وأخيرا... قانا! من كان يصدق أن تلك القرية الجنوبية الوادعة التي أكلت المحرقة في ربيع عام 1996 يديها الصغيرتين سوف تغرق في النار مرة أخرى؟ وأن القتلة ذاتهم الذين ولغوا في دمها سوف يجيئون من جديد ليطعنوا ذلك الجسد، ويمزقوه بأنيابهم؟ أي ذنب ارتكبته هذه القرية المسالمة حتى تنال كل هذا القتل؟ المجزرة الثانية في غضون عشرة أعوام! ذلك كثير على فراشة نائمة على ذراع الجنوب. ذلك كثير على قانا الجليل، ابنة الدوالي القديمة ورفيقة المسيح في صبا البشرية.
في أواسط آذار عام 1999، وفي الذكرى الثالثة للمجزرة (الأولى) توجهنا إلى الجنوب لنقرأ الشعر. كنت أنا والأصدقاء طاهر رياض وعز الدين المناصرة نشارك في يوم التضامن مع الجنوب اللبناني. كان أول شيء فعلناه أننا ذهبنا مباشرة إلى قانا من أجل أن نزور موقع المجزرة. حين وصلنا القرية خيل إلي أنني أدخل مسقط رأسي بالقرب من القدس، فالبيوت الصغيرة في القرية، والأزقة المتربة ذكرتني بروائحي الأولى. دون مقدمات سقطنا في المكان المغدور. كنا هناك في مساحة من الأرض المحروقة، وكل شيء كان على حاله: إبريق شاي محروق هنا، أواني للطبخ ملقاة هناك، بقايا كؤوس، خرق وأسمال ملطخة بالسواد ربما كانت ملابس وأغطية للشهداء. فجأة دارت بي الأرض، وضجت الجهات بالعويل. فجأة أعتم ذلك الصباح، والتمعت فيه أحداق القتلى، وصرت قريبا من الموت. يا إلهي أية سادية هذه وأي طراز مدرب من المجرمين هؤلاء؟ أية جريمة متفق عليها؟ مائة وسبعة شهداء طحنتهم آلة الدمار الصهيونية عن قصد وسبق إصرار. يروي أحد سكان القرية ما حدث في صبيحة يوم الجمعة الثامن عشر من نيسان عام 1996 قائلا: كان هذا العدد الكبير من الأطفال والنساء والشيوخ قد التجأ إلى معسكر القوات الفيدجية، حيث قامت هذه القوات بتسجيل أسماء الأشخاص، وإغلاق البوابتين الرئيستين عليهم. طائرة استطلاع صهيونية جاءت وحلقت فوق المكان لفترة وجيزة. ثم ما إن غابت الطائرة حتى انهمرت القذائف على المعسكر. القوات الفيدجية اتصلت مباشرة مع قيادة القوات الصهيونية في المنطقة، وأبلغتهم بوجود المدنيين، إلا أن الصهاينة لم يكترثوا للأمر. لقد تابعوا القصف حتى أجهزوا على من ظل على قيد الحياة.
في ذلك الوقت تذرع قطب المجرمين (شمعون بيرس) بوجود عدد من المقاتلين اللبنانيين في المكان، غير أن الأكذوبة سرعان ما انكشفت. لقد اتضح للعالم أن المعسكر كان خاليا تماما من المسلحين، وأن الشهداء كلهم كانوا من المدنيين. يكتب أحد المحللين الصهاينة أرييه شافيت في صحيفة هآرتس بعد أيام من وقوع المجزرة قائلا: لم نقتلهم عن سابق تصور، ولم نقتلهم عامدين متعمدين، وإنما قتلناهم ببساطة لأنه لم يكن من الأهمية بمكان بالنسبة لنا ألا نقتلهم. لأن عدم قتلهم لم يكن في رأس سلم أولوياتنا. لقد قتلناهم لأن الفارق الشاسع بين الطابع المهم إلى حد القداسة الذي نوليه لأرواحنا، وبين الطابع قليل الأهمية لأرواحهم سمح لنا بقتلهم. ويتابع هذا المحلل العنصري قائلا: إننا مقتنعون إلى درجة لا تقبل الشك أن حياة الآخرين ليست بالأهمية التي نوليها لحياتنا.
مجزرة قانا الجديدة التي وقعت قبل أيام جرى تنفيذها بالقصدية والإصرار نفسيهما اللذين نفذت بهما المجزرة الأولى. ببساطة لقد رصدوا المكان الذي كان يضم هذا العدد الهائل من الأطفال وقرروا أن يقتلوهم. لقد ارتكبوا هذه الحماقة الكبرى على مرأى ومسمع البشرية جميعها غير آبهين بأية احتجاجات قد تقوم هنا أو هناك.
والآن ما الذي يجعل مثل هذا القتل مقدسا في السلوك الصهيوني إلى هذا الحد؟ ترى هل هو الإحساس العميق بالحقد تجاه الآخر في ظل أوضاع الغيتو التي ظلت قائمة على مدار الألفي سنة الماضية؟ أم أن الأمر برمته يتعلق بوجود انسجام كامل بين العقيدة الصهيونية التي تأسست في أواخر القرن التاسع عشر وبين التقاليد اليهودية التي ترى في القتل وسيلة مثلى لإرضاء (يهوه) المفتون دائما بمشهد الدماء؟!
تتأسس العقيدة الصهيونية المعاصرة بشكل مباشر على القواعد الأولى التي دبجها كتبة ما يسمى بالعهد القديم، كما وأنها لتستمد أدبياتها التي تتعلق بنظرة الازدراء إلى الآخر انطلاقا من هذا الكتاب العجيب. فالتحريض على القتل وخاصة قتل الأطفال يملأ صفحات كثيرة. إن الذي يقرأ العهد القديم سيصاب بالذعر وهو يتأمل هذا الجنوح الكاسح باتجاه الجريمة. في اجتياح يوشع بن نون لمدينة أريحا نقرأ الوصف التالي للمعركة: وقتلوا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ حتى البقر والغنم، بحد السيف . فيما يتصل بالتحريض على قتل الأطفال مثلا نقرأ ما يرد في الإصحاح 31 من سفر العدد: فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال .
على هذا الطريق سار مؤسسو الصهيونية وسدنتها المعاصرون. هاهو هرتزل يسدي مزيدا من النصائح للجيل الذي سيرفع بنيان (الدولة القادمة): لنفترض على سبيل المثال، أننا أجبرنا على أن نخلي بلدا ما من الوحوش، يجب علينا ألا نقوم بهذا العمل وفقا لأسلوب الأوروبيين في القرن الخامس، كأن نأخذ الرمح ونذهب كل على حدة للبحث عن الدببة، بل يجب علينا تأليف حملة صيد كبيرة، ومن ثم نجمع الحيوانات كلها معا، ونلقي وسطها بالقنابل المميتة . أما زئيف جابوتنسكي فهو يذكر المستوطنين الصهاينة بما انبنت عليه دولة (إسرائيل) الأولى: عليكم أن تحتفظوا بالسيف لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكارا ألمانيا، بل هو ملك لأجدادنا الأوائل. إن السيف والتوراة قد نزلا علينا من السماء . وبسبب مباشر من هذه النصيحة فقد أسس (بن غوريون) جماعة (هاشومير) التي تعني الحارس وهي إحدى المنظمات العسكرية الصهيونية التي قامت قبل عام 1948 ووضع شعارا لها هو: (بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستقوم يهودا).
قانا الجديدة الفرس المغدورة في ساحة المبارزة.
قانا الوردة التي التهبت ليس في ظلام الجنوب ولكن في ظلام هذه البرية الشاسعة من الشعوب والممالك التي يلفح ظهرها كرباج الكاوبوي الأمريكي دمنا القائم في المهب، والمصلصل بانتظار البرابرة.
* شاعر أردني