خربة، ومقبرة،وعين ماء..
تلك هي أهم معالم القرية التي تسمى باسمها الطريق من صويلح الى الزرقاء،وهي «ياجوز» التي تحمل في إهابها إضافة الى هذه الأماكن قصصا،وتاريخا مقترنا بها،ومكتوبا في دفاتر تاريخها،وفي ذاكرة أهلها الذين يبوحون بما تيسر من ماضي القرية متأرجحين في أقوالهم بين الحقائق والأساطير.
تقع في الجهة الشمالية من عمان،ويأتيها من يريد زيارتها إما مرورا من منطقة أبو نصير،أو عبورا من شارع ياجوز حتى الوصول اليها،وهناك طريق أخرى بديلة من الزرقاء عبر قرية بيرين .
في نهاية كل تلك الطرق يكون أول ملتقى للزائر الى القرية هو مع عين ياجوز،التي تقع بجانبها المقبرة،وخلفها الخربة التي وضعت على طرفها القريب من شارع فرعي،لوحة،فيها كتابة تلخص بعضا من قيمتها التاريخية:
«خربة ياجوز الأثرية..مدينة أثرية بيزنطية،أقيمت على أنقاض مدينة رومانية سابقة تعود للفترة من القرن الرابع ،حتى أواخر القرن السابع الميلادي».
وياجوز هو الاسم الذي وعي على نطقه أهل المنطقة ولا يعرفون لها اسما غيره،غير أن بعض الآثاريين،والمؤرخين يعتقدون بأنها قرية «جهاز»أو«جدا» القديمة،ويورد هذا الرأي «فريدرك ج بيك» في كتابه «تاريخ شرقي الأردن وقبائلها» ،حيث يذكر أنه قد وقعت فيها المعركة بين الملك الأدومي سيحون، وموسى الذي قدم من برية سيناء،ومعه شعبه،محاولا دخول أراضي ملك أدوم الذي رفض السماح له بالعبور،مما أدى الى وقوع الصدام بين الاثنين،في هذه القرية، في حوالي سنة 1250 قبل الميلاد:(وكانت المعركة في مكان يدعى جهاز«قد تكون ياجوز الحديثة» شمال شرقي صويلح).
شاهدنا..تمثالي أسدين
وكان قد زار المنطقة قبل فريدريك كل من الرحالة الدكتور سيلاه مرل في عام 1875،وبعده الرائد الانجليزي كوندر في عام 1881،وقد تركا كتابة تعطي صورة عن ياجوز من خلال ملاحظاتهما،ومشاهداتهما،في تلك الفترة.
ونورد ما كتب هذان الاثنان حيث أن الدكتور مرل زار ياجوز،ومناطق اخرى،وكتب «الى الشرق من الأردن» سنة 1875م،وفي كتابته يقول:«سرنا مع مجرى النهر مسافة قصيرة،ثم انحرفنا باتجاه الغرب،بين التلال،حتى بلغنا (ياجوز)،ذات الموقع الجميل،وهنا شاهدنا خرائب تمتد مسافة ميلين،وهذه الخرائب تضم أعمدة ورؤوس أعمدة،وحجارة منحوتة كبيرة وحجارة ذات نقوش مختلفة ،وتماثيل عبث بها العابثون،وبقايا هياكل ،وكنائس،وبالقرب من ذلك الموقع محاجر ما تزال حجارتها ملقاة على الأرض.
وشاهدنا بين الخرائب تمثالي أسدين ما يزالان بحالة جيدة،وتمثال نسر،وآخر لامرأة.وبتلك المنطقة ضريح نمر العدوان مكتوب عليه سنة وفاته 1238ه/1823م،ويعتقد أن ياجوز هي بلدة (جدا) الرومانية».
معبد روماني
أما الرائد كوندر فقد زار ياجوز،بعد ست سنوات من مجيىء د.مرل اليها،وبالتحديد بتاريخ 10/10/1881،وقد وثق نتائج تلك الزيارة في كتابه،اعمال المساحة في شرق الأردن،ويقول في الكتاب عنها:
«ياجوز تلة عالية تقف على الطرف الجنوبي للوادي بين تلال تغطيها أشجار البلوط المبعثرة.كما يوجد فيها مقطع حجارة في الركن الجنوبي.أما الى الشرق فتوجد حوطة كوم ياجوز القديمة.
وأما في الشمال الغربي فيوجد نبع عين ياجوز ،ويدل على وجود مواقع أثرية قليلة تعود الى الفترة الرومانية أو البيزنطية،وتشكل بلدة قديمة تعود الى احدى هاتين الفترتين.ولا تزال تظهر للعيان قناطر مبنية تحت مستوى سطح الأرض،وعلى أي حال فإن هذه الأقواس هشة.حيث أن السقف مكون من رقائق الحجارة،وهذا نمط بيزنطي.
وهناك بئر مربعة مقطوعة في الصخر ومحاط بقنوات لجلب الماء والتي يبدو أنها كانت لجمع ماء المطر .
وقد لوحظ وجود حجارة كبيرة الحجم مشذبة الجوانب.كما هوالحال في المواقع الأثرية البيزنطية في الأماكن الهامة.أما الموقع فهو على الطرف الشمالي من منطقة التسوية.ويبدوأن البناء الرئيس في البلدة الأرية عبارة عن معبد روماني،وتبلغ مقاسات سطحه 230 قدما 80 قدما، ومقسم الى قسمين بواسطة جدار يفصلهما عن بعضهما.وأما في الجانب الغربي منه فيوجد عنبران كما توجد البئر المقطوع في الصخر المشار اليها اعلاه،ويبلغ ارتفاع الجدران عشر أقدام ويزيد،كما يوجد اشجار بلوط حسنة بجانب البناية(اي المعبد)».
الحدود
الذي يتتبع تفاصيل القرية،وجغرافيتها،يلاحظ امتدادها،وتماسها للمناطق حولها،فهي تبدأ في حدها الجنوبي من طريق ياجوز،من أم زويتينة،وتمتد حوالي عشرة كيلو مترات على هذا الشارع حتى مثلث طبربور،والنبعة هناك. من النبعة تمتد شمالا الى منطقة الكوم،ويستمر الحد افقيا حتى التقاطع بين شارع شفا بدران والشارع القادم من الجامعة التطبيقية،وعلى هذا التقاطع هناك الاشارة الضوئية التي منها يبدأ الحد الغربي،باتجاه مشتل الحراج،وبموازاة مكان معسكرات الجيش القديمة .
خربة «مدراج»
هذه الخربة التي تشكل جزءا مهما في القرية،ترتبط مع وجدان أهلها بقصص،وأساطير ينسبونها الى شخصية قديمة اسمها «مدراج»،حتى أنهم يطلقون على الخربة اسم«خربة مدراج»،ويتحدث الشاعر عليان العدوان،وهو أحد المقيمين في المنطقة،ويقول أنه يتذكر وجود حجر كبير على شكل شجرة،وداخلها كرسي كان يسمونه أهل القرية ب«مقعد مدراج»،وما زال حتى الآن كبار المنطقة،وكهولها،يشيرون الى ذلك المكان بهذا الوصف.
وقد كانت الأساطير القديمة في القرية تحاك حول هذا المكان،وتلك الشخصية،حيث أنه كان «مدراج»،ضخم الجثة،ويجلس بكل مهابته على هذا الكرسي كملك للمدينة،وكان من فوق التلة التي يضع كرسيه فيها، يراقب العمل والرعية،وهو مواجه للخربة ولعين الماء التي كانت تخرج منها أنابيب فخارية باتجاه الخربة.
لكن الحاج «علي الاحمد الذارع(ابو محمد)» يشير الى قصة أخرى حول «مدراج» الذي يعيده الى فترة تواجد عشيرة العدوان في المنطقة،وأنه كان أحد أتباعهم،وقد تمت قسمة هذه الأرض له كمكافأة على خدماته للعشيرة،ولهذا فقد تم تسميتها باسمه.
تلعة نمر
المدقق في خرائط المكان،والتقسيم الإداري للمنطقة يلاحظ أنه في بعض «قواشين» الأرض،مكتوب اسم القرية شفا بدران،والحي ياجوز،وحوض تلعة نمر رقم واحد.
وهذه الملاحظات تفتح بوابة البحث في أصل تسمية تلك التلعة،وتاريخ الناس الذين كانوا يتعايشون،ويواطنون هذا المكان منذ مئات السنين.
يتحدث أهل القرية أنه كانت تسكنها عشائر العدوان،وكانت هذه المنطقة «مقسم» النمر من العدوان،وهذه المنطقة التي سميت ب«تلعة نمر» كان يسكن فيها الشاعر نمر العدوان،وتسمت على اسمه،واتفقت مع اسم الشاعر،ومع كون هذه المنطقة هي «مقسم للنمر».
كما أنه في الموروث الشعبي هناك المنطقة القريبة من ياجوز،والمطلة عليها،وهي الكوم،يناديها أهل القرية ب«قرين ياجوز»،أي أنها تقترن بها من كثرة ما هي قريبة،كما أن كتب الآثار تسميها ب«كوم ياجوز».
«علية» الداوود
يتحدث كبار القرية أنه بقي العدوان مالكين لهذه المنطقة الى أن تم اعطاء «الداوود» جزءا كبيرا من منطقة ياجوز،كما أنه قام بشراء مناطق كثيرة محيطة بها،حتى صار من كبار الملاكين في المنطقة.
وهناك مبنى تراثي قديم،موجود في القرية، هو بحسب ما يصفه أهل القرية «علية الداوود»،وهذا البناء ما زال قائما،ويستعمل لأغراض مختلفة عما كان قد بني لأجله في الزمن الماضي،كما أنه يقول كبار القرية أن جزءا من بناء هذه العلية أستعملت فيه حجارة الخربة القديمة.
ويشيرون في حديثهم عن البناء،وحجارة الخربة، الى أنه في موجة استخدام تلك الحجارة الأثرية في بناء البيوت،كانت تصل الى أيدي جامعي تلك الحجارة،بعض من القطع النادرة،والغنية بالنقوش، والكتابات،والأحرف،والرموز،ويستشهدون على ذلك بأن أحد هؤلاء الحفارين «قلب حجرا،فشاف،ونو مكتوب عليها(مقيال خيل الأمير نمر العدوان)».
مفلح العدوان