يعرض الباحث المغربي سعيد بنكراد في كتابه الموسوم بـ«السيميائيات والتأويل: مدخل لسيميائيات ش. س. بورس» النظرية السيميائية التي قدمها الفيلسوف الأميركي شارل سندرس بورس (1839 - 1914) الذي يعد مؤسس السيميائيات الحديثة ومبلور مفاهيمها ومحدد مصطلحاتها. ويهمنا في هذا المقام كشف الظروف الموضوعية التي خذلت بورس ومنعته من تحقيق الريادة في تأسيس اللسانيات المعاصرة، فقد كان بورس يؤسس أفكارا علمية حول علم اللغة بمختلف أبعاده، لكن جملة من الأسباب قد تكالبت عليه ومنعته من إنجاز هذا المشروع، في الوقت الذي كان يقوم فيه العالم اللساني السويسري فردينان دي سوسور خلال الفترة الواقعة بين 1906 و1911 بإملاء دروس في علم اللغة على طلابه الذين نجحوا في نشرها ليصبح واحدا من أهم العلماء الذين ساهموا في إحداث الانقلابات الجذرية في المعارف والعلوم خلال القرن العشرين. وما دمنا بصدد الحديث عن سوسير فلا بد من الإشارة إلى أن سوسير قد رأى أن اللسانيات جزء من السيميائيات، في حين شدد بورس على أن السيميائيات جزء من اللسانيات. وقد أثبت تطور اللسانيات أن رأي بورس أصوب من رأي سوسير، علما أن كلا منهما لم يكن عارفا ومطلعا على تجربة الآخر. لكن ما هي الأسباب التي حالت دون بزوغ بورس وأفكاره السيميائية؟ ولماذا نجح دي سوسير في تحقيق الريادة؟ هذه الأسئلة المهمة يعرضها سعيد بنكراد في فصل خاص كتابه وسمه بـ «مسار حياة» يستعرض فيه حياة شارل سندرس بورس ذلك المسار الذي يقدم للقارئ إجابات مهمة ومعلومات إضافية عن رائد من رواد السيميائيات وأعلامها الكبار.
لقد عاش بورس حياته فقيرا ومعدما ومحروما من أي وضع اعتباري أو مادي. ويرجع فضل تكوينه المعرفي إلى أبيه بنجلمان بورس الذي كان أستاذا كبيرا في الرياضيات مدة ثلاثين عاما في جامعة هارفارد وواحدا مع علماء أميركا الكبار، وهكذا كان بيت بنجلمان بورس ملتقى للفنانين والعلماء والأدباء مما وفر لابنه شارل فرصة مباشرة للاطلاع المباشر على تجاربهم وعوالمهم.
وقد درس شارل على يد أبيه الكيمياء والرياضيات، بيد أن ميوله كانت تتجه نحو المنطق والفلسفة مما جعله يقرأ كتاب كانط «نقد العقل المحض/الخالص». بيد أن توجهه المعرفي لم يمنعه من متابعة دراسته في جامعة هارفارد في مجالات الرياضيات، والكيمياء، والفيزياء. إلا أنه، وبعد تخرجه بثلاث سنوات، ألقى دروسا في المنطق والفلسفة في جامعة هارفارد بوصفه أستاذا مؤقتا.
كتب شارل في العام 1867 مجموعة من المقالات التأسيسية التي كانت منطلق مشروعه السيميائي الأساسي، ثم سافر إلى أوروبا وواصل كتاباته السيميائية عندما أقام في فرنسا مدة عامين غادر بعدها إلى أميركا ليلتحق مرة أخرى أستاذا مؤقتا بجامعة جون هوبكنز لمدة خمس سنوات درس فيها المنطق.
انفصل عن زوجته الأميركية في فرنسا، وبعد عودته إلى أميركا تزوج من فتاة فرنسية اسمها نانسي أحبها بضراوة شديدة، ومما زاد في حبه لها أنها عاشت معه حياة قاسية قوامها البرد والجوع والإخفاق اضطرته إلى بيع خزانة كتبه التي كان يعتز بها بمبلغ زهيد من المال، علما أنها نادرة جدا وتحوي كتبا في المنطق القروسطي كان قد أحضرها من فرنسا عندما أقام فيها.
استطاع بورس أن ينسحب من الحياة العامة ويستقر بعد أن بنى منزلا في ميلفورد في العام 1887، من مال ورثه، لكنه سرعان ما بدد بقية المال. وهكذا دفعته الظروف القاسية إلى المواظبة على كتابة المقالات لبعض المجلات مقابل أجر قليل لم يكن كافيا لسد احتياجاته الأساسية، إلا أنه قرر الانكباب على مشروع في المنطق قوامه اثنا عشر مجلدا، لكن هذا المشروع لم ينجز منه إلا مجلدان نشر أحدهما بعد وفاته.
ورغم أن بورس كان يمتلك الإمكانات المتنوعة التي تؤهله للترشح لمنصب أستاذ الفلسفة في جامعة جون هوبكنز، التي تقدم لها مرارا، إلا أنه لم يحظ بهذه الفرصة في أي من الجامعات الأميركية رغم كونه «أكثر الفلاسفة أصالة في أميركا في تلك المرحلة، إضافة إلى سعة اطلاعه وتعدد اهتماماته». بيد أن ذلك كله لم يدعم موقفه، فقد «تم إبعاده عن الجامعة ولم تتح له فرصة الدفاع عن آرائه أمام جموع الباحثين الجامعيين».
ويعزو لودفينغ ماركوز أسباب إقصاء بورس إلى النقاط الآتية:
.1 سلوك بورس الاجتماعي: فقد أقدم على طلاق زوجته، وهذا السلوك لم يكن مقبولا في تلك المرحلة.
.2 التأقلم مع المحيط: حيث لم يكن بورس قادرا على الخضوع للمقتضيات التي تتطلبها أخلاق التواصل مع الآخرين.
.3 عدم اتزانه: فقد كان ميالا إلى شرب الخمور، وهو التقليد الذي تعلمه من أبيه عندما دفع به، في فرنسا، إلى خازن خمر ليدربه على تقنيات تذوق الخمر وفحصها، إلا إنه وبدلا من الالتزام بحدود تدريبه انكب على شرب الخمر باندفاع كبير.
.4 الطبيعة الفكرية: رغم أفكاره الجريئة إلا أنه كان مقلا في الكتابة، فقد كتب كتابين، نشر واحدا منهما في حياته ونشر الآخر بعد وفاته. إضافة إلى تضارب موضوعاته الفكرية وتباعدها عن بعضها وهو أمر لا تقبله المؤسسات الأكاديمية التقليدية، وما يؤكد ذلك أن عددا متنوعا من الباحثين قد انبرى لدراسة كتاباته؛ من أجل التمييز بين الحقول المتعددة التي تتضمنها، وهكذا جمع جيرار دولو دال مادة السيميائيات، وقام جوزيف شونو تريزا كالفي بجمع النصوص الفلسفية، وعمل كنيت كتز على تنظيم مادة المنطق. وهذا يؤكد أن بورس لم يكن مهتما بتنظيم أفكاره وهي مثلبة معرفية في الأساتذة الذين ستكون مهمتهم تعليم الطلبة وتدريبهم.
ويبدو أن افتقاد بورس إلى النواظم المنهجية، وعدم إيمانه بنسق فلسفي معين علاوة على مزاجه وموقفه من الناس وسلوكه السقيم وافتقاره إلى اللباقة الاجتماعية، وانشغاله بالبحث العلمي، وانقطاعه عن الدنيا، وتكوين الخبرات والعلاقات الاجتماعية إضافة إلى تعاليه على الآخرين وازدرائه لهم، واحتقاره المؤسسة الجامعية التي كان يرى فيها مؤسسة تلقينية فاسدة، جعلته عرضة لنقد الآخرين وعدائهم. وحسب شهادة إحدى طالباته، التي تابعت دروسه مدة ثلاث سنوات في جامعة هوبكنز التي عمل فيها أستاذا متعاونا، فإن بورس لم يكن يكلف نفسه عناء النظر لطلابه ومساءلتهم والانتباه إليهم. ورغم أن أفكاره كانت معقدة وتكاد لا تفضي إلى شيء، إلا أنه لم يكن يجشم نفسه عناء توضيحها وتبسيطها. لقد كان متعاليا في هذا الجانب، وكان يعتقد أن على الآخرين إيجاد ترابطات لهذه الأفكار واستنباط النتائج وبناء المفاهيم التي تتضمنها.
لكن يبدو أن هناك أسبابا أخرى حالت دون التحاق بورس بجامعة جون هوبكنز، فقد أشار وليام جيمس إلى مسألة مهمة وهي أن جامعة جون هوبكنز التي كانت قد تأسست حديثا، كانت بيئة محافظة، فنظامها الفكري وتقاليدها السائدة امتازت باليقينية والامتثالية والمحافظة، ولم تكن تشجع على إنتاج الأفكار الخلاقة والمخالفة، لذلك فقد كانت توكل منصب «أستاذ» إلى شخص موثوق به وعلى قدر كبير من الالتزام والانضباط العقائدي.
ولأن بورس لم يكن الرجل المناسب، فقد تم استبعاده؛ لأنه لم يكن الشخص الذي يمكن ائتمانه على تقاليد الجامعة وأنظمتها، وهذا لا يعود إلى مواقفه الدينية لأنه لم يكن ملحدا كما أنه لم يفكر بالقيم والتعاليم الاجتماعية وتفكيكها إضافة إلى أنه لم يبد تحفظات على المؤسسة الجامعية وهيكليتها العامة، إنما يرجع استبعاده إلى موقفه الصارم من البحث العلمي ودور الجامعة والأستاذ، علاوة على طبيعة خطابه الأكاديمي التي لا تتناسب مع مستويات الطلاب والباحثين.
لقد شن بورس هجومه على المؤسسة الجامعية، وكان هجومه يستبطن الاحتقار والازدراء، فقد كان يرى أن الجامعة ليست «مؤسسة لتخريج الباحثين عن وظائف» وأنه ليس من مسؤوليتها توفير مصادر الرزق لحاملي الشهادات. إن وظيفة الجامعة، حسب بورس، تتركز على ترسيخ البحث العلمي، فالجامعة مكان لمزاولة التدريس والتعليم المفضيين إلى تأهيل الطلبة وتدريبهم على كيفية التفكير وإنتاج الأفكار الخلاقة المستقلة ليصبحوا قادرين على البحث عن المعرفة استنادا إلى أساليبهم الخاصة، ومواصلة إنتاج المفاهيم ونقد المعرفة.
إن مأساة بورس لم تكمن في أفكاره غير المرغوب فيها، بل لأنه لم يتوافر على الأفكار المرغوب فيها. ففي الوقت الذي كان رجال الدين في أميركا ينظرون إلى الجامعة بوصفها بؤرة لصناعة أفكار الكفر، لم يكن بمقدور هذه الجامعة أن تحتمل أسئلة بورس وخطابه الذي كان يدفع الطلاب والباحثين إلى التحليل المنطقي.
وقد قدر لأعمال بورس أن تحرر بعد مماته؛ لأن حياته كانت تمنعها من الانتشار. وسوف يتم الاحتفال ببورس وأفكاره بعد مضي عدة عقود، وسيتم وصفه بأنه واحد من أكثر فلاسفة أميركا المعاصرين أصالة. إضافة إلى الاحتفال بتراثه الفلسفي والمنطقي والسيميائي، حيث ستقوم جامعة هارفارد بشراء مخطوطاته ودفعها إلى مجموعة من الأساتذة لجمعها وتحريرها في ثمانية مجلدات.
* كاتب أردني.