كتابة وتصوير مفلح العدوان - جنوب غرب السلط..
هناك القرية التي تعتبر احدى ضواحي المدينة،ويكاد المتأمل أن لا يرى مسافة تذكر بين هذا المكان،والمدينة،ف''بطنا''،تعد واحدة من المناطق الملاصقة للسلط،وهي العتبة المطلة على الأماكن الموجودة على امتداد الدرب الى يرقا،وعيرا،ووادي شعيب ،وما بعدها..
ولعل تتبع دلالات التسمية يؤدي الى القول بأن اسم ''بطنا'' مأخوذ من البطين،بمعنى البر،كما أن هناك منطقة أخرى،قريبة، تحمل ذات الاسم وهي موجودة كجزء من قرية ''ام زيتونة'' الملاصقة ل''بطنا''،وهذا الاسم له علاقة بالموقع،وطبيعته،وجغرافية المكان المشهور بالخرب والآثار.
و''بطنا'' تكتب بالطاء أو بالتاء،ويورد بعض أهل القرية استشهادا،يرددونه، حول تفسير الاسم، ومفاده أنه: ''سئلت عائشة ما الكوثر؟ فقالت: نهر في بطنان الجنة. فقيل لها: وما بطن الجنة؟ فقالت وسطها''.
ولهذا فبالقياس لهذا القول من الممكن أن يكون معنى ''بطنا'' المنطقة المتوسطة،أما اذا كتبت بالتاء فمعناها يكون الأرض المرتفعة المنخفضة،وهو ما ينطبق على واقع حال القرية..وأهل ''بطنا''،يتلفظون الاسم بفتح الباء،وتسكين الطاء،فتكون ''بطنا''.
الخربة والمقام
على الشارع المحاذي للقرية،هناك يافطة مكتوب عليها''مقام النبي أيوب عليه الصلاة والسلام''،وهناك سهم يشير الى داخل ''بطنا''،والذي يتبع السهم لا يصل الى مبنى مقام،وقبر،وسور حوله،اذ أن هناك،فقط،جدارا مهدما،وبقايا معالم خربة،وتوجد أعداد من الأشجار الحرجية القديمة.
لدى لقاء أهل القرية هناك يقولون هذه هي ''خربة أيوب''،وقد كانت توجد في ما مضى هنا شجرة عظيمة،ويستقر تحتها قبر،وحوله حوطة،وكانت تلك ''شجرة أيوب''،ولربما يكون ما تحتها قبر رجل صالح،فأخذ المكان القداسة،وفي مراحل من الزمن كان يأتي لزيارة الشجرة داخل الحوطة كل طالب حاجة،و''يضع الزائر عليها الخلع'' فتزدان الشجرة بلون القماش الأخضر المعلق عليها،كأنها حاملة الأماني والأدعية لأولئك الذين يتوجهون بها الى الله،بشفاعة أيوب الذي يعتقد الناس بأنه مر من هناك.
يقول المقيمون بمحاذاة الخربة أنه في فترة قريبة تم قطع تلك الشجرة،اجتهادا من بعض الناس حتى لا تبقى مقدسة،وتأخذ صفة التأليه والقداسة.
ويتحدث أهل القرية أنه قد سكن في تلك الخربة في فترة ماضية قوات من الجيش،وما يلفت النظر الآن لمن يزور هذا المكان أن شجرة البطم موجودة بكثرة،كما أنه كل شجرة من تلك الأشجار القريبة من الخربة محاطة ''بسناسل'' حجرية،ولربما اكتسبت صفة القداسة أيضا مثل تلك الشجرة التي تم قطعها،وهذه ''السناسل'' القديمة تحيط بعدة اشجار لا شجرة واحدة.
أما عن القناعة بارتباط هذا المكان بالنبي أيوب،فيشكك،في هذا،بعض أهل القرية،موضحين بأنه ربما تكون مرتبطة بالأيوبيين أكثر،ولهذا فقد تم تسمية الخربة بخربة أيوب،وربما يكون بناها أحد الأمراء في الفترة الأيوبية،ثم سكنها رجل صالح في مرحلة أخرى،فارتبط اسم أيوب،بالمكان،وبالخربة.
وعند مراجعة تواجد الأيوبيين وحراكهم في المنطقة،يلاحظ أن السلط كانت مقرا لهم في فترة الملك الأيوبي العادل،ومملوكه أيبك بن عبد الله، الذي كان حاكما على السلط،واستمر الحال مع الابن الملك المعظم عيسى،وظل حضورهم في المنطقة حتى انقضت دولتهم،وهذا ما يؤكد احتمالات أن يكون اسم الخربة،والمقام،يعودان الى الفترة الأيوبية،وينتميان لها.
كما أن الدكتور سحبان خليفات،يمر على ذكر ''خربة ايوب'' في دراسته المهمة عن مدينة السلط والتي نشرها عام 1984، في العدد الرابع من المجلة الثقافية التي تصدرها الجامعة الأردنية ،ويقول فيها،مع الاحالة الى لويس مخلوف،أنه''وإلى الجنوب الغربي منها(ويقصد السلط)،تقوم خربة أيوب.وفيها بناء يحيط به سور على امتداد ثلاثين مترا،ولا يزال بعض أعمدته قائما.كما يوجد الى الشمال منها ما يشبه أرضية هيكل روماني''.
بير السيح
يركز أهل بطنا على أن ما تشتهر به القرية،ويلفت النظر فيها هو هذا الكم الكبير من الآبار المنتشرة في جميع جوانبها،وهي آبار رومانية قديمة،ولعل من أشهرها ''بير السيح''، التي تعود ملكيتها الآن الى أبناء المرحوم ''سالم أحمد الوشاح''، ويصفه أهل المنطقة بأن عمقها يصل الى مئات الأمتار،ومساحتها واسعة، وداخلها غرف ،وهناك مصاطب وجلسات فيه.
لكننا عند قيامنا بزيارتها كانت مغلقة،فاحتجب عنا بسبب أن أحد أبناء الذين يملكون البير قد غرق فيها قبل فترة قليلة، لكن قيل لنا بأنه ترتبط بهذه البير قصص شعبية وأساطير احداها تركز على أن بنات شعيب عليه الصلاة والسلام كن يصلن اليه،ويردن الى مائها.
والسيح هو تجميع المياه،والهدف من كل تلك الآبار هو حصاد مائي،اذ ان فكرة الآبار مرتبطة بالعصور الرومانية،وقد طورها الأنباط واستفادوا منها،ويتحدث أهل القرية عن هندسة وفن في تشكيل تلك الآبار حتى أن بعضها مبلط من الداخل،وقد مررنا قبل فترة ببئر رومانية تحمل ذات الاسم ''بير السيح''،في قرية الدفيانة في المفرق،وكأن التسمية كانت دارجة لدى قرانا منذ عهد بعيد.
ذاكرة الاستقرار
''من هنا كانت الطريق الى فلسطين''..
هكذا يبدأ كبار القرية تقديمهم ل''بطنا''،معرجين على خريطة طريق الجيش التركي،حيث كانت معالم الطريق آنذاك من السلط الى بطنا،فيرقا وعيرا والغور الأوسط، حتى القدس،وباقي فلسطين.
وهذه الطريق ذاتها تبعها الإنجليز عند دخولهم الى المكان بعد العثمانيين.
أما عن التواجد التاريخي،وأقدمية الاستقرار في القرية،كل من ''هاشم عربيات''،و''منصور أحمد عربيات''،وهما متابعان للتداعيات التاريخية للمكان ،حيث يوضحان بأنه قد تم اكتشاف،من خلال الفخار السطحي،وبحسب تصريحات عالم الآثار الأمريكي ''جيمس ساور'' الذي قال أنه وجد على السطح في ''خربة أيوب'' فخار روماني بيزنطي،كما أنه وجد هناك فخار أموي بكثرة،أما الأثر العباسي فهو قليل هناك.
وبالنسبة للعصر الأيوبي فقد أثبتت المسوحات الأثرية أنه وجد هناك استقرار بشكل كامل في بطنا،في هذه الفترة وحتى نهاية العصر المملوكي،ولكن هناك فجوة،وفراغ،ما بين الفترة المملوكية والعثمانية.
سهلة عبهرة
يعرف أهل بطنا جغرافيتها قديما وحديثا..
وهم حين يريدون تتبع أماكنها،فهم يقسمون مساحتها بحسب الخرب التي كانت فيها،مما يعطي انطباعا بحجم الاستقرار والتاريخ الذي كان يسكنها،وكأن المدقق في أسماء الأماكن يستطيع حصر دلالاتها من تلك الاشارات التي تحملها الأحرف والكلمات،فهناك ''خربة شبا''،و''خربة حرملة''،و''خربة غياظه''،و''خربة مرعي''،و''خربة ظهرة العبيد''،و''خربة أم الخنانيس''(والخنانيس هي الخنازير الصغيرة)،و''بيادر طبلوج''،و''خربة ام رمانة''،و''وادي قصيب''،وسهلة العبهرة''.
ويعود تاريخ الاستقرار في القرية الى ما هو اقدم من الحدود الحديثة لها،اذ يقول كبارها بأنها ''أحد تجمعات العربيات،وقد كانوا بعد ما يشتوا بالغور،يرجعوا هان،ويسكنوا في سهلة عبهرة''.
المجلس القروي
سكان بطنا معظمهم يعودون تاريخيا الى السلط، وانهم كانوا من سكان وادي الاكراد،وهم من العربيات والنسور والحياصات والحيارات والدبابسه والوشاحات،كما أنه يوجد معهم بعض العائلات من العبابيد في الفترة الحالية،والدخول الى التقسيم الإداري فيها يتحدث أهلها بأنها قريبة من السلط،وتعتبر احدى ضواحيها،وكل الخدمات تصلهم منها،لذلك فإن أول مجلس قروي فيها كان عام 1980 سواه مروان لما كان وزير بلديات،وقال لو اني رئيس بلدية بطنا لاعملها احسن مدينة بالمملكة لأنها مخططة بتنظيم حديث،وكلها سكن ''أ''..وقد كان أول رئيس مجلس قروي فيها هو عبد الكريم الوشاح.
عليك الله،وأمان الله
ويتحدث أحد كبار المنطقة،وهو (عبد الله محمود صالح الوشاح''أبو خالد'')،بأنه أول من سكن في بطنا،حديثا،هما اثنان مبارك الوشاح،''وكان ساكن عند بير السيح''،والثاني صالح الوشاح،وكان ساكن ب''غياظة''،وهذا له قصة أنه ''في تلك الفترة كانت البلاد واقعة تحت غزو من البدو،وكان ثلاثون من هذول البدو قراب من المنطقة،وجاعوا،فبعثوا واحد منهم يجيبلهم أكل،ودخل لعند صالح الوشاح اللي رحب بيه،وقدملوا خبز شراك،عشان يوكل.
لكن كان وهو يوكل،يخبي خبز داخل ثوبه،فشافته زوجة صالح،وقالت لزوجها،عن ملاحظتها،فاجا عليه صالح وقال له ''يا رجل اذا معك حدا اعزمهم معك''،فجاوبوا ''والله انا معي 29 فارسا''،فرد عليه صالح''ترى عليك الله وأمان الله،جيبهم معك''،وأكرمهم،وبعد ما أكلوا قالوا لصالح الوشاح''وانت كمان،ترى عليك الله وأمان الله،انه من وادي شعيب لهذ المنطقة ما يصير عليكم نهب''،والتزموا بالعهد هذا،وعاشت المنطقة بعد هيك بأمان من الغزو..''.
قسمة الرعي،والزراعة
الحد الفاصل بين بطنا،والقرية المجاورة لها،''أم زيتونة''،هو ''وادي حادي''..
وانطلاقا من هذا الحد الجغرافي فقد كان هناك شبه نظام،وتوحيد للمزروعات،وأماكن زراعتها،أوجده أهل القرية قديما،بالتوافق في ما بينهم،وعلى شكل إجماع،في أنه يكون الزرع في جانب،وترعى الغنم في الجهة الاخرى، وبهذه الطريقة لا يكون فيه أذى على المزروعات،ولا يكون هناك وجود لنزاعات بينهم بسبب الرعي.
سيرة قرية
تقع قرية بطنا جنوب غرب السلط،وتعتبر احدى ضواحي المدينة لقربها وتلاصقها معها،وهي تتبع اداريا الى بلدية السلط من محافظة البلقاء.
الديموغرافيا:
يبلغ عدد سكان قرية بطنا حوالي 1500 نسمة، وأغلب سكانها من العربيات،والوشاحات،والحياصات،والنسور،والحيارات،والدبابسة،
وفيها بعض العائلات من العباد.
ويعمل سكان بطنا في الزراعة،وتربية الأغنام،و في الوظائف الحكومية.
التربية والتعليم:
يوجد في القرية مدرسةحكومية واحدة هي مدرسة بطنا الأساسية المختلطة،ويكمل الطلاب دراستهم اما في مدارس السلط،أو يرقا.
الصحة:
يوجد في القرية مركز صحي أولي.
تستفيد القرية من مدينة السلط في معظم الخدمات لقربها وتلاصقها معها.
كتابة تفاعلية
الجهران..«أهل المليحة»
''حسبان..أسرار المصلى''،هذا كان عنوان صفحة ''بوح القرى''،قبل أسابيع،وقد استعرضنا،خلال حلقتين متتاليتين،تلك الأسرار،والقصص،القديمة والحديثة المرتبطة بهذه القرية،وعرجنا فيها على العائلات الموجودة هناك،وذكرنا بعض تداعيات قصص قدومهم إلى هذا المكان،وكانت إحدى تلك القصص لها علاقة بعشيرة ''الجهران''،وهم الآن منتشرون في ماسوح وشفا بدران.
وقد وردنا بعض تعديل على ما نشر حول جذور قدوم هذه العشيرة،وقصة حضورهم إلى البلقاء،من خلال رسالة تحمل توقيع كل من محمد عبد الكريم الجهران من ماسوح،ومحمد سالم عبد العزيز الجهران من شفا بدران،وهذا بعض مما جاء في الرسالة/التوضيح:
يرجع نسب عشيرة الجهران إلى عشيرة الغزي من قبيلة السرحان،حيث اتجهت نساء الشيخ ابن غزي،وكانتا اثنتين،إلى أرض البلقاء،على اثر مذبحة حصلت بين أبناء القبيلة،اخذت بها عشيرة الغزي غدرا،وكانت الاثنتان حاملتين،وهذه ابيات من الشعر من أقوال الشاعر ''طلال بن قاعد المذهن السرحان''،قيلت في عشيرة الجهران،وتوضح بعضا من هذه القصة:
''انتم بني غزي عريقين الانساب
مير الردى بالحظ يوم ينامي
نذكر قصص حدثوا فيه الشياب
ما ضاع حق للعيال الكرامي
اقفن حريم الشيخ في حرو وجياب
اقفن وهن طالبات السلامي
ما به شكوك الهرج والوسم مشعاب
وترى دليل البدو هو الوسامي
هرجي صحيح ولا قضب هرج كذاب
جهران انتم من رفيع المقامي
مع الشراقا شاهد اصبع وسباب
متخالطين دمكم واللحامي
من ساس سرحان بل شك ورياب
تشهد لهم الجوف لحدود الشامي''
وعند وصول النساء إلى منطقة السامك من البلقاء،لم تستطع إحداهن متابعة المسير،فذهبت الثانية تطلب النجدة والمساعدة من أحد البيوت،إلا أن الأولى استجمعت قواها وتابعت مشيها للحاق برفيقتها،لكنها دخلت بيتا آخر وكان البيتان احدهما بيت عجرمي،والآخر عدواني،وأنجبت كل منهما ولدا سميا ''الأجهر''،والآخر ''شريقي''.
وتنسب إلى ''شريقي'' عشيرة ''الشريقيين''،ويسكنون منطقة حسبان،و''الأجهر'' تنتسب اليه عشيرة ''الجهران''،ويسكنون منطقة ماسوح،ومنطقة شفا بدران،وقد كان للجهران الحظ الوافر في اكتساب صفات اجدادهم الغزي الذين كانوا يمتازون بالفروسية وبكثير من الصفات الحميدة،أما نخوة الجهران فهي ''أهل المليحه''.