تمثل المفكر السياسي والتكنوقراطي العلم بمخرجاتـه وإنجازاتـه بعيـدا عن منهجه ومنطقه الاستقرائي، ويتم استدعاء التكنولوجيـا والتأكيد على دورها، وفي ذهنه تطبيقاتها ومخرجاتها العينية والبشرية بعيـدا عن محتواهـا النظري، وبالتالي تتحول النزعة العلميـة إلى نزعة علموية؛ أي عقيدة تدعي العلم والعلميـة ولا تقل تهافتـا وإشكالا عن الأيديولوجيـا التي تدعي القدرة على إحداث التغيير المنشود بالثورة السياسيـة التي ستقلب الهياكـل الاجتماعيـة والاقتصادية، وتعيد توزيع السلطة والملكية تبعا لميزان القوى الجديـد بين الفئات والطبقات، إلا أن خبرة الشعوب تبين فشل تلك المحاولات، إذ سرعان ما تسقط في إسار الفكر التقليدي الذي يحاصرهـا من كل جانب، وتتبنى قيمه، وعاجـلا أو آجـلا تعيد إنتاج الهياكل والعلاقات نفسها، بعيدا عن العلم الذي تتصوره قضية أكاديمية، أما الأيديولوجيا فتتعلق بالثوابت والقيم العليا الموجهة لتطلعات وطموحات الفرد والجماعة، والثوابت المطلقة (وكأن هناك في عالم التغيير ثوابت مطلقة) نقيض العلم بمنهجه التجريبي وحقائقه النسبية.
ولذلك فالصراع الفكري بينهما _الايديولوجيـا السياسيـة والعلمويـة- صراع أشباه، لأنهما في نهايـة التحليل صراع بين أيديولوجيتين لا تقـلان عقما عن بعضهمـا بعضا بسبب تغييب العلم كقاعـدة أولية لبنـاء الوعي الاجتماعي.
ولقد أسهب السلفي مفكرا وسياسيا في تفريط العلم ومدح فضائله في رقي الأمم والشعوب، من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي إلى آخر دعاة السلفية والتراث الذين جندوا أنفسهم دفاعا عن الأصالة والماضي الذي انطوى على تقدم علمي في الحضارة العربية. فدعوا لاستعارة العلم الحديث، و أباحوا نقله لما فيه خير الأمة، ولم تتعد رؤيتهم للعلم المعنى الاستهلاكي، الذي أشاعته التيارات العلموية في المدرسة الوضعية، أي مجموعة من الاكتشافات والاختراعـات والآلات التي سهلت حياة الإنسان الاستهلاكية القادرة (قياسا على ما سبق) على تحويل الواقع العربي تحويـلا سحريـا تلقائيـا بمجرد شرائهـا ونقلهـا من مصادرهـا الأصلية، وكأن التقنية منظومـة سلبيـة محايدة، لا علاقـة لها بالواقع الذي أنتجهـا، ولا تحمل مضمونـا اجتماعيـا مطابقـا له.
ولذلك سرعـان مـا نكتشف العمليـات الخاصـة بنقل التكنولوجيا والعلم وفشل توطينهـا، واستزراعهـا في بيئة مغايرة لتجاهلها أمرين اثنين:
الأول: غياب القاعدة الصناعية التي تغذي التقنية والبحث العلمي بالحـاجـات ومشكلات الإنتاج لتطويـرها وتكييفها بما يتلاءم مع أنماط التصنيع المحلي لترشيد الإنتاج، ورفع مستوى الإنتاجية، فتدخل التكنولوجيا، أي المهارة والمعرفيـة والعلم القابـل للتطبيق في صلـب العملية الإنتاجيـة، وتصبح رافعـة للتقدم والتنمية.
الأمر الثاني: ويتعلق بماهية العلم والتقنية المنقولة، فالاقتصار على التطبيقات والمخرجات يشجع نزعة استهلاكية سحرية، وتفصل العلم بمنهجه عن مخرجاته ونواتجه النظرية والمادية، فتعمل العلموية على علمنة الخرافة، وتعترف بعجز العلم عن فهم كنه الأشياء بذاتها، وإن استطاعت تفسير مظاهرها الملموسة، خصوصا في بيئة تقليدية تعلي من شان العموميات والتجريد والتأمل والحلول السحرية بالحدس والإلهام للكشف عن الحقائق الموضوعية، والشفاء من الأمراض العضوية والاجتماعية التي يعاني منها الإنسان والمجتمع.
أما الثقافة العلمية الحقيقية المؤسسة على المنهج العلمي، فهي الثقافة القادرة فقط دون غيرها على تغذية البحث العلمي والتكنولوجيا وتفعيلهما كأدوات للتغيير، فالثقافة العلمية والتكنولوجيا تتداخلان وتتبادلان التأثير. أما العلم بعيدا عن محيطه الاجتماعي العلمي فقاصر عن تغيير شروط الواقع والحياة، وحتى يتحول كذلك فلا بد من منظومة فكرية وسياسية تتبنى العلم كخيار استراتيجي وحيد على غرار التجربة اليابانية، حيث فرض الميجي تدريس العلوم الطبيعية خصوصا الفيزياء والعلوم العقلية والرياضيـات على المـدارس في الأريـاف لإعداد كوادر الثورة الصنـاعية والتقدم العلمي، وبقيت اليـابـان حتى اليوم فقيرة أيديولوجيا وحضاريا، وتفتقر للجاذبية الثقافيـة كمـا يقول إدوارد سعيد، وظل العلم ايديولوجيتها، مثبتا فاعليته في التقدم والنهوض، كما يشير مسـعود ضـاهر في مقاربتـه ومقارنتـه بين النهضة العربيـة والنهضـة اليابانيـة.
وحتى يتم تجسير الهوية الفاصلة ين العلم والثقافة كأدوات تحويل وتغيير لا بد من خلق المثقف العلمي المبدع، أي القادر على خلق تصور جديد، وتجاوز المثقف التقليدي الذي استهلك المشهد الثقافي بقضايا كلامية وتجريدات عقيمة عفى عليها الزمن، ولا تمت لحياة المجتمع الواقعية بأية صلة، والواقعية هنا ذات مغزى ودلالة بالغة الدقة، فالعلم من حيث المبدأ واقعي يتصوره، أي مادي بمحتواه يطرح المشكلات الملموسة التي تؤثر الآن ومستقبلا في حياة الإنسان وحلها أو مقاربتها، ويعنى بتثوير حياة الإنسان، فيزداد وعيا وإحاطة بالواقع ومشكلاته، وتزداد قدرته على السيطرة والتحكم بالمحيط الاجتماعي والمعطى الطبيعي.
وكما أوضحت في التمهيد، فالتكنولوجيا تنضوي من حيث المبدأ على أبعاد خاصة، أي: إنها ليست بالموضوعية والعمومية التي تميز العلم. فهي تطبيقات خاصة لتلبية حاجات إنتاجية واستهلاكية معينة، ونقلها يعني نقل قيمها الاقتصادية والاجتماعية وأبعادها الأخرى التي لا تنفصل عنها، والاكتفاء بذلك يعني نفي الشروط الخاصة لإنجاحها ومماثلة واقعها الأصلي بالواقع الجديد، أي تعاليها عن التجارب والخصوصيات الثقافية والحضارية والأولويات التنموية، وهنا اصطدمت أغلب أيديولوجيات التنمية التكنولوجية بالحقيقة المرة، فعليها أن تختار خيارين لا ثالث لهما وهما: إما أن ترفض التكنولوجيا الراهنة التي تعجز عن تمثلها أو خلقها في بيئتها الاجتماعية وتراهن على قدرتها الذاتية المعدومة في خلق تقنيتها الخاصة الملائمة، وإما إعادة هيكلة وتكييف بناها الاجتماعيـة والاقتصاديـة لتلائم التكنولوجيـا المستوردة، وتوائـم مـا بين النقل وتنمية قدراتهـا التكنولوجية.
فأما الأول: فخيار عدمي مستحيل، لأنه اولا يستند على التراث العلمي الذي أنجزه الآباء والأجداد في الحضارة العربية الإسلامية التي تألقت في العصور الوسطى، وتناسى دعاته تناسوا شروط إبداعها وشرطهم التاريخي في العالم المعاصر، وأهم من ذلك تجاهلهم أن بناتها من العلماء والمفكرين كانوا نقيضهم تماما بانفتاحهم ووعيهم العلمي، ورغم ترددهم اليوم وإحجامهم عن الإفصاح عن هذا الموقف، إلا أن المسكوت عنه في خطابهم المطلق ضد الحداثة والعلمانية يفصح ويبين عن ذلك بالجهد النقدي التفكيكي لمقولاتهم وأفكارهم بالمناهج الحديثة، فشرط تمـاسك خطابهم نفي العلم والمنهج العلمي القـادر وحـده على تفكيك خطـاب ماضـوي يدعي التماسـك والوحدة.
فقد قطعت الثورة العلميـة الحديثـة بنية العلم المعاصر عن تاريخه السابـق، والمتكون في معظمـه بمـا هو قبل المنهـج العلمي، أي: بالتجربـة والخطـأ، ولذلك فأي مراهنـة على علم التـراث، أو التكنولـوجيـا المحليـة التقليديـة يعني العـودة إلى ما قبل العلم والخروج من التاريخ المعاصر.
إن مغزى التطور العلمي الراهن يتمثل في اكتساب العلم شخصيته المستقلة بالتجريب، أي: التحقق الدائم لفرضياته وتبلوره بعد القرن السابع عشر على صعيد المنهج والموضوع تميز عن العلوم الإنسانية والفلسفية، التي بقيت نشاطا عقليا مجردا، يمتلك دلالته وفاعليته من تمثله للواقع والمنهج العلمي، وأي تجاوز للعلم باللاعلم تجاوز وهمي يؤخر ولا يطور، وأحسنت صنعا وزارة التربية والتعليم التي عدلت عن قرار سابق يتعلق بإخضاع منهج الفيزياء المادة الأساسية لخيار الطالب بدراستها أو بحذفها والاستعاضة عنها بمادة دراسية أبسط منها لرفع معدله في امتحان التوجيهي، ونتمنى أن تعيد النظر بإرجاع مادة الفلسفة والمنطق التي ألغيت من المنهاج الدراسي في أواسط السبعينات من القرن الماضي، وهي المادة الأساسية اللازمة لتنمية الوعي الاجتماعي والعقل النقدي لفهم الواقع فهما علميا، وتدريب الطالب على المحاكمة العقلية، والتحليل والحوار والتخيل، أي خلق ملكة الخيال التجريبي اللازم للاكتشاف والاختراع والتخيل المجرد اللازم لصياغة المفاهيم والتحليل العقلي لمشكلات الفكر الإنساني، ولا يمكن الاستغناء عنهنا لصياغة معنى كلي للتغيير وتحديد الشروط الاجتماعية للمعرفة العلمية من خلال الابستمولوجيا للكشف عن تبنيه العلم ونظرياته، والاستقراء ومشكلاته، وغياب هذه الفلسفة أو تغييبها يعني تغييب المنطق والعلم، وسيادة التناقض والتخريف الفكري والسياسي، واستعصاء المشكلات والمعضلات وصعوبة مواجهتها وحلها، أي سيادة الميتافيزيقيا والخرافة، فالطالب ينهي دراسته المدرسية ويدخل الجامعة ويتخصص ويتخرج وهو لا يدري شيئا عن منطق علمه وتخصصـه، ولا المشكـلات النظرية والتطبيقيـة التي يبذل فيها العلم والعلمـاء جهودا مضنيـة لحلهـا وتجاوزهـا.
ومزاولة عمله في تخصصه تعني مبدئيا تطبيق ما تعلمه، وتحويل عقله الإبداعي إلى عقل أداتي يعمل على تنفيذ مهام تقنية وتشغيل منظومة تكنولوجية دون التطرق لقوانينها الفيزيائية الجوهرية، أو شروطها وشروط تطويرها، وشيئا فشيئا يتحول علمه بعيدا عن التعلم الذاتي والتدريب المستمر إلى معرفة تاريخية تتعلق بماضي العلم، بعيدا عن آفاق تطوره ودوره في إحـداث التغيير والتقدم في الحاضـر والمستقبـل.
والحل هو تسييد العلم في حركة تغيير المجتمع والمنهج العلمي في البحث الاجتماعي، واستيعاب منطقه، واستلهام تجاربه في تطوير الإنتاج، وتحسين حياة المجتمعات وكشف السلاسل الترابطية التي تشد العلوم لبعضها بعضا، وتجعل من كل علم علما حديا ومستقلا في الوقت نفسه. فيما بين الكيميـاء والأحيـاء هناك الكيميـاء العضويـة، وما بين الكيميـاء والفيزيـاء الكيميـاء الفيزيائيـة، وما بين الهندسـة الصناعيـة والطب هناك الهندسة الطبية، وفي العلوم الإنسانية نجد ما هو أشـد دلالـة وأكثر تعقيـدا، فكلهـا متداخلـة حدية بالنسبة لبعضها بعضا ومعيار علميتهـا هو المنهج العلمي الناظم للمعرفة والتغيير، وهو معيـار تطويرها ونزع الأيديولوجيا منهـا، وتجسير الهـوة القائمة بين المفكريـن والعلمـاء، وتجاوز الذاتيـة والتأمـل والتجريـد.
والمراهنة الآن على العلم في عالم متغير ضرورة موضوعية لن تؤتي أكلها إلا إذا تحول إلى قوة مادية في الحياة الاجتماعية، أي إلى وعي علمي يتملك وعي الجماهير التي تتملكه وتتمثله في حركتها الاجتماعية الصاعدة لتغيير واقعها، وإحداث تقدم فعلي ملموس في حياتها المادية والروحية، وهذا يعني تحرير الممارسة العلمية من المسبقات الأيديولوجية، ورفع الوصاية الأبوية عن العلم والعلماء، وعدم الاعتراف بأطر مرجعية أو سلطات معرفية من خارج العلم، فهو بطبيعته يغذي نفسه بنفسه بقوانينه ونظرياته وإشكالياته الحقيقية التي تعكس الواقع والممارسة الاجتماعيـة والحاجـات البشريـة.
وأثبتت الحياة أن ربط العلم بالأيديولوجيا يعني تحويله الى علموية وتسخيره أداة للسيطرة والتحكـم، وكبح جماح التطور والتغير بغض النظر عن مستوى الطاقـة الذاتية والكلفة الاجتماعية وعدد الضحايا والزخم الديناميكي اللازم للتغيير المعقول، أي: مـا يمكن استيعابـه وتمثله أولا بأول، وهو ضمانة التوازن الحركي بين النواحي الروحية والمادية، التي تشهد تسارعا بتجاوز التغير البطيء للنواحي الروحيـة، ويمزق الانسـاق الفكـرية والتوازي في الحركـة والاتجـاه.
فلا يمكن تلزيم العلم والعلماء برامج تنفيذية وطلبيات، أو فرض هندسة اجتماعية لتنظيم ما لا يمكن تنظيمه، فالحقيقة والحرية صنوان، والحرية هنا فردية واجتماعية، لأن العلم المعاصر أصبح في ماهيته وشروط تطوره وديناميكيته نشاطا خلاقا اجتماعيا وجماعيا تقوم به فرق ومجموعات بإشراف الدولة ورعاية المؤسسات الخاصة.
وما تجربة الاتحاد السوفياتي السابق الذي اعتمد الديالكتيك بديلا عن المنهج العلمي إلا تجربة فاشلة ما تزال ماثلة للعيان تحكي عن الأضرار التي تصيب العلم والعلماء، فقد تم إسقاط منهج عقلي على المادة، ثم استنباطه منها اعتمادا على نظرية الانعكاس، والجدير بالذكر أن الكتاب الذي استوحى منه السوفيات جدل الطبيعة المنسوب لإنجلز كان قد نشر في ثلاثينيات القرن الماضي إبان الحكم السوفياتي، بتجميع أوراق انجلز، وأغلبها محاولات لم يرض عنها ولو اقتنع بها لنشرها وتحمل مسؤوليتها آنذاك، وقد وجه كارل بوير، وكذلك جان بول سارتر في كتابه نقد العقل الديالكتيكي نقدا مريرا لديالكتيك الطبيعة.
ولهذا دلالة بالغة الأهمية تمثلت في الآثار السلبية التي تركها تدخل الأيديولوجيا الشمولية التي تستهدف التشميل والكلية بالعلم والعلماء، وامتد هذا التدخل إلى مفهوم العلم نفسه لفرز وتصنيف ما لا يمكن تصنيفه، فهناك بالتعريف حسب الديالكتيك العلموي عند جدانوف وزير البحث العلمي والثقافة السوفياتية في عهد ستالين علم بروليتاري وعلم برجوازي، ولا تقل هذه المحاولة فسادا عن المحاولات الحثيثة في الأيديولوجيا العربية لتجنيس وتصنيف العلوم، دينيا وقوميا للوصول إلى علم اجتماع عربي، أو اسلامي، أو ما شابه، وتمتد الهرطقة لتنال من هيبة وموضوعية العلوم الطبيعية بالطب النبوي والطب الغربي الوضعي.
ولن يتوقف هذا الهراء إلا بتدخل العلم وفلسفته العلمية وتحويل الفلسفة العلمية إلى وعي نقدي وأداة توجيه وتغيير وتعميم منهج العلم في القضايا الإنسانية والاجتماعية، ولا يعني ذلك العودة إلى المدرسة الوضعية التي طبقت بقوانين التطور وعممت الداروينية على المجتمع، وذهبت بالمقايسة والمماثلة إلى حدود المجازفة بقوةانين المنطق، بل يعني تحويل الوعي العلمي المستمد من العلم نفسه إلى أداة تغيير وبناء الوعي الاجتماعي، وفلسفة علمية نقدية، أما قصوره عن أداء رسالته فيعود لأسباب ذاتية سياسية واجتماعية تتعلق بمصالح قوى محافظة.
فالكثير من هذه الجماعات تعترف من حيث المبدأ بأهمية العلم ودوره في التقدم الاجتماعي، ولكنها تشكك بجهود العلماء، وما يمكن استخلاصه من نتائج معيارية وأخلاقية هي في جملتها نقدية وعلمية تدعو لتنظيم المجتمع تنظيما أفضل، إلا أنهم لا يملكون الإرادة السياسية لفرض تصوراتهم، فتبقى معظم جهودهم _إن لم يتم تبنيها سياسيا_ خارج دائرة الإنتاج والتغيير الاجتماعي، مما دفعهم للانسحاب من دائرة الضوء والانزواء في دوائرهم الأكاديمية بعيدا عن نبض الواقع، مما أفسح المجال للتقليد والخرافة وخطابات الماضي والأصالة لتفعل فعلها، وفي اللحظة التي ينسحب فيها العلماء يفقد العلم حظوته واحترامه، ويصبح نشاطا فوقيا تابعا للأيديولوجيا، فيفقد المجتمع القدرة والسيطرة على مصيره، أي: التحكم بماضيه وحاضره، فأما العلم والتقدم، وأما العلموية والتدهور.
وغالبـا مـا يتعلق الفكر الماضوي بالتراث تعلقـا مرضيـا، ويفهمه فهمـا متخلفا، فيتحكم الماضي بالحاضر، ويسيطر التراث على صاحبه بدلا من امتلاك صاحبه لماضيه، وفهمه في حقيقته التاريخية، وأخيرا يعجز عن موضعته في سياقه الموضوعي، أي في الزمن التاريخي الذي انتجـه واستنفذه باستنفـاد قدرتـه على التقدم والعطـاء، فأزاحـه العلم لإنتـاج بنية فكريـة مطابقـة للواقـع الجديـد.
ولا يعني هذا التسليم لرجل العلم التكنوقراطي (العلموي) كي يتحكم في المجتمع، فتجربة المجتمعات النامية مع التكنوقراط تجربة فاشلة، كما هي مع الأيديولوجي صاحب العقيدة السياسية الكلية المجردة التي لا ترى المشاكل الاجتماعية في واقعيتها وحقيقتها العينية.
فالتكنوقراطي غير العالم المبدع للنظريات والتصورات العلمية، فهوة لا يرى في مشكلات الواقع إلا جانبها الإجرائي، أو لا يطرح إلا حلولا جزئية لمشكلات مركبة في غاية التعقيد والتشابك كمشكلات التأخر والتخلف والتبعية.
إن استيراد التكنولوجيا وتعميمها -وهو أداة التكنوقراطي لتحقيق التقدم- ليس من العلم والفكـر العلمي، فمشروعه لا يتطلب إلا اقتصاديـا أو سياسيـا حاذقا لتطبيقه، ملما بالمخرجـات التكنولوجيـة التي تغزو الأسـواق، وقد وفرت العولمـة ونشرات الأمم المتحدة فرصـة التعرف على سـوق التكنولوجيـا وكيفية الحصـول عليهـا، أي على تطبيقـاتها لتحديث الخدمـات الاجتماعيـة.
ولا غرو أن عملية تحديث الخدمات والإنتاج ضرورة موضوعية، ولكن نجاحها لا يتحقق عفويا وتلقائيا، بل يتطلب أولا فلسفة عقلانية ووعيا علميا نقديا يمهد السبيل للتطبيقات والمخرجات، وثانيا توفير قاعدة صناعية وزراعية واسعة المدى، وصناعة تحويلية تتطلب أصلا توظيف تكنولوجيا كثيفة ومعقدة، وفي هذه الشروط تتحول التكنولوجيا إلى أداة فعالة تساهم في التخليق الذاتي والتوطن، وتعمل على توفير كلفة الإنتاج، ورفع مستواه وزيادة كفاءته، وتصبح أداة تغيير.. وغير ذلك أي توظيف التكنولوجيا في الصناعات التي تعتمد أصلا على تكثيف الأيدي العاملة أو الطاقة، أو تعميمها في قطاع الخدمات دون قاعدة إنتاجية فهو مدعـاة للهـدر والتهـور والاستهـلاك الزائـد.
وبدلا من تحقيق التقدم الناتج عن تركيز الإنتاج في الصناعات التحويلية بخلق قاعدة تكنولوجية تتوجه لتحديث الاستهلاك وحوسبة القطاع الثالث، أي: مساعدة الصناعات الغربية على تصريف منتجاتها التكنولوجية التي تتصدر الإنتاج والتسويق في العالم، وتبقى الصناعة التحويلية خارج دائرة التحديث والتطوير، كالزراعة المختلطة التي فقدت حتى مشروعية وجودها في الاردن والوطن العربي، مع تفاقم المشكلات الطبيعية والإدارية وارتفاع كلفة النتاج ومستلزماته، وحتى في إطار تنمية صناعية في ظل الاستقطاب والانقسام بين اقتصاديات منتجة مصدرة للتكنولوجيا وبين اقتصاديات نامية تستورد وتستهلك منتجاتها، تبقى الفجوة العلمية قائمة وتتسع باستمرار، فأغلب نصائح البنك الدولي ومنظمة التنمية الصناعية توجه الدول النامية لإقامة صناعات تعتمد على الموارد الطبيعية أو الأيدي العاملة الرخيصة، وقد سبق وقدرت منظمة اليونيدو (منظمة التنمية الصناعية) سنة 1986 أن الدول النامية بحاجة لنمو اقتصادي سنوي بنسبة أكثر من 5% حتى يمكنها أن تصل بعد 50 عاما إلى المستوى الذي بلغته الدول المتقدمة سنة 1975، مع العلم ان سوق التكنولوجيا الرفيعة يزداد تمركزا وتركزا في أيدي الشركات المتعددة الجنسية، والتي تحتكر العرض والطلب فهي قادرة على صياغة أذواق ومطالب النخب السياسية والاقتصادية في الدول النامية لتحقيق تنمية صناعية تابعة مطابقة لطبيعتها الاقتصادية والاجتماعية، كطبقات نخبوية (وسيطة) ومتغربة.
وهنا نستحضر أهمية الإصلاح السياسي الديمقراطي وعلاقتـه التبادلية مع العلم والتكنـولوجيـا، فنقول: إن الإصلاح لا يغير حيـاة الناس ولا يحقق التنميـة والتقدم، فالنـاس لا تعيش بالجمل الثوريـة والوعـود الإصلاحيـة، بل بالممارسـة وزيـادة الإنتـاج، فالإصلاح شرط أولي لتثويـر الدور القيـادي للعلم والعلمـاء، ودور النخب السياسيـة ينحصر بإصـلاح ما يمكن إصلاحه وحل المعضلات المتراكمة الموروثة جيلا بعد جيل كالبيروقراطية والفساد وتدني مستوى الإنتاجية وانتعاش العصبيات وتهميش المجتمع المدني، أي: حل المشكلات الناتجة عن غيـاب أو تغييب المنهج العلمي في السلوك العـام، والتي تهـدد بتقويض مكـاسب التنميـة والسـلم الأهلي.
وهنا يبدو أن الإصلاح وصل إلى نهايته المنطقية، ولا نقول العلمية لإفساح المجال للعلم والتقنية لتصميم التقدم وتحسين نوعية الحياة الجديدة، فالإصلاح مدخل لانخراط العلم وشرط فاعليته (شرطا لازما وليس كافيا) كما يقول عبد الله العروي لتغيير الواقع ومنح الجماهير إطارا مرجعيا بالنخبة العلمية، ومنحها دورا فعليا في قيادة التحول الاجتماعي بتعميم فلسفة علمية تمتح من العلم في صيرورته، وبلورة ما يعينها على إعادة تشكيل الوعي الشعبي لتحويله إلى وعي علمي نقدي، وهي عملية شاقة تحتاج لتضافر جهود النخبة الفكرية والسياسية، لتخليص الوعي العربي من الأيديولوجيا المجردة واليوتوبيا الضالة.
* باحث أردني