب النفسي الذي يعيشه الشاب تاتا الذي تعامله امه على انه فتاة!! ثم عن الاب الذي يفقد زوجتين متهما اياهما في كل مرة بالخيانة الزوجية .. ثم تحليل لشخصية بطلة قصة «سأكتفي بالحب» ثم عن شخصية الخادمة في قصة البنات والصيف وعن بطل قصة النظارة السوداء وعن شخصيات اخرى معذبة نفسيا في اغلبها كانت شخصيات نسائية. ومن خلال سؤال يطرحه الكاتب على احسان حول الامنية التي تمناها عندما تزوج، فيرد احسان قائلا: كانت زوجتي حاملا وكنت اعمل في ذلك الوقت في دار الهلال وكتبت مقالا في مجلة الاثنين بعنوان «الحبيب المجهول» وفي هذا المقال تمنيت ان تنجب زوجتي ولدا وقلت لله اني مؤمن ولكن سأشعر بالحزن اذا اننجبت زوجتي بنتا واستجاب الله لدعائي ثم مرت الايام وندمت! فقد اكتشفت حقيقة هامة هي ان شخصية الابن عند اكتمالها تنفصل عن اسرته عكس شخصية البنت التي تظل دائما مرتبطة باسرتها حتى بعد الزواج وبجانب احساسي بالندم بدأت في تحميل نفسي مسؤولية رعاية كل بنات الاسرة الكبيرة واصبحت مسؤولا عنهن!!! وكان هذا هو الحل الوحيد لاصلاح الاثر الذي ترتب على الدعاء الذي استجاب الله له!!
ثم يسأل رفعت كمال: وهل تساوي يا احسان بين مسؤولية البنت ومسؤولية الولد؟! فيقول: طبعا ان مقاييس التقدير هنا يجب ان تكون واحدة وعلى هذا الاساس يجب ان ننظر الى خطأ المرأة بنفس العين التي ننظر بها الى خطأ الرجل.
وحول نماذح البنات التي قدمها احسان في قصصه والتي كانت لا تسر وكانت بعيدة دائما عن المعقول وهل كان يختار النماذج المنحرفة؟ فانه يجيب الكاتب قائلا: اني اعتبر ان احسن شخصية مرت في حياتي كانت لامرأة هي «امي» روز اليوسف، لقد فعلت كل ما يستطيع الرجل والمرأة ان يفعلاه، لقد بهرتني واعتقد ان نظرتي على هذا ان المرأة اصبت واضحة اما عن النماذج التي وردت في قصصي فان تفسير ذلك بسيط هو ان القصة ليست مادة للتسلية، انها مادة علاج، وهكذا يتحول كاتب القصة الى طبيب معالج وعندما يتكلم الطبيب عن مجال عمله فانه يكثر الحديث عن المرض وكيفية خلق جو صحي.
اما عن الجنس في قصصه فانه يعتبر ان هذا عبارة عن حالات اجتماعية فيها صدق فني يحاول من خلال دراستها تغيير المجتمع وان قصصه كانت عبارة عن محاولات لثورة اجتماعية ثم انه يعتقد انها نجحت في تغيير مفاهيم الاباء والامهات والبنات حول ذلك الامر.
الكاتب احسان عبدالقدوس ونموذج الطبيب النفسي فـي الأدب
12:00 26-8-2006
آخر تعديل :
السبت