إيمان مرزوق - أطفالنا عالم من البراءة والعفوية، نرتبط بهم ونحبهم ونحرص عليهم لكن هذا الحب وحده لايكفي، فمن الضروري أن يتمتع الوالدان بقدر لابأس به من قوة الملاحظة والثقافة والوعي حتى يتمكنا من توفير حياة هانئة لأطفالهما، واكتشاف أي خلل أو تغيير يصيب حياتهم مهما كانت بساطته، سلوكيا كان أم جسديا .
فداء أبو الخير أخصائية نفسية في معهد العناية بصحة الأسرة تعرف التوحد بأنه اضطراب انفعالي يصيب الأطفال منذ الولادة وفي بعض الأحيان يصيبهم بعد فترة من النمو الطبيعي، مما يؤثر على التفاعل الاجتماعي، وخلل في التواصل اللفظي وغير اللفظي ( إيماءات الجسد ) مع المحيط الخارجي . وأول من اكتشفه العالم ( ليو كارنر ) في أميركا عام 1943.
أعراض التوحد
1- التأخر اللفظي دون وجود مشكلة سمعية .
2- عجز في التفاعل الاجتماعي، يتمثل في ضعف التواصل البصري بين الطفل والأشخاص المحيطين به، فيتجنب الطفل النظر في عيني الشخص الذي يحاول التواصل معه، ورفض الطفل ممارسة التعلق بوالديه وأقاربه فقد يرفض بشدة أن يحتضنه والده، بحيث يشكل حوله حاجزا لا يسمح لأحد باختراقه، وخلل في توظيف الكلمات أو الأدوات أو حركات الجسد مما يؤدي لقصور في مهارات الطفل الاستقلالية مثل استخدام يديه لتناول الطعام، أو لبس الثياب، بالرغم من عدم وجود مشكلة أو إعاقة حركية .
3- النمطية في الكلام : أو ما يسمى ( بالمصاداة) حيث يكرر الطفل الكلام أو السؤال الذي يوجه إليه دون أن يعطي إجابة واضحة . والنمطية في الحركات : حيث يقوم الطفل بأداء حركات معينة عشوائية ويكررها دون هدف .
4- فرط الحركة لدى البعض أو فرط الخمول عند بعضهم الآخر .
5- العدوانية عند بعض التوحديين سواء كانت موجهة تجاه ذواتهم فيقومون بإيذاء أنفسهم كأن يضربوا رأسهم بالحائط مثلا، أو تجاه الآخرين .
6- الفرط الحسي : الذي قد يكون سمعيا بأن تستثير الطفل التوحدي الأصوات الخافتة التي بالكاد تسمع، فيغطي أذنيه أو يبدأ بالصراخ، بينما لايلقي بالا للأصوات العالية مثل صوت الطيارة وقد يستجيب بالضحك عند سماع صوتها . وقد يكون الفرط الحسي لمسيا فكل منهم يستثيره ملمس معين ويغضبهم آخر، فنجد بعضهم يحب الأجسام ذات الزوايا وآخرين يفضلون الأجسام الناعمة . وقد يتمثل الخلل في الإحساس بالألم فهو لايشعر بالألم لو وقع على الأرض لا بل قد تكون ردة فعله الضحك، بينما يصرخ وينفعل إذا احتك به أحد ولو بشكل بسيط . إضافة إلى أنه لايقدر الخطر فلا يخاف من المشي في مكان مرتفع مثلا، ولا يدرك خطورة السيارات في الشارع .
7- ضعف في القدرة على التقليد واللعب الخيالي .
أسباب التوحد
تشير الأخصائية النفسية فداء أبو الخير الى أن قدرا لا بأس به من الغموض يحيط بهذا الاضطراب السلوكي الذي يعوق الطفل من التواصل بمحيطه بشكل طبيعي فحتى اليوم لم يعرف له سبب واضح، إلا أن هناك العديد من الدراسات أعطت مؤشرات على أمور ذات علاقة بالتوحد مثل:
1- خلل في بعض أجزاء الدماغ، مثل ضمور الجزء المسؤول عن اللغة لدى بعض التوحديين .
2- أو وجود خلل جيني قد يسبب التوحد .
3- أو خلل في امتصاص بعض المواد الغذائية .
وتوضح ديمة الكيلاني أخصائية التغذية في معهد العناية بصحة الأسرة هذه النظرية مشيرة الى أن الدراسات التي أجريت على بعض التوحديين بينت إصابتهم بزيادة نفاذية الأمعاء، والتي تعمل على امتصاص بعض المواد الغذائية كالبروتينات قبل أن تتم عملية هضمها، فيتفاعل الجسم مع هذه المواد الممتصة ويحولها إلى مواد شبيهة بالمخدرات كالمورفين، وهذا ما يفسر الخمول عند بعضهم، وعدم الترابط اللفظي والحركي الذي يعانون منه .
ويعالج الأمر باتباع هذا النوع من التوحديين لحمية غذائية خالية من بروتين (الجلوتين) والذي يوجد في القمح والشعير ومشتقاتهما. وخالية من بروتين ( الكازايين ) الموجود في الحليب ومشتقاته، ويتم الاستعاضة عن هذه الأطعمة بغيرها مثل الخبز المصنوع من الذرة وتناول حليب مخصص خال من الكازايين . أما الحركة الزائدة فتعالج بتخفيف المواد المضافة للأطعمة مثل الأصباغ الملونة، وبتخفيف تناول سكر المائدة . مع مراعاة اتباع هذه الحمية طوال العمر، وتضيف أن الكثير من الأطفال لدى علاجهم بهذه الطريقة يتعرضون بداية لأعراض إنسحابية كالتي يعاني منها المدمن عند بدء علاجه،و تتوقف استجابة الطفل حسب طبيعة الحالة ودرجة الإصابة .
العلاج
الحميات الغذائية كما أسلفنا، والعلاج السلوكي من خلال تأهيل الطفل المصاب، والعلاج الدوائي الطبي . وأيا كان العلاج فهو يحتاج لفترات طويلة حتى تظهر نتائجه، وكلما كان وعي الأهل أكبر بحيث يكتشفون إصابة ابنهم مبكرا، كانت نسبة الشفاء والتحسن أكبر، آخذين بعين الاعتبار درجة التوحد التي قد تكون بسيطة أو متوسطة أو حادة أو مقتصرة على بعض الصفات التوحدية.
ومن الجدير بالذكر أن من بين كل 500 طفل بالعالم هناك واحد مصاب بالتوحد و3 من كل 4 مصابين هم من الذكور وليس الإناث . و5% من المصابين يكون لديهم ( متلازمة سافانت ) فيكونون مبدعين في مجال معين مثل الكمبيوتر . وتصاحب 50% من المصابين بالتوحد إعاقات عقلية بينما النصف الآخر طبيعيون من الناحية العقلية .
التشخيص
يجب أن يتم التشخيص من قبل فريق متكامل مكون من طبيب أطفال، طبيب أعصاب، طبيب نفسي، أخصائي نفسي، أخصائي تربية خاصة وأخصائي نطق ولغة . ويجب توخي الدقة في التشخيص لوجود نقاط التقاء بين التوحد وبين اضطرابات أخرى .
بدأ الأردن بالاهتمام بهذا الاضطراب فظهرت هناك جهات تختص بتشخيصه وعلاجه مثل : الأكاديمية الأردنية للتوحد، والمركز الأردني التخصصي للتوحد، والجمعية الأردنية للتوحد.
وتبقى المسؤولية الأولى ملقاة على ذوي الطفل المصاب، فكلما كان الاكتشاف مبكرا وكلما تقبلوا الأمر كانت فرصة التحسن أكبر.