د.خليل الرفوع - فكرة تعليق مجموعة منتخبة من القصائد الجاهلية على الكعبة المشرفة من القضايا التي لا يلتفت إلى معطياتها كثير من حفظة الشعر ومتذوقيه ودارسيه.
ولعلّ الخوض في هذه المسألة ضرب من البحث في أعطان حقبة زمنية تغيب تفاصيلها، وتنطوي على مدلولات تشفّ عن أن العرب في العصر الجاهلي كانوا أصحاب ذائقة شعرية، وأنهم مازوا الحسن من غيره وفق انطباعات نقدية تنم عن اهتمام بفن الشعر العربي؛ كون هذه القصائد تنماز عن غيرها بجودة السبك، والطول والبنية المتكاملة التي توحي برقي المخيال للشعراء.
وفي ضوء القراءة الواعية لمعطيات العصر ونتاجه العقلي يمكن القول: إنه عصر الشعر الأول من حيث الأولية في الزمن، ومن حيث الجودة الفنية. وهو حكم قد يبدو انطباعياً، بيد أنه صادر عن رؤية تعي بعمق تطور الشعر بدءاً من العصر الجاهلي مروراً بالعصور المتتالية.
ولعلَّ مسأله تعليق المعلقات على الكعبة من أهم الآراء التي تنطوي على فكرتين متضادتين؛ إحداهما تؤيد التعليق، والأخرى تعارض.
والرأي الذي يُطمأن إليه أنها لم تعلق على أستار الكعبة، وأول من ذكر أنها علقت على الكعبة ابن الكلبي (ت. 204 ه)، وهو من الرواة المشكوك في رواياتهم، ثم تابعه ابن عبد ربه (ت. 328 ه)، ومن بعده ابن رشيق القيرواني (ت. 463 ه)، وابن خلدون (ت. 808 ه). ويلاحَظ أن خبر التعليق على الكعبة جاء بعد ثلاثة قرون من زمن أولئك الشعراء.
أما من أنكر التعليق فأبو جعفر النحاس (ت. 338 ه)، وقد قال: «إن التعليق لا يعرفه أحد من الرواة»، وأبو البركات بن الأنباري (ت. 577 ه)، وياقوت الحموي (ت. 626 ه)، وطه حسن ومصطفى صادق الرافعي، وشوقي ضيف. ومن المستشرقين: «نولدكه»، وقد كان «حماد الراوية» أول من اختار السبع الطوال وشهرها في الناس.
والمعلقات هي لكل من امرئ القيس الكندي اليمني، وزهير بن أبي سلمى المزني، وطرفة بن العبد البكري، والنابغة الذبياني، وعبيد بن الأبرص الأسدي، وعنترة العبسي، وعمرو بن كلثوم التغلبي، ولبيد بن ربيعة العاملي، والحارث بن حلزة اليشكري والأعشى البكري. وعددهم عند ابن عبد ربه سبعة، وعند أبي زيد محمد بن الخطاب القرشي ثمانية، وعند التبريزي عشرة.
ولعل الاضطراب في عدد المعلقات مرجعه الاعتماد على الروايات الشفوية والاختلاف في أسمائها، وقد أُطلق عليها تسميات منها: السبع الطوال، المذهبات، السموط، المشهورات، القصائد المشهورات، السبع الجاهليات، السبعيات.
وفي نفي فكرة التعليق يمكن الاستناد إلى أنه لم يرد في القرآن الكريم أي إشارة صريحة أو يمكن تأويلها إلى أن المعلقات قد علقت على الكعبة. والمعروف أن القرآن الكريم أشار إلى أسماء الآلهة عند العرب كاللاّت والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وودّ، ويغوث، ويعوق ونسر. كما أشار إلى بعض الطقوس التي تمارس عند البيت كالمكاء والتصدية؛ فتعليق جملة من القصائد على أستار الكعبة لها دلالات تمس الجانب الديني ليس لأهل مكة فحسب، بل للعرب جميعاً، لأنهم كانوا يحجون الكعبة من كل فجَّ عربي عميق ليشهدوا منافع لهم.
كما لم يرد في الشعر الجاهلي أو الإسلامي أو الأموي أو العباسي أي إشارة إلى هذه المسألة، كما أننا لا نجد ذكراً لذلك في أشعار أصحاب المعلقات أنفسهم.
والذي يجدر ذكره أن تعليق أي شعر على الكعبة أمر يستنفر الشعراء جميعاً، فلقد كان هَمُّ الشعراء أن تذاع قصائدهم بين القبائل كما قال أحدهم واصفاً قصيدته:
«ترد المياه فما تزال غريبة
في القوم بين تمثل وسماع».
ولم يرد في الأحاديث النبوية أي إشارة إلى مسالة تعليق المعلقات، خصوصا عام الفتح الذي شهد انتصاراً عاماً للمسلمين على المشركين، وتطهير الكعبة المشرفة من الأوثان والأصنام التي ذُكرَ أن عددها ثلاثمائة وستون نصبت حول الكعبة المشرفة، ولو وُجدت المعلقات آنذاك على أستار الكعبة لأشير إليها.
عطفاً على ذلك، لم يُذكر أمر هذا التعليق في كتب السيرة التي تعرضت لأدق تفاصيل حياة الرسول عليه السلام، والمعروف أن كتاباً مثل كتاب «سيرة ابن هشام» الذي كتبه ابن اسحاق لفّق أشعاراً دون أن يمحّصَ في صحتها، وكنّا ننتظر أن يلفق خبراً مثل هذا الخبر الذي له علاقة بالشعر وقيمة الشعراء كما لفق أشعاراً لآدم وبعض الأنبياء وعبد المطلب وغيرهم.
ولم تذكر كتب تأريخ الأدب العربي خبر تعليق المعلقات، ولنضرب مثلاً بكتاب «الأغاني» لأبي فرح الأصفهاني؛ فهو من أوسع الكتب التي أرّخت لحياة الشعراء ولفن الشعر العربي، خصوصاً في الجاهلية. كما أن الجاحظ والمبرد لم يذكرا هذا التعليق على الرغم من أنهما ذكرا نُتفاً وأبياتاً من المعلقات. ولم يذكر هذا الخبر العلماء الذين تعرضوا لتاريخ مكة كالأزرقي، كما أن الذين كتبوا عن تاريخ العرب وأساطيرهم لم يشيروا إلى شيء من ذلك.
ومن المعروف أن العلماء اختلفوا حول عدد المعلقات، لكن ما يسترعي الانتباه أن أياً من شعراء المعلقات لم يكن من أهل مكة، وهذا ملحظ مهم، فكيف تقبل قريش بتعليق قصائد ليست لشعرائها على الرغم من أن الشعر فيها قليل، وهذه إشارة بحث فيها الجاحظ وعللها بقلة الحروب فيها، لكن سلطان قريش السياسي والديني والاقتصادي جعل لها مكانة ساميةً على غيرها من القبائل العربية، ولعلَّ هذا كان سبباً في ارتداد كثير من القبائل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد عبر الشاعر الحطيئة عن ذلك، وعدّه قاصمة الظهر أن تبقى الخلافة في قريش.
وثمة موقف آخر يعبر عن موقف القبائل العربية المضرية منها واليمنية من قريش هو تخاذل تلك القبائل عن نصرة قريش حينما تجرأ أبرهة الحبشي على الهجوم على الكعبة المشرفة، وهذا يشير إلى التنافس المؤسس على التضاد بين قريش وغيرها من القبائل، وإخال أن هذا الميراث يدعو قريشاً إلى رفض تعليق المعلقات على الكعبة وهو رفض ليس له علاقة بقبولها وضع أصنام تلك القبائل حول الكعبة، فالمسألتان مختلفتان، ومن المعلوم أن أشهر الأسواق التجارية والأدبية كانت مرتبطة بالأشهر الحرم، فقامت قرب مكة، وهي «عكاظ» و»منى» و»ذو المجاز» و»ذو المجنة».
كما إن ثلاثاً من هذه المعلقات تشتمل في بعض أبياتها على فحش من التصوير والقول، وهي معلقات امرئ القيس والنابغة والأعشى، وهذا الفحش لا يتناسب مع القيمة الدينية التي يحظى بها البيت الحرام.
ولا يوجد أي أثر يرتبط بزمان التعليق والكيفية التي علقت بها المعلقات ومن حكم بالتعليق، والمعروف في تاريخ النقد أن هناك شعراء كانوا يحتكمون إلى الشاعر النابغة الذبياني، وأن له آراء نقدية موجزة بسيطة، لكن لم يرد أي رأي له عن هذه المسألة.
يضاف إل ذلك أنه لم يرد ما يؤيد فكرة التعليق من تفاخر أبناء الشعراء الذين علقت قصائدهم كأبناء زهير وحفدته أو من قبائلهم، خصوصاً أن التنافس بين تلك القبائل استمر بعد الإسلام وجعل بعض الأبناء ينحلون شعر آبائهم، لكننا لم نجد –حتى- شعراً منحولاً يؤيد ذلك، ونعلم أنّ أحد الشعراء البكريين هجا قبيلة «تغلب» بأنها لم تسأم من رواية قصيدة عمرو بن كلثوم وأنها ألهتهم عن كل مكرمة فقال:
«ألْهى بني تَغْلب عن كُلّ مَكْرُمة
قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثوم
يَرْوونَها أبداً مُذ كان أوَّلُهُمْ
يا للرجال لشعْر غَيْر مسْؤوم».
عطفاً على ما ذكر سابقاً وتأسيساً عليه، يمكن للباحث أن يخلص إلى أن فكرة التعليق كانت ضرباً من التلفيق وبدعة أسْطَرَها أحد اللغويين المتأخرين انطلاقاً من هدف نبيل مقصده دفع طلبة العلم لحفظ تلك المعلقات لتكون مشهورة بينهم، وليجمعوا على أنها أفضل ما قيل في الشعر العربي القديم، أوَليس قد عُلقت على الكعبة واستحسنها العرب وطرزوها بماء الذهب؟ أوَليس قد عُلقت على أقدس مكان في الأرض؟ فَلِمَ لا تعْلَقُ في نفوس العلماء وطلبة العلم؟
وقد تحقق ما أريد لهذه القصة من مقاصد، فحازت هذه المعلقات شهره عريضة، حتى إن المفضل الضبي والأصمعي (وهما من العلماء الثقات) لم يذكراها لشهرتها في اختياراتهما المعروفة ب»المفضليات» و»الأصمعيات»، ولم يذكرها كذلك أصحاب «الحماسات» كأبي تمام والبحتري وابن الشجري. والمعيار الفني هو الذي تقاس به وعليه الأعمال الإبداعية.
ولا ريب أن المعلقات التي «علقت بالنفوس وليس على الكعبة» قد فاقت غيرها وبقيت طوال ألف وخمسمائة عام ونيف يُنظر إليها نظرة إعجاب وتقديم لما تحمل من مضامين متجددة، وأساليب مدهشة، ولغة وصور وإيقاعات أسست للعقل العربي في طور نموه البكر، فبقيت عالقة في ذهن الأمة ومخيالها.
ولنا أن نتصور عظمة أمة أبدع بعض شعرائها نتاجاً فكرياً مموسقاً ومدهشاً في آن معاً، ولعل هذا هو السرّ الخفي الذي يشد الأمة نحو جذورها كلما عصفت بها عواصف الدهر وريب العاديات لتجدها عظيمة الشأن تضرب جذورها في باطن الأرض وفجر التاريخ، ولعلَّ كل بيت من أبيات تلك المعلقات يحتاج إلى تأمل عميق لفهم دلالاته ضمن سياقاته المترابطة، وهذا هو سر بقائها عصيّة على النسيان من ذاكرة الأمة على الأقل.