ينتسب توفيق عواد إلى ما يعرف بجيل الرواد فيما يتصل بمسيرة الرواية العربية الفنية. والمعروف أن مسيرة هذه الرواية بدأت بصدور الأجنحة المتكسرة لجبران سنة 1912، وبعد ذلك بعامين جاء صدور زينب في مصر على يد مصري فلاح سرعان ما اتضح أنه الدكتور محمد حسين هيكل.
وتأتي أهمية إسهامة توفيق عواد في تلك المسيرة من خلال روايته الرغيف، التي نشرت العام 1938، أي في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، مما يدرجها حقا في ريادة زمنية عززتها مقومات فنية دفعت بها إلى صدر النتاج الروائي في تلك المرحلة.
وتوفيق عواد بذلك يتسم بالظاهرة الأبرز لدى نتاج جيل الرواد، الموسوعية. ذلك أن نتاج هذا الجيل توزع بين فنون الأدب، ومن ثم كان التخصص سمة الجيل اللاحق. ولكن ثمة سمة خاصة بتوفيق عواد من أبناء جيله هي كونه مقلا، فباستثناء رواية الرغيف، لا نستطيع أن نتوقف في إنتاجه عبر مسيرته التي زادت على نصف قرن إلا عند أعمال محدودة في الرواية والقصة القصيرة والمسرحية.
لا أنكر أنني حين فكرت بالكتابة عن قصة توفيق عواد الصبي الأعرج قد وضعت أمامي الهدف التعليمي المعرفي والمنهجي الذي يمكن أن تؤديه هذه القصة. والمعطي التعليمي في هذه القصة يتمثل - على ما أرى- في كونها نموذجا فنيا متماسكا ودالا بل معطاء للقصة الناجحة ببنائها المحكم وثرائها الفني وزادها الفكري، على النحو الذي عهدناه لدى أساطين هذا الفن غربا من مثل موباسان وموم، وشرقا من مثل أعلام المدرسة التيمورية تحديدا.
تقدم القصة بداية، وضمن التقنيات الأساسية لما يعرف بالنموذج القصصي الكلاسيكي، عناصرها الفنية بلحمة متآلفة تبرز فيها مكونات النمو الدرامي ومساراته، كما تتجلى فيها تقنيات تكاد تكون نموذجية في عرض الشخصية وتحولاتها، وفي تأسيس الحبكة وتطورها عبر مراحلها المعروفة من حدث ناجز ثم عقدة وذروة فحل للعقدة عند لحظة التنوير. هذا إلى جانب ما يمكن أن يقال حول موقع الراوي، ولغة القصة، وصفا وحوارا، إضافة إلى بروز بعض التقنيات السردية المتقدمة.
تتحدث القصة عن خليل، الذي لا يعرفه أحد بهذا الاسم، بل بالأعرج حتى كاد هو نفسه ينسى اسمه الحقيقي. وهذه المفارقة الأولى في القصة التي تقوم عبر بنائها- على سلسلة من الثنائيات المتضادة التي تؤدي ما تقوم به المفارقة من عطاء فني يحفظ للقصة عنصرها الأهم أي وحدة الانطباع، إضافة إلى عطاء موضوعي يكشف الغطاء عن أسرار النفس الإنسانية فتصبح أكبر وعيا بها وأقدر على التصدي لمتناقضاتها.
تتوالى الثنائيات إذن: في الثالثة عشرة من عمره، على وجهه بقع من الغبار المزمن، وأخاديد الذل، ليس هذا حسب، بل يتبع ذلك ثنائية أشد إيجاعا: يجر [خليل] طول النهار وقسما كبيرا من الليل، رجله العرجاء، من مكان إلى مكان. وثنائية رابعة ذات بعد نفسي هذه المرة: يمد كفه [للمحسنين] ويبتسم ابتسامة باكية، ثم تأتي الثنائية الخامسة، لتضفي بعدا جديدا ليس ماديا أو نفسيا، بل إنها بعد اجتماعي نفسي، ولكنه خاص بالشخصية: رفاقه الشحاذون لكل منهم أغنية يرددها على المحسنين.. أما هو فلا يجيد الثرثرة. يبقى صامتا كالأخرس.
ومن الواضح أن هذه الثنائيات تتم من خلال الحدث الناجز، حيث يقتصر عطاؤها السينمائي، في هذه المرحلة على إرساء الملامح التفصيلية للشخصية تمهيدا لانطلاقها عبر السرد نحو العقدة.
يتبع الثنائيات، وضمن مرحلة الحدث الناجز، ما يمكن أن ندعوه بالموقف النموذجي الخاص، وهو الموقف الذي يلخص واقع خليل مع عمه إبراهيم، واقعا يتكرر كل يوم تقريبا.
يبدأ الموقف مع نهاية النهار، وعودة خليل إلى الكوخ الحقير الذي يعيش فيه مستعبدا لعمه الكسيح الذي يعيش على ما يجمعه خليل من مشوار التسول اليومي الطويل، وتكون المعادلة ضمن أبسط حسبة: على الصبي أن يحضر كل يوم للكسيح الجلاد خمسين قرشا، وما نقص عن الخمسين يعوض بعصا على البدن النحيل. والصبي خير معين للجلاد السادي، فهو يحضر العصا إليه، وهو الذي يعد ضرباتها على جسده بصوت لا بد أن يسمعه الجلاد.
لقد أصبح المتلقي عند هذا المدى على بينة بالواقع الذي تعيشه الشخصية، بل أصبح المتلقي منخرطا في مأساة الصبي وأبعادها كافة: البدنية، بعاهته الصارخة، والاجتماعية بمحيطه الذي يعيش فيه: الكوخ الحقير وصاحبه الجلاد، أما البعد الثالث النفسي، فهو نتاج حتمي للتفاعل بين البعدين الآخرين. هذه مرحلة ما قبل القعدة.
والعقدة هنا ذات طبيعة واقعية، أي إنها تمثل بداية المأزق الحاسم الناجم عن الظروف الخاصة بالشخصية من جهة، والواقع المحيط به من جهة أخرى. تقرر الحكومة منع التسول فلا يكون أمام الجلاد إلا تغيير مسار استثمار الصبي من التسول إلى التجارة. يشتري له صندوقة صغيرة ويدله على محل حلويات يتزود منه ببضاعته من الكاتو ليدور في المدينة الكبيرة تاجرا صغيرا. ولكن عليه أن يبيع القطع كلها. ويا لها من رحلة مضنية. لقد أصبحت مهمة الصبي أقرب إلى الاستحالة لدخول عنصر جديد: طمع الصبيان المشردين في محتويات الصندوق، ولا شيء يردع هؤلاء؛ فالتاجر الصغير معوق جسديا وعاجز نفسيا.
تكونت العقدة إذن بمنع التسول، وبعد العقدة لا بد من ذروة، وهي تأتي من الانكسار الذي تسير عليه مسيرة الشخصية، أي الحدث الصاعد نحو المزيد من الانكسار الذي تشهده المرحلة الحالية للشخصية.
الحدث صاعد، ولكن الحبكة بمجموعها، نازلة نحو الهاوية بالنسبة للشخصية، ولكن لكل هاوية مهما كان عمقها قرار، وعلى أرضية هذا القرار يكمن الحل، قل لحظة التحول.
من المفارقات أن الهاوية تتماهى مع الذروة، والهاوية هنا تتعلق بالجانب الموضوعي، أي بالمسار الأول الذي تخطه رحلة الشخصية، مسار الانحدار، أما الذروة فهي ترد إلى الجانب الفني في الحبكة، وعند تلاقي الهاوية بالذروة، يأتي الحل في هذه القصة من جانب عنصر خارجي، من شخصية مساندة: كريم الحلواني.
يشفق كريم على ما يصيب الفتى من اضطهاد صبيان الشارع. ويقرر أن يمد له يد العون مستعينا بإمكانيات الصبي نفسه؛ يعلمه الملاكمة في حجرة ملحقة بدكان الحلويات الذي يمتلكه كريم. وكان صنيع كريم مع خليل بمثابة العناصر الخارجية من أشعة شمس ومطر وسماد التي تساعد على إنبات البذرة وخروجها من حيث تكمن في باطن التربة إلى النور والشمس واشتداد العود. وتبدأ المرحلة الثانية في مسيرة خليل، مرحلة النهوض. حين يتضافر سعي كريم مع عناصر الرفض الكامنة في نفس خليل.
وكانت الخطوة الأولى تلقين الصبيان الأشرار درسا قاسيا علمهم معنى الثارات. لم يكن فرار الصبيان من أمامه سوى مظهر لانتصار أكبر: الانتصار على الخوف.
ولم يكن الخوف عارضا نفسيا حسب، ينتاب الشخصية وقت الحاجة للشجاعة، نحو فعل إنساني إيجابي. كان الخوف كيانا محيلا لشخصية الصبي، وبكلمة أكثر تحديدا كان العم إبراهيم قابعا على الدوام في خليل، وكل فعل بل كل حركة تصدر عن هذا الأخير لا بد أن تكون مرجعيتها الكيان المغتصب للشخصية. أما الآن فقد حل محله كيان آخر: كريم الحلواني.
وبالكيان الجديد الذي حل في خليل تنطلق القاطرة في مسارها الجديد دون أن تستطيع قوة ما توقفها أو تعوقها؛ الصبيان الأشرار تبخروا. قاطع التذاكر في الترمواي يدفعه عن باب الحافلة ليقع في حفرة مليئة بالطين القذر فينهض على الفور وينفض ثيابه وكأن شيئا لم يكن. أما صندوقة الكاتو فلها شأن آخر.
أيام قبوع إبراهيم داخل خليل كان لا بد أن تكون الصندوقة في حرز أمين؛ فحين يتعرض الصبيان له للمرة الأولى، لم يكن همه الذود عن جسده النحيل، بل عن الصندوقة بأن أدار وجهها الزجاجي إلى الحائط وجعل من جسده ترسا لظهرها. كان إبراهيم هو الذي يحركه. أما وقد حل معلمه كريم الآن فليأكل دفعة واحدة محتويات الصندوقة التي حطمتها العجلات، وليعد إلى الكوخ. حيث الجلاد الكسيح، وليكن ما يكون. ولكنا المواجهة النهائية.
ينطوي المشهد الأخير من القصة على تكوينات بنائية تكاد تنجز، بل تنجز حقا نهاية منطقية للحدث، ولحظة تنوير متوهجة، ضمن أفق قصصي يكاد يكون نموذجيا.
كانت تصفية إبراهيم الجسدية الخارجية على يدي خليل، تتويجا لتصفية نفسية داخلية. لم تكن الأمور مفاجئة إذن. كان خليل يحاول أن يستجلب النوم لعينيه بعد سهرة مع إبراهيم ذاق فيها الأمرين من العصا الغليظة التي نالت من كل موضع في جسده، ولا سيما من إحدى عينه، فأورمتها العصا، ولكن حدقتها أصبحت كالرصاص.
ويمكن رصد النمو الدرامي الذي أدى إلى الانقضاض على الجلاد النائم ضمن حركات متصاعدة، وأحيانا نازلة...
كانت الحركة الأولى منظر العصا المعلقة المترائية لخليل على ضوء المصباح فوق رأس الجلاد، بما استحضرته لدى الصبي من مشاعر الألم والحقد الذي تراكم على مر سنين من التنكيل، ومنظر العصا لا يستدعي مشاعر الألم الجسدي حسب، بل مشاعر أشد وأنكى: الألم النفسي، ذلك أن استعمالها كان مقرونا بتردد الجلاد لعبارة: يا أعرج الملعون، وكان الألمان الجسدي والنفسي يتضاعفان حين تحط العصا على ساق الصبي العوجاء التي كان لإبراهيم ولع خاص بتقصدها.
وبدا أن عنصر العصا كان حافزا كافيا لنهوض الصبي وانقضاضه على جلاده. ولكننا إزاء كاتب محترف، فليس من المعقول حدوث تحول بهذا الحسم نتيجة لعنصر واحد مهما كان مهما ومهما استند إلى احتقانات نفسية مركبة، بل لا بد من عناصر درامية أخرى تقود نحو الخطوة الحاسمة.
جاء العنصر الثاني من الطبيعة، إنها الآن تحفز الصبي من خلال قصفات الرعد وومضات البرق وزخات المطر، ويحتشد معها المكان، الكوخ بسقفه المكون من الصفيح وجدرانه المقامة بأخشاب الصناديق المستعملة، دوي الرعد يجد صداه داخل الكوخ، وومضات البرق تنبثق من الشقوق، أما زخات المطر فتحدث فرقعات وانسيالات تذكر بالواقع وإيقاعه البائس، وربما تحفز للحركة والاقتحام. ولم يكن هذا كافيا، بل لا بد من عنصر ثالث وآخر رابع.
تمثل عنصر الحفز الدرامي الثالث بهيئة العم إبراهيم. حين وقعت عينا خليل عليها، كانت هيئة مرسومة بقلم يتقن إنجاز المؤثرات الجانبية، أو ما يطلق عليه فنيو الدراما، الإفيه: كان ما يزال سهران حاجبا ووجهه باللحاف، فأزاح طرفه عن عينيه التي لم تجئ عليها الضربة، ونظر على ضوء القنديل الضئيل، فرأى رأس عمه مستلقيا وراء المخدة، والضوء يتماوج على حاجبيه الكثيفين، ولحيته الكثة، وأنفه الطويل، وشاربيه المسترخيين، وذقنه الملتوية، ورأى فمه مفتوحا، منفرج الشقتين.
من الضروري أن نلاحظ بداية أن استقبال هيئة الشحاذ المتقاعد لدى خليل جاء من خلال عين مرتبطة عضويا بشقيقة مشوهة (العين اليسرى) وكأن حوارا خفيا يدور بين العينين تحفز الواحدة الأخرى على الانتقام؛ فأزاح طرفه [اللحاف] عن عينه التي لم تجئ علها الضربة. وتتضافر محفزات الفعل الأخرى: الشاربان الكثيفان. والشارب، كما نعلم من الأدوات المهمة دراميا، بل إنه- في فنون الدراما كلها- إشارة إلى القسوة ودلالة على الفظاظة. ويتضافر معه الحاجبان الكثيفان واللحية الكثة إضافة إلى الفم المفتوح المنفرج والغطيط العالي. هذا الوضع المنفر أدى إلى تحفيز الشخصية للفعل العدواني، أو على الأصح الانتقامي من الجلاد.
نجحت تلك المحفزات في بعث الفكرة وتوليد التصميم وشحذ العزيمة، ولكن الفعل الميداني ما يزال موقوفا، ذلك أن استجابة النفس الإنسانية للفعل تتطلب ما هو أبعد من آلية بسيطة تسير بخط مستقيم. فما أن يفهم خليل بالانقضاض بالعصا على عمه، حتى يتوقف هذا الغطيط، وكأن الغطيط جرس إنذار لا لوعي صاحبه حسب، بل لوعي خليل بأن يحجم، بل أن يعود العبد إلى ثيابه ويلوذ من ثم بفراشه طالبا النوم والسلامة، ولكن نظرة منه إلى رأس الهندي )الأحمر) علامة إحدى شركات الكاز، بالريش المحدد الذي يحيط به تجعله يقول في نفسه: كم يجب أن يكون قويا هذا الهندي.
ولكن لماذا الهندي تحديدا، ولماذا الريش، ولماذا ماركة شركة الكاز؟ نزعم أن من السهل أن تجد هذه التساؤلات أجوبتها ضمن سياقات الحبكة المحكمة في هذه القصة.
الهندي، كما قال خليل لنفسه، شجاع حقا، والإشارة إلى الريش المحدد إن لم تكن مقصودة، (وهذا أمر لا قيمة له في النقد المعاصر) فإنها تطرح مغزى ذا دلالة سياقية ثرية، ذلك أن الريش كما تقول أدبيات الهنود الحمر ترمز إلى إنجاز لصالح الجماعة، إحضار فروة رأس أبيض، أو اصطياد جاموس يؤمن قوت الجماعة لأيام طويلة... مثلا. وفي أدبياتنا الشعبية ثمة معنى متوارث نعبر عنه بقولنا: ومن هو فلان؟ هل على رأسه ريشة؟ ليس شرطا أن يكون هذا المعنى قد مر بوعي الصبي، ولكن يمكن الافتراض أنه مختزن باللاوعي الذي يحرك الكثير من نزعاتنا ويفع إلى العديد من أفعالنا وردود أفعالنا. وتكتمل دائرة الحفز بمكونين آخرين: الخشب والكاز. لقد تم الانتقاء هنا على أسس محسوبة، كان من الممكن أن تكون جدران الكوخ من صناديق الشاي الخشبية، ولكن كيف سنوضح صورة الهندي؟ كان من الممكن أن توضع الصورة على مادة من الصفيح، حينئذ سيتعذر شبوب الحريق. إن المكون الخشبي والمصباح الذي سيندلق منه الكاز أدوات استباقية ظل السرد ينوه عنها منذ المرحلة الأولى، وقد آن الأوان للاوركسترا كلها: الصبي بمحفزاته الجديدة، وهيئة العم إبراهيم وأفعاله، والطبيعة بثوراتها، والأدوات الصغيرة: الكوخ والخشب والصورة... إلخ... أن للأوركسترا مجتمعة أن تعزف اللحن الأخير: وقام على الأثر من فراشه كالآلة، لا يخاف ولا يفكر بشيء، وذهب توا إلى العصا المعلقة فوق رأس عمه وتناولها بيده. وقبضها جيدا، ثم أخذ ينظر إلى شاربي العم إبراهيم يصعدان ويهبطان، ويصغي إلى غطيطه يشتد ويخفت، ثم كشر عن أنيابه كابن النمر، ورفع العصا إلى فوق، بكلتا يديه. وانهال على وجه العم إبراهيم وعلى شاربيه ضربة، اتبعها بالثانية والثالثة على الجبين والذقن. قبل أن يستطيع عمه صياحا.
وهكذا يتسارع السرد، ولا نقول الزمن، لقد أدت تقنية التبطيء دورها في التمهيد للحدث، ثم ما لبثت حركة الحدث أن تسارعت ضمن حيز زمني قصير. لكن الزمن هنا محتش بالعناصر النفسية والحركات الخارجية، فيما يتفق وتقنيات الأكشن. وتنتهي الأحداث بالحريق الذي تسبب فيه المصباح المعلق.
ومع أن النهاية / الخاتمة تبدو مفروضة من الراوي، بل هي أقرب إلى التعليق فإنها تطرح عددا من التساؤلات:
ألا يعني الإحراق المتعمد للشحاذ المتقاعد أن الصبي قد تحول إلى مجرم؟
ولكن إذا كان في الأمر جريمة فهل هناك مجرمون آخرون غير الصبي؟
ثم، وهذا تساؤل محض موضوعي: ماذا لو ترك الصبي العم وشأنه بعد أن نال ما ناله من العصا؟
من الواضح أن القصة ترى في كل من الصبي والعم ضحية قبل أن يكون جانيا، فالجاني الحقيقي هو الظروف الاجتماعية، بل هو المجتمع عموما الذي يترك الجميع قاصرين وعجزة أصحاب عاهات، دون أن تمتد إليهم أيد سوى أيدي الإحسان. إنه مجتمع إذن تصبح فيه الضحية ضحية لضحية أخرى، وما أقسى العبد حين يسود وهو ما زال يرسف في أغلاله. ثم أليس من حقنا أن نفترض موضوعيا- أن العم إبراهيم كان من الممكن ألا يترك الصبي وشأنه، وأنه سيصل إليه بعد المواجهة الأخيرة؟ لذا فإن إحراقه هو إحراق لأي تهديد لاحق، والأهم من هذا، إحراق الماضي والولادة من واقع جديد مطهر طهر الرماد الذي يحتضن الجمر، واقع يخلو من العاهة النفسية التي استقرت في داخله مجسدة بإبراهيم الذي كان يرافقه في كل حركاته وسكناته، بل واقع يخلو حتى من العاهة الجسدية: وأما الشارع فمقفر. ليس فيه إلا ظل الأعرج يلقيه المصباح الكهربائي المعلق على محطة الترامواي. ظل طويل مستقيم. كلما تقدم الأعرج في المشي زاد في طوله واستقامته، واختفت منه العرجة.. حتى خيل إليه أن أوله عند رجله العوجاء، وآخره معلق بتلك النجمة المرتجفة التي انقشعت عنها الغيوم في السماء.
* ناقد وأكاديمي أردني