رامبرانت: فن يشع بالأمل وينبض بالإنسانية - بقلم غازي انعيم

رامبرانت: فن يشع بالأمل وينبض بالإنسانية - بقلم غازي انعيم

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 21-7-2006
No Image
رامبرانت: فن يشع بالأمل وينبض بالإنسانية - بقلم غازي انعيم

يعد الفنان رامبرانت من أعظم مصوري المدرسة الهولندية في القرن السابع عشر، والتي استطاعت أن تجسد الواقع المحيط بها بأساليب فنية متعددة، كما يعد الأبرز والأشهر من بين فناني القرن السابع عشر الذين ارتفعوا بفن اللوحات الشخصية، فقد طوع مقتضيات هذا اللون من التصوير لتحقيق أهدافه، كما يعود إليه الفضل في لفت انتباه العديد من فناني القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى الواقعية في الفن، ويعد أيضا من أعظم عباقرة الفن التشكيلي الذي أنجبتهم البشرية عبر تاريخها الطويل، الذين استطاعوا التعبير عن تجليات الروح الإنسانية ليكون بذلك آخر فرسان الحرس القديم في التصوير قبل إطلال ما يعرف باسم «عصر المنطق أو العقل».
ولد هذا الفنان في 15 تموز 1606 في مدينة ليدن الهولندية، على شاطئ أحد روافد الراين. ومن هنا جاء قسم من اسمه الذي اعتبر كنية: فان راين. وكان رامبرانت الابن الثامن من تسعة أطفال، أمه ابنة خباز ثري، ووالده يعمل طحانا شأنه شأن جميع الناس البسطاء متوسطي الحال، وصل منهم أربعة أولاد فقط إلى سن الرشد، وقد عملوا في الطاحونة مساعدين لوالدهم. وعلى الرغم من ضيق ذات يده، إلا أنه بذل ما في وسعه من اجل أن يوفر لابنه الصغير «رامبرانت» تعليما جيدا، وأن يراه يزاول مهنة راقية. وبهذه الفكرة، قام بإدخال رامبرانت العام 1613 في المدرسة اللاتينية في ليدن، عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، وهي خطوة غير عادية لواحد من طبقته المسحوقة؛ وربما كان ذلك إشارة إلى تمتعه بذكاء استثنائي، حيث درس علم الأساطير التقليدية والتاريخ، «ليخدم» كما كتب أبوه في عريضته «العلم لخير مدينته ولجمهوريته».
وفي العام 1620، انتسب رامبرنت إلى جامعة ليدن، لكنه كان طيلة الوقت يصر على رفض الدراسة بالجامعة، ويعلن على الملأ رغبته الواضحة في أن يصبح مصورا، فطلب والده منه أن يكمل العام الدراسي على أمل أن يعدل عن قراره ويستمر بالدراسة في العام القادم. لكن رامبرانت رفض الاستمرار بالدراسة، واضطر والده للرضوخ، والسماح له بأن يلتحق في العام 1621، بمرسم الفنان «جاكوب فان سواننبرج»، الذي اختص في رسم الشخصيات، ووصف الجحيم وفق التقليد الذي اتبعه «هيرونيموس بوش» (1450- 1516)، وقد أمضى رامبرانت ثلاث سنوات واظب خلالها على دراسة الأعمال الخطية الألمانية، وبصفة خاصة أعمال الفنان «دورر»، كما اهتم بلوحات الفرنسي «جاك كاللو» الذي كان له تأثير كبير على أعماله الخطية، ونتيجة لهذه الفترة التعليمية، استطاع رامبرانت أن يألف تماما كل مبادئ هذا الفن. ولا نجد أي تأثير لهذا الفنان على أعمال رامبرانت التي تلت ذلك.




كان «جاكوب» يكن تقديرا كبيرا لتلميذه، وقد نصحه أن يذهب إلى أمستردام، ليدرس على يد فنان أمستردام الأرستقراطي "بيتر لاستمان»، المختص بمواضيع الكتاب المقدس، والمواضيع الأسطورية ورسام المشاهد التاريخية، والمعروف بتمرنه لدى الفنان الفلمنكي التأنقي «كورنليس فان هاريم». وقضى بعض الوقت في روما حيث ألف فن «آدم إلشايمر» (1575- 1610).
وعلى ذلك غادر رامبرانت بلدته في العام 1624، ومكث مع «لاستمان» مدة ستة شهور، وفي أثناء ذلك تعلم اللغة الإيطالية، واطلع على حياة المجتمع الإيطالي والروماني، وتعلم الكثير فيما يختص بالنقش، وكذلك بعض الأساليب الجديدة في التصوير، وتأثر بالفنان الإيطالي «كارافاجيو» (1575- 1610) الذي أبدع أسلوبا شديد الخصوصية في التصوير، يجمع بين الواقعية الريفية الواضحة، مع تباينات عنيفة في الظل والنور، والتي نقلت انطباعا لدراما عميقة، وأصبحت المعلم الأسلوبي الغالب لتصوير القرن السابع عشر. وتبنى رامبرانت تقنية «النور والظل» في أعماله الأولى، واستمر بها بقية حياته لتكون أداة التعبير الرئيسة لعمله.
وقد ترك «لاستمان» انطباعا عميقا في نفس رامبرانت، انعكس في لوحة «اتهام طوبيا لحنة في سرقة الجدي» (1626)، التي تعرض أسلوبا يكاد يكون معظمه واقعي شديد التأكيد، رغبة منه في تصوير التعبير والإيماءات الدقيقة لتنقل العاطفة، وهي طريقة «لاستمان».
بعد تفشي مرض الطاعون في خريف 1624، قرر رامبرانت العودة إلى مدينة ''ليدن»، وظل فيها يعيش ويعمل لمدة ست سنوات (1624-1630)، وقد رسم خلال تلك السنوات، مجموعة من اللوحات التي تمثل أفراد أسرته، وأصدقاءه، بالإضافة إلى عدد من اللوحات التي تمثل المناظر التي وصفها الإنجيل وبعض الأشياء الجميلة والفاخرة. وتدل تلك اللوحات، على تفهم رامبرانت الواقعي لشخصياته، واهتمامه بأن يظهر أخلاقهم من خلال شخصياتهم، والتباين بين تلك الشخصيات من خلال الظل والضوء.
وفي تلك الفترة رسم لوحات «تجلي مريم العذراء في المعبد»، و«القديس بول»، و«البخيل»، و«حمار في الماء»، لكن أهم لوحاته في هذه الفترة كانت لوحة «المسيح في بيت لحم» (1629)، وهي لوحة غامضة، يعلوها خيال قاتم للسيد المسح، حيث يشع ضوء ذهبي باهر، ولوحته الشخصية (1629)، حيث نلاحظ استخدامه للظلال فوق الوجه لتخفي التعبير، وهي سابقة لم يحاولها أي فنان قبله، وهو يجرب أيضا تأثيرات مختلفة لملمس السطح المرئي.
في العام 1630، وبعد وفاة والدته، انتقل رامبرانت إلى مدينة أمستردام )فينيسيا الشمال)، وهي مدينة مبنية بكليتها على الدعائم في أرض منتزعة من البحر ليستقر فيها نهائيا، حيث عاش بقية حياته. وفي تلك الفترة، حقق رامبرانت شهرة واسعة كمصور، سرعان ما أوجبت عليه التزامات، لم تكن طبيعته الاستقلالية لتقبلها بسهولة. كان عليه أن يستجيب لطلبات الشخصيات الثرية، وتجار المدينة، وكان ذلك شديد الوقع على خياله. ومهما يكن من أمر، فقد كان رامبرانت قادرا على تكييف أسلوبه بالرسم بما هو متوائم مع الذائقة التقليدية آنذاك. فحافظ على أسلوبه الشخصي، من خلال اللوحات العديدة التي كانت الظروف تحتم عليه أن يصورها.
وفي نهاية العام 1630، أنجز رامبرانت، عددا كبيرا من أعمال الحفر التي صور فيها أحداث حياته كلها، وأضاف إلى ذلك تركيزا شديدا على المواضيع الإنسانية التي هي على صلة بعصره، كما أنجز عددا من الدراسات المنفذة بالحبر. وفي العام 1631، رسم لوحة لوالدته، تبدو لنا كأنها صورة قديسة، وذلك لمجرد التوافق البسيط في الألوان.
وفي العام 1632، أي بعد عام من العودة إلى أمستردام، التقى رامبرانت طلبا من رابطة أطباء أمستردام برسم لوحة جماعية. واللوحة التي رسمها معروفة باسم «درس التشريح للدكتور تولب»، وهي تمثل الدكتور تولب وهو يوضح تشريح الجسم البشري أمام سبعة جراحين يحيطون بجثة للاختبار في وضع طبيعي للغاية، والدكتور تولب نفسه يدير الدرس، كلهم مرسومون بيد واثقة جبارة. وخلافا للعادة الجارية في الرسم، اختار رامبرانت للوحته لحظة انتباه شديدة، برهة استغراق عميق، فرسم أناسا منهمكين بعمل ضروري مهم.
وفي ذلك ظهر في الحال اهتمام رامبرانت بالعالم الداخلي الروحي للإنسان. وكانت هذه اللوحة، سببا في سرعة اشتهار الفنان الشاب، فأكسبته شعبية وعددا من الطلبات لرسم لوحات شخصية، وتبنى من اجل تنفيذ أعمال هذه المرحلة، طريقة الواقعية الرشيقة، والمصقولة التي ميزت أسلوب مصوري الشخصيات المعاصرين أمثال «ويلم دو كايسر».
في العام 1634، أنجز رامبرانت مجموعة من اللوحات التي تصور حياة البائسين والكادحين، وطرح فيها موضوعا مهما وغير عادي بالنسبة لعصره؛ موضوع العذاب والفقر، والمعاناة، والتي أصبحت تطغى حتى على لوحاته ذات المواضيع الدينية، وهذا ما يتجلى بشكل رائع في لوحته «إنزال المسيح عن الصليب» (1634)، حيث تجلت بأروع مظاهرها عبقرية الفنان وقدرته على تركيز الاهتمام، لا على المظاهر (الحاضرين، الظلمة المخيمة، الضوء المصطنع، العذراء وقد فقدت وعيها)، بل على الدرامية الداخلية للحدث أيضا.
وفي أيار 1634، قرر رامبرانت أن يتزوج من ابنة عم مالك بيته الأول "ساسكيا فان اويلنبرج»، وهي فتاة رائعة الجمال والثراء، كان والدها عمدة المدينة، وعضوا مهما في المحكمة العليا، وقد جلبت له بزواجها مهرا كبيرا معها، بالإضافة إلى علاقات مع مجموعة من الأثرياء، وقد أنجبت له أربعة أولاد. وبدا في زواجه، على الرغم من قصر ديمومته، في غاية السعادة. ولأنه أحبها فإنه فضلها كموديل للرسم، لأن مظهرها يدل على الاكتناز بالجمال المثالي، وأخذ يرسمها بحب وحماس، في أوسع تشكيل من الملابس والحلي، وأحيانا وهي عارية تماما، وظهرت مرارا بوجهها الشاحب، وجسمها الدال على الغنج في اللوحات الزيتية، ولوحات الحفر، والرسوم خلال الثلاثينيات من القرن السابع عشر، وأصبحت «آلهة الزهور» (1634).
بعد العام 1635، عاد رامبرانت إلى رسم المواضيع التاريخية، ورسم عدة لوحات منها: «الملاك يوقظ إبراهيم عند قتل ابنه اسحق» (1635)، و«شمشون يهدد شقيق زوجته» (1635). وتذكرنا المشاهد التي تقدمها هاتان اللوحتان بأعمال الفنانين الذين تأثروا بكارافاجيو. وقد حققتا شهرة كبيرة، ونالتا اهتماما كبيرا.
لقد أدرك رامبرانت أن أسلوب (الباروك) لم يكن لغته الطبيعية. وبحلول عام 1638، بدأت عواطفه تجاه (الدراما) و(الأعمال الضخمة) تخمد، حين بدأ يهتم بالمواضيع التاريخية، ويقدمها عبر لغة شخصية، أقل بطولية مما كانت، ولكن بمعالجة أكثر تصويرية لما هو قصصي. وخير مثال على ذلك، لوحة «المسيح يظهر لماري المجدلية» (1638)، وهي نموذج لهذا التحول، نحو مواضيع دينية من الإنجيل أكثر تقييدا وشخصية.
كان رامبرانت في هذه المرحلة، ناجحا وثريا، ففي العام 1639اشترى هو وساسكيا لنفسيهما بيتا يتكون من طابقين في "أيودين براسترايت» في أمستردام، وقد كانت الغرف الفاخرة في الطابق الأول مملوءة بمختلف أنواع التحف من طيور محنطة، وأصداف ولآلئ، وتماثيل أفريقية من خشب الأبنوس، وحرائر صينية، وأقمشة هندية مذهبة، ولوحات لمشاهير الفنانين، وأزياء عسكرية قديمة كان في بعض الأحيان يلبسها للشخصيات التي يرسمها. وحول الطابق الثاني إلى أستوديو.
في تلك الفترة انهالت على رامبرانت طلبات الرسم، وتحسن دخله الاقتصادي، والمبالغ التي كان يجنيها من وراء لوحاته، هيأت له حياة رغيدة، وكان واضحا أن تلك الحياة السعيدة الناجحة والتقليدية المرفهة للزوجين الشابين، لا بد وأن تستمر سنوات طويلة.
ويستشعر المرء بأن رامبرانت كان في تلك الفترة في قمة عطائه، حيث أطلق العنان لأهوائه ورغباته، وربما نشاهد هذا على أفضل ما يكون في لوحة «صورة الفنان مع ساسكيا على ركبتيه»، وهي من أكثر لوحات رامبرانت مرحا وطيبة. إنه شاب في التاسعة والعشرين، أنيق المظهر يلبس صدرية ذهبية حمراء لها حافة فرائية، وعلى رأسه قبعة مخملية سوداء مزينة بريش نعام بيضاء يجلس وراء طاولة، واضعا زوجته على ركبتيه، رافعا عاليا كأسا هائلة من النبيذ، وقد لاح على زوجته شيء من الحيرة بسبب مرح زوجها العارم المنفلت، وثمة نظرة من عينيها الذكيتين، والتفاتة من رأسها، وشبه ابتسامة الخجول على شفتيها. وكأنما رامبرانت في لوحته هذه يدعو الجميع والعالم كله إذا شاء، إلى الاشتراك في عيد الشباب السعيد، ويطلب التسامح وكأنما يقول: لا تقسوا علينا كثيرا في حكمكم... فنحن سعيدان جدا...
ويظهر هذا العمل المدى الذي كان يحاول به رامبرانت أن يصل للإمساك بالمفهوم الحركي والبلاغي لأسلوب الباروك الرفيع المسمى (كارافاجي)، ولأسلوب «روبنز» الذي اطلع رامبرانت على أعماله من خلال أعمال الحفر. ولكن كان مقدرا لتلك الفترة السعيدة أن تتوقف في العام 1640، لوفاة ثلاثة من أولاده على التوالي، حيث لم يعش منهم سوى واحد، هو «تيتوس».
وفي العام 1642، قام الفنان برسم لوحة «حارس الليل»، وهي تمثل «جماعة الديك الصياح»، وهي واحدة من جمعيات كثيرة لأعضاء الرابطة العسكرية للضباط، التي تضم الفئات المتخمة في العاصمة، وقد دفع كل من أعضاء الرابطة، وعددهم سبعة عشر، مئة غولدن لقاء ظهور صورته مع زملائه في اللوحة، بشكل بارز وواضح.
لكن رامبرانت ضمن لوحته ثمانية وعشرين رجلا بدلا من أعضاء الرابطة السبعة عشر، وإذا تأملنا في هذه اللوحة، أمكننا أن نلاحظ أن اهتمام الفنان كان منصبا برمته على قائد الحرس، وشخص واحد أو اثنين آخرين، في حين باقي أفراد الحرس، قد تزاحموا في خلفية اللوحة التي تتوسطها زوجة الفنان "ساسكيا» وهي ترتدي ثوب حريري أبيض، وقد تركزت الأضواء كلها على القوام الفاتن لها، وهي تقف وسط حزمة من الضوء، بين البرجوازيين القلقين، مضفية على اللوحة كثيرا من الحيوية.
كل ذلك أثار حنق أعضاء الرابطة الذين دفعوا مبالغ مقابل رسمهم لرامبرانت، وجعلهم يطالبون برد المبالغ المدفوعة، أما بقية الذين لم يدفعوا، واعتقدوا أنهم لم يظهروا بالوضوح اللائق بهم في اللوحة، فقد تضايقوا، ورفضوا أن يدفعوا نصيبهم في أجر اللوحة. وكان الاعتقاد العام بعد ذلك، أن لوحة «حارس الليل» قد سقطت كعمل من أعمال رامبرانت. وقد رفض رامبرانت إجراء أي تعديل في اللوحة، فألقى بذلك قفاز التحدي في وجه مجتمع القشور والمظاهر.
تقدم هذه اللوحة لنا تكوينا حركيا، هو أحد أهم مميزات فن رامبرانت، كما أن درامية الحركة التي قدمها في اللوحة، وذلك عن طريق الفراغ الكبير فيها، وخروج الأشخاص من الظلام إلى النور، مما يجعلها شديدة التأثير على المشاهد، تمثل قمة ما قدمه رامبرانت من أعمال خلال الأربعينيات من القرن السابع عشر.
كانت لوحة «حارس الليل» بداية سوء الطالع الذي لاحق رامبرانت بعد موت أولاده، وسرعان ما تبعتها كوارث أخرى، ففي العام نفسه كانت «ساسكيا» طريحة الفراش، ولعل مرضها جاء نتيجة للإنجاب، فلقد أظهرتها كثير من الرسوم ولوحات الحفر، وهي تغرق ببطء من تورد الصحة، إلى سقم المرض، وحلت الكارثة التي زلزلت حياته، إذ توفيت «ساسكيا» في حزيران 1642، لتتركه وحيدا مع ابنه «تيتوس» في شهره السادس. وقد رسم رامبرانت زوجته عدة مرات، خلال السنوات الثمانية التي أمضاها معها، فرسمها في شكل ربة الزهور الرومانية والربيع، ورسمها وهي حامل في ابنها الأول (رامبارتوس)، ورسم رامبرانت نفسه على انه الابن الضال راكعا أمام «ساسكيا»، لكن.. لماذا صور رامبرانت نفسه على انه الابن الضال؟! إن ذلك ليس واضحا تماما، لكنه يظهر أنه أشبه باعتراف بالجانب الضائع في حياته.
والواقع أن وفاة «ساسكيا» كان بداية لمجموعة من السنوات الكئيبة، التي ابتدأت من العام 1645 إلى العام 1656، فقد كان الدائنون يضيقون عليه الخناق من كل جانب، كما أنه أهمل التقاليد الفنية التي كانت متبعة في ذلك الوقت، مما أدى إلى امتناع سكان المدينة الأثرياء عن تكليفه بالرسم، والاتجاه نحو فنانين يميلون على إظهار الأناقة في رسم شخصيات البلاط، الأسلوب الذي لم يلق انسجاما عند رامبرانت، حيث رفض أن يتبناه، وذهب تكليف تصوير اللوحات بأعداد متزايدة إلى التلاميذ الأكثر مرونة، وكان هبوط شعبيته، كما يعتقد مأساويا.
بدأت أعباء رامبرانت تزداد بهمومه المادية، فأخذت حالته المالية تتدهور بانتظام، ولاحظ أن القريبين منه يطالبون بحصر ممتلكاته، وفي العام 1646، أوصت له «جيرتي ديركس»، وهي المرأة التي كان رامبرانت يعيش معها منذ وفاة زوجته، بكل ما تملك مقابل معاش ثابت يدفعه لها.
انطوى رامبرانت على نفسه، وانكب على فنه، ورسم عدة أعمال رجع فيها إلى الكلاسيكية، وقدم عدة مناظر، وبدأ يتجه إلى هذا الفن في التصوير والحفر، ومن أهم لوحاته في تلك الفترة «منظر في الشتاء» (1646) والتي تقدم لنا إنجازا في هذا الفن يعتمد على لون واحد هو مزيج من الألوان الخضراء والبنيات مزجت معا لتقدم لنا تكوينا متينا ومؤثرا.
بعد ذلك ابتدع رامبرانت أسلوبا جديدا، احتل فيه الجانب الديني مكانا متميزا. لقد أصبح الدين ملجأه الوحيد، في جو يكتنفه البؤس من كل جانب، وهنا تجلت الحقيقة الروحية التي كانت نفسه تتعطش إليها، فرسم لوحة «حجاج بيت لحم» (1648)، التي سيطر عليها إحساس بالسلام.
بيد أن رامبرانت لم يهجر تماما المواضيع الأكثر بساطة. فقد كانت خادمته «هندريكه ستوفل» في الثانية والعشرين من عمرها، وكانت ذات قلب طيب وروح ساحرة، فشاطرته الفاقة والحرمان في أحد الأحياء البائسة، وصارت عشيقته، وأولته هو وولده عنايتها المخلصة، لذلك خلد رامبرانت «هندريكه» في العديد من اللوحات، أهمها لوحة «امرأة الحمام» (1654)، و«زوجة داود» (1654).
كما تجلت عبقرية رامبرانت في تلك الفترة برسم مجموعة من أعمال البورتريه، ومن أشهرها «العجوز ذو الرداء الأحمر» (1652 - 1654)، و«المحارب العجوز»، وصورة والد الفنان، و«فلورا»، و«عجوز تحمل منظارا بيديها». وقد كشفت موهبته في مجموعة هذه البورتريهات، عن خفايا النفس البشرية، والطبيعة البشرية المعقدة، ومصير الإنسان وجماله الروحي. ويلاحظ أن رامبرانت كان ميالا بشكل خاص إلى رسم كبار السن. فعلى وجوههم يمكن أن تقرأ صفحات العمر كله، وغالبا ما تكون هذه الصفحات غاية في البؤس والمعاناة والحرمان.
وبعد أن لاحظت «جيرتي ديركس» أن مشاعر رامبرانت قد تحولت نحو خادمته الجديدة، تركت منزله، وقاضته أمام المحكمة، بحجة أن طردها كان مجحفا، واضطرته للتعهد بزيادة المعاش الذي التزم بدفعه لها. إلا أن رامبرانت انتقم منها، بعرض ظاهر العناد، ونجح بحجرها في مصح عقلي العام 1649. وغدت «هندريكه» في الواقع، زوجة وفق القانون العرفي، معتنية بحاجاته، لكنهما لم يتزوجا وفق القانون، حتى لا يخسر العطاء الذي ترك له تحت اسم «وصية ساسكيا»، ومع ذلك فقد كان واضحا في كثير من اللوحات التي رسمها رامبرانت لهندريكه، بأنهما اتفقا أن يعيشا حياة رضية، رغم طردها من الكنيسة بسبب تلك العلاقة غير الشرعية. وفي أثناء ذلك كان رامبرانت يتتبع تقدم ابنه «تيتوس»، ورسم له العديد من اللوحات وادراسات الخطية، منها «تيتوس مع أدواته المكتبية» (1655).
وفي العام 1656، ولكي يؤمن ميراثا لابنه «تيتوس»، وضع رامبرانت البيت باسم ولده، واقترض أكثر لكي يشتري بيتا أصغر، ولكنه بعد وقت قصير أعلن إفلاسه، فاضطر إلى بيع المنزل الذي كان يسكنه وممتلكاته، وبيع في المزاد كل ما كان في حوزته من لوحات له ولغيره، وأشياء فنية مثل المرايا ذات الأطر الخشبية الأبنوسية الثمينة، والعلب الهندية المحفورة على خشب الصندل الفواح، والخزف الصيني الرقيق، وعدد وافر من الأسلحة من جميع أقطار العالم، وتمثال نصفي لهوميروس، وستة عشر تمثالا نصفيا للأباطرة الرومان، وتمثال زنجي صنع بطلب رامبرانت نقلا عن الطبيعة، وأثاث أسباني قديم. ولم يكف ثمن ممتلكاته، سوى لتسديد النذر اليسير من الديون.
كما حرم رامبرانت من المحكمة من الوصاية على ابنه باعتباره عاجزا عن دفع الديون، ووضعت الأموال التي خصصتها «ساسكيا» لتربية «تيتوس» في عهدة رجلين لم يقدما فلسا واحدا لرامبرانت، لأنه «لا يحسن التصرف بنقوده...».
بعد أن كبر «تيتوس»، وفي محاولة منه لإبقاء والده قادرا، على الأقل، على تسديد المستحقات الدنيا، شكلت «هندريكه» و«تيتوس» شركة وظفت رامبرانت، ودفعت له مرتبا مما يكسبه من فنه، مانعة بذلك بقاءه على هذا الحال، ولو بوضع هزيل.
وفيما بعد سكن رامبرانت في شقة فقيرة عند مدخل الجيتو مع ابنه و«هندريكه»، وفي ذلك المكان، وفي الفقر المحكم، بدأ يرسم ابنه «تيتوس» الواهن السقيم مستغرقا في القراءة متلذذا بلعبة الضوء الذي يداعب وجه ابنه برقة، كما رسم «هندريكه» وهي ترتدي الملابس الثمينة، دون أن يحليها باللآلئ كما كان يحلي زوجته "ساسكيا».
وبعد فترة قصيرة من إفلاسه، رسم رامبرانت «تعذيب المسيح». وبدا كل ما عاناه منطبعا في هذا الرجل المعذب والصامد في الوقت ذاته بذراعيه المرفوعتين المربوطتين على آلة التعذيب، كما رسم على جدار قاعة دار بلدية أمستردام الجديدة في ساحة «دام»، مشهد مؤامرة كلفديوس تسيفيليوس، وهي واقعة تاريخية من عهد السيطرة الرومانية على هولندا.
وبالرغم من أن الفترة الأخيرة من حياته، كانت غير ناجحة في الظاهر، إلا انه لم يكن لها تأثير على إنتاجه الفني، ويبدو أنه كان يتسامى فوق المآسي التي صادفته، وأنه بالرغم من قسوتها، تمكن من أن يرسم بعضا من أعظم اللوحات التي تمثل مناظر طبيعية أو دينية أو تمثل أشخاص مثل لوحة «شيوخ اتحاد النساجين» (1661) والتي عبر فيها عن عمق اهتمامه بالشخصية الإنسانية. ولا شك أن صورته الشخصية، التي رسمها في عام 1663، والتي أسماها «الصورة الباسمة»، وإن كانت في الواقع متجهمة، تلخص كل التجارب الدرامية لرامبرانت، الذي ظل حتى هرمه، نهبا لضوء أخذ يتزايد بريقه كلما اقترب من الموت.
وكان آخر لوحة رسمها رامبرانت هي «عودة الابن الضال» (1668 - 1669)، والتي تمثل وجه عجوز طاعن بالسن أصيب بالعمى بعد أن أمضى السنوات الطويلة بانتظار عودة ابنه الذي فقد الثقة بالسعادة وبالمستقبل، وهو لما يزل في ربيع حياته..
إن من يدقق في اللوحات التي رسمها رامبرانت في آخر حياته يلاحظ أنه كان يفرد عليها المعجون بأصابعه وبسكينه، ويعجنه، فيرصع الضوء ما بين أجزائه، وقد عبر أحد المعاصرين عن ذلك بقوله: «إن طبقات الألوان، بلغت حدا من السمك، لدرجة يمكن معها الإمساك باللوحة من أنفها!».
ويجمع النقاد على أن لوحته المعروفة باسم «تعذيب المسيح» ليست سوى صورة حية لمسيرة العذاب والمحن، التي مر بها الفنان نفسه، والتي استمرت حتى آخر حياته، وفي 21 تموز 1661، ماتت «هندريكه». وفي 4 أيلول 1668، رحل ابنه «تيتوس» بعد زواجه بوقت قصير، ولم يبق للفنان من أحد في هذا العالم.. حتى أنه تعرض في أمستردام التي انتزعت منه كل ما استطاعت انتزاعه، للسخرية والإهانة والإساءة، حتى مات فقيرا في ملجأ للفقراء في 4 تشرين الأول ودفن في 8 تشرين الأول 1669، في مقبرة «وستر كيرك)». والمفارقة أن أمستردام تغتني الآن من السياحة الفنية التي تأتيها من آلاف الناس الذين يزورونها ليقدموا التحية لعبقرية رامبرانت الخالدة.
وعلى الرغم من مرور مئات السنين، فإن لوحات رامبرانت التي تزيد على 630 لوحة، ما تزال تشع بالأمل والثقة وتنبض بالإنسانية الزاخرة.


* فنان وناقد تشكيلي أردني.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }